بنت جبيل مدينة مدمّرة ومرافقها الحيوية تحت الركام

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
12/06/20269:54 م

لم يقتصر الدمار في بنت جبيل على المنازل. فالصور الجوية والشهادات المحلية تكشف أن الاستهداف طال شبكة واسعة من المرافق التي تقوم عليها الحياة اليومية في المدينة، من البنى التحتية والمؤسسات التجارية إلى المدارس والمستشفيات والطرق والمباني العامة. ومع استمرار العدوان وغياب شروط العودة الآمنة، اضطر جميع أهالي المدينة إلى النزوح، فحيث وثّقت بلدية بنت جبيل، عبر منصة النزوح التي أنشأتها، وجود نحو 2000 أسرة نازحة موزعة على مناطق مختلفة من لبنان. في هذا الواقع، لا يعود السؤال محصورًا في عدد الأبنية المهدمة، بل في قدرة مدينة فقدت جزءًا كبيرًا من سكانها ومرافقها الأساسية على استقبال أهلها مجددًا، وتأمين الحد الأدنى من شروط السكن والعمل والاستقرار.

"وجود نحو 2000 أسرة نازحة موزعة على مناطق مختلفة من لبنان"

خريطة دمار تتجاوز المنازل

أظهر تحقيق بصري نشرته قناة الجزيرة في 28 نيسان/أبريل 2026، بالاستناد إلى صور أقمار صناعية ومصادر مفتوحة، أن أكثر من 1500 مبنى دُمّر في بنت جبيل، ضمن نمط واسع من التدمير في القرى والبلدات الحدودية جنوب لبنان. ولا تكمن أهمية هذه الصور في إظهار حجم الركام فقط، بل في كشف توزّع الضرر على أجزاء واسعة من المدينة ومراكزها الحيوية.

كما يؤكد رئيس بلدية بنت جبيل، محمد بزي، أن التدمير والجرف قد طال البنى التحتية والمرافق الحيوية التي تشكّل مقومات الحياة في المدينة. ويشير إلى أن شبكات الكهرباء والمياه والطرقات الداخلية دُمّرت أو تضررت بشكل واسع، كما طالت الأضرار السوق التجاري، والملعب البلدي، ومبنى أوجيرو، وسرايا بنت جبيل الحكومية، ومركز الشؤون الاجتماعية، ومعظم مدارس المدينة، إضافة إلى مستشفى صلاح غندور والمستشفى الحكومي بدرجات متفاوتة من الضرر.

ويضيف بزي أن العائلة التي تفكر في العودة لا تحتاج إلى منزل فقط، بل إلى طريق سالك، ومياه، وكهرباء، ومدرسة، ومركز صحي، ومؤسسات قادرة على العمل. ومن دون هذه الشبكة، تصبح العودة قرارًا محفوفًا بعدم الاستقرار.

مدينة بنت جبيل ما قبل الحرب

مرافق تجارية خارج الخدمة

ويقول بزي إن عمليات النسف التي توسّعت بعد وقف إطلاق النار طالت مؤسسات كبيرة للأدوات المنزلية، والخردوات، والأجهزة الكهربائية، والألبسة، والأحذية، إضافة إلى محلات صغيرة ومتوسطة مثل السوبرماركت، ومحلات الخضار، والملاحم، والأفران. كما طالت الأضرار مناطق تجارية أخرى داخل المدينة، بينها صفّ الهوا، إلى جانب مؤسسات منتشرة في أكثر من نقطة.

ان هذه المرافق لم تكن مجرد نقاط بيع وشراء، بل كانت تؤمّن حاجات السكان اليومية، وتشغّل عشرات العائلات، وتربط بنت جبيل بالقرى المحيطة التي تعتمد عليها كمركز خدمات وتجارة.

ويشير بزي إلى أنه لا توجد حتى الآن تقديرات نهائية دقيقة للخسائر المادية في المدينة. غير أن التقديرات الأولية تشير إلى ملايين الدولارات، خاصة أن الضرر طال مؤسسات تجارية كبيرة، إلى جانب شبكة واسعة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن البنى التحتية والمرافق العامة.

صورة تظهر الدمار الكبير لمدينة بنت جبيل

سلسلة الخسارة الاقتصادية

تقرأ أستاذة الاقتصاد سوسن جابر هذا المشهد بوصفه تعطيلًا مباشرًا للدورة الاقتصادية المحلية. فحين يخسر صاحب محل أو مؤسسة مصدر دخله، لا تتوقف الخسارة عند الفرد، بل تمتد إلى العائلة، والموظفين، والموردين، والمستهلكين.

وتوضح جابر أن تراجع الدخل يضغط على الاستهلاك، ويضعف الاستثمار، ويقلّص فرص العمل داخل المدينة، ما يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع البطالة وتراجع مستوى المعيشة.

اضافةً،تلفت إلى الفرق بين المحال الصغيرة والمؤسسات الأكبر. فالمحل الصغير قد يعيل عائلة واحدة يعمل فيها صاحبه وأفراد أسرته، بينما قد تشغّل المؤسسة الأكبر 25 أو 30 موظفًا، أي عشرات الأسر التي تعتمد بشكل مباشر على استمرار عملها. بهذا المعنى، لا تكون خسارة مؤسسة واحدة خسارة فردية، بل خسارة اجتماعية تمتد إلى شبكة كاملة من العلاقات الاقتصادية.

"توضح جابر أن تراجع الدخل يضغط على الاستهلاك، ويضعف الاستثمار، ويقلّص فرص العمل داخل المدينة"

وترى جابر أن إمكان النهوض مجددًا يرتبط بعوامل عدة، من بينها تمسك الأهالي بأرضهم، ودور أبناء بنت جبيل في الاغتراب، خصوصًا في الولايات المتحدة، إضافة إلى إمكان التعاون مع الجهات المانحة. وتعتبر أن إعادة تأهيل المرافق الأساسية، وإعادة فتح المحال، وتشغيل العائلات، يمكن أن تعيد الدورة الاقتصادية تدريجيًا، شرط توفر التمويل والاستقرار.

كما تتوافق هذه القراءة مع ما خلص إليه تقرير الأمم المتحدة للتنمية الصادر في كانون الثاني/يناير 2025، والمستند إلى مسح شمل 135 منطقة متضررة بين 5 و15 كانون الأول/ديسمبر 2024، والذي أظهر أن التعافي المحلي لا يقوم على ترميم المباني وحدها، بل على استعادة قدرة البلديات، والبنية التحتية، والخدمات الأساسية، والمؤسسات المحلية على العمل من جديد.

ما خسرته بنت جبيل لا يُقاس بعدد المباني المهدمة وحده. فقد تضررت الأماكن التي يعمل فيها الناس، ويتعلم فيها الأطفال، ويتلقّى فيها المرضى العلاج، ويشترون منها حاجاتهم اليومية. لذلك، فإن إعادة إعمار المدينة لا تعني إعادة بناء الحجر فقط، بل استعادة شروط الحياة التي تسمح لأهلها بالعودة والبقاء.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x