بين الجفاف الذي ضرب المواسم الزراعية العام الماضي، والحرب التي أغلقت الحقول وحالت دون الوصول إليها، يواجه مزارعو بلدة الوزاني الحدودية هذا العام واقعاً أمنياً يحرمهم من حقهم في زراعة أرضهم أو حصاد محاصيلهم، في مشهد يختصر معاني اللاعدالة البيئية التي تعيشها المناطق الحدودية في جنوب لبنان.
في سوق الخان بقضاء حاصبيا، حيث نزح حوالي 300 شخص من الوزاني وعين عرب ووطى الخيام، يقف محمد النمر عاجزاً أمام موسمٍ تركه في الأرض؛ فقبل الحرب، زرع تسعين دونماً من البطيخ في أراضي الوزاني، وأنفق على كل دونم ما يزيد على سبعين دولاراً بين شتول وأسمدة وحراثة ويد عاملة، وكان ينتظر أيام الجني ليسترد الكلفة ويؤمّن معيشة أسرته، لكن الحرب سبقت الثمر.
“العام الماضي واجهنا الجفاف وعوّضنا الكلفة. هذا العام الخسارة كاملة لأننا مُنعنا من الوصول”، يقول النّمر الذي حاول الوصول إلى أرضه فأُصيب برصاصة، فعاد، ثم بقي البطيخ في الحقل حتى تلف. إنَّ هؤلاء المزارعين لا يخسرون محاصيلهم بسبب تغيّر المناخ فقط، بل بسبب واقع أمني يمنعهم حتى من الاقتراب من أرضهم.
نزوحٌ معلّق وأرزاق بلا مصير
مزارعو الوزاني كغيرهم من مزارعي القرى الحدودية تركوا خلفهم الحقول والمواشي وكل ما يملكونه. وخلال حديث النمر لمنصّة “صلة وصل” يؤكّد أيضاً أنَّ هناك “أبقاراً في القرية ولا نعرف ما حلّ بها، ولا نستطيع الوصول إليها”.
من جهة أخرى، يروي المزارع جمال الأحمد القصة نفسها بأرقام مختلفة؛ فأكثر من عشرة دونمات مزروعة بالبطيخ والشمام تركها خلفه مع اندلاع الحرب، وإذا استمر الوضع -كما يقول-: “سنكون قد تركنا وراءنا أكثر من ألف رأس بقر وبيوتنا وكل أرزاقنا”. العام الماضي، تمكن المزارعون من التكيف مع الجفاف وتراجع المتساقطات، أما هذا العام فـ “الخسائر مدوّية لأننا مُنعنا ببساطة من العمل”.

ثلاثة آلاف دونم خارج الخدمة
“نحو ثلاثة آلاف دونم تعطّلت بالكامل تعيش منها بين خمسمئة وستمئة عائلة”، يقول رئيس التعاونية الزراعية إسماعيل أمين لمنصة “صلة وصل”. قبل الحرب، كان المزارعون قد بدؤوا بخطط تكيّف مع موجة الجفاف التي ضربت حوض المتوسط، حيث لم تتجاوز المتساقطات نحو أربعمئة مليمتر العام الماضي؛ ولجؤوا إلى شراء المياه من الآبار، وتغيير بعض الزراعات، وترشيد الري. لكن، بحسب أمين: “الجفاف يمكن مواجهته، أما الحرب فقد قضت على الزراعة بنسبة مئة في المئة”.
"الجفاف يمكن مواجهته أما الحرب فقد قضت على الزراعة بنسبة مئة في المئة"
يعتمد المزارعون في الوزاني وعين عرب على الزراعات الصيفية والقمح، ويعملون بمنطق الموسم؛ إذ يستدينون من موردين وتعاونيات لشراء الشتول والأسمدة والمعدات على أمل السداد بعد الحصاد. هذا العام، لا حصاد ولا قدرة على سداد الديون. ويحذّر أمين من خطرٍ أبعد من خسارة الموسم الحالي، إذ تعرضت مساحات زراعية للقصف بالفسفور، مما يثير مخاوف من تدهور طويل الأمد في خصوبة التربة.
الزراعة كفعل صمود
تقدّم نور حسام فقيه، مستشارة التنمية الاجتماعية والريفية، قراءة أعمق لما يجري في الوزاني، يتجاوز الخسارة الاقتصادية المباشرة؛ فبالنسبة إليها، لا تمثّل الزراعة هنا مجرد نشاط اقتصادي، بل “فعل صمود” يرتبط بالأرض لإثبات الوجود ورفض الاقتلاع.
لقد قامت نور بدراسة معمّقة حول مزارعي الوزّاني، حيث ترتبط حياتهم بالأرض بعلاقات عائلية وجيلية عميقة؛ فالأرض بالنسبة إليهم ليست ملكية فقط، بل مصدر كرامة وانتماء ومرساة عاطفية، ولهذا يعودون إليها رغم المخاطر. وتوضح فقيه أن الزراعة تشكل حجر الزاوية للبقاء المحلي في الوزاني، حيث تعتمد العائلات على مزيج من زراعة الزيتون والحمضيات والتبغ والخضروات، إضافة إلى تربية الماشية الصغيرة، وهذا التنوع الزراعي لم يكن ترفاً، بل وسيلة لحماية المجتمع من الانهيار الاقتصادي.
لكن الوجود الإسرائيلي الدائم والحروب المتكررة فرضا قيوداً هائلة على الدورة الزراعية اليومية؛ فالمراقبة المستمرة والخطر الحدودي يدفعان المزارعين إلى الابتعاد عن الحقول القريبة من الخط الأزرق حتى في الفترات التي لا تشهد مواجهات مباشرة. كما أدت الحروب المتكررة إلى تعطيل مواسم كاملة، وترك المشاتل والبساتين بلا عناية بسبب النزوح. وتشير فقيه إلى أن منطق العمل الزراعي تغيّر بالكامل؛ فلم يعد الهدف “تعظيم الإنتاج”، بل “تقليل المخاطر”، وبات كثير من المزارعين يتجنبون الاستثمارات الطويلة خوفاً من خسارتها في أي لحظة.

خسائر تتجاوز المحاصيل
“الأضرار لم تقتصر على المواسم الزراعية، بل طالت المحاصيل والماشية والآلات الزراعية وأنظمة الري وألواح الطاقة الشمسية وحتى المنازل”، كما تقول فقيه لـ “صلة وصل”؛ فقد وثّقت دراستها خسائر المزارعين الذين تقلصت أراضيهم المزروعة من عشرات الدونمات إلى دونم أو اثنين فقط، فيما اضطر آخرون إلى بيع مواشيهم بأسعار متدنية أو فقدوا قطعانهم بالكامل بسبب النزوح وعدم القدرة على تأمين الأعلاف. وبحلول منتصف عام 2024، تفحمت بساتين زيتون وحمضيات واسعة نتيجة القصف، وخلال عام 2025 انهارت سبل العيش الزراعي بشكل كبير تحت ضغط النزوح المتكرر وتعطل سلاسل التوريد.
مزارعو الوزاني يعيشون “العنف البطيء”
تصف فقيه ما يعيشه مزارعو الوزاني بمفهوم “العنف البطيء”، أي الضرر التراكمي الذي لا يظهر دفعة واحدة، بل يتراكم مع كل حرب، ويجعل التعافي أكثر صعوبة. وترى أن المزارعين يواجهون شكلاً واضحاً من اللاعدالة البيئية؛ لأنهم يتحملون نتائج تلوث ودمار لم يتسببوا فيهما.
هذه المخاوف يؤكدها الدكتور رامي زريق، الأستاذ في كلية الزراعة والعلوم الغذائية في الجامعة الأمريكية في بيروت، الذي يشرح أن أثر القصف في خصوبة التربة قد يمتد لسنوات طويلة، تبعاً لنوع الذخائر المستخدمة وطبيعة الأرض وشدة القصف. ويوضح أن الانفجارات لا تدمر المزروعات فقط، بل تضرب البنية الفيزيائية للتربة نفسها؛ إذ قد تؤدي إلى انضغاطها وتفكيك طبقاتها وزيادة قابليتها للانجراف، إضافة إلى إزالة الطبقة السطحية الخصبة التي تحتوي على المادة العضوية والكائنات الدقيقة والعناصر الغذائية الأساسية لنمو النباتات.
“إنَّ المشكلة لا تتوقف عند الضرر الفيزيائي، بل تشمل أيضاً التلوث الكيميائي الناتج عن بقايا الذخائر ومخلفات الاحتراق”، بحسب ما أكّده الدكتور زريق لمنصّة “صلة وصل”؛ فالقصف قد يخلّف معادن ثقيلة مثل الرصاص، والكادميوم، والنحاس، والنيكل، والكروم، والزَّنك، وهي عناصر قد تبقى في التربة لفترات طويلة وتؤثر تدريجياً في جودة المحاصيل وسلامة السلسلة الغذائية. وفي المناطق التي تعرضت للفسفور الأبيض، تبرز مخاوف إضافية مرتبطة بتغيّر كيمياء التربة وتلوّث المياه السطحية والجوفية.
ويشير زريق إلى أن “خصوبة التربة لا ترتبط فقط بالعناصر الغذائية، بل أيضاً بحيوية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه ودعم الجذور وتأمين بيئة صحية للنباتات”. والحرب، بحسب وصفه، “تُضعف هذه الوظائف مجتمعة عبر حرق الغطاء النباتي، وفقدان المادة العضوية، وزيادة الانجراف، وتعريض الأرض للجفاف والتدهور”.

العودة إلى الأرض… ليست قراراً بسيطاً
علاوة على ذلك، يحذّر زريق من العودة العشوائية إلى الزراعة قبل تقييم الأضرار؛ فالأولوية بحسب قوله: “يجب أن تكون للسلامة، عبر التأكد أولاً من خلو الأراضي من الذخائر غير المنفجرة والشظايا الخطرة. بعد ذلك، تصبح فحوصات التربة والمياه ضرورية، خصوصاً في الحقول التي تعرضت للقصف المباشر أو الحرائق”.
ويوضح أن بعض المحاصيل، مثل الخضروات الورقية والجذرية، تكون أكثر عرضة لالتقاط الملوثات، مما يستدعي الحذر قبل إعادة زراعتها. كما يدعو إلى “اعتماد خطوات انتقالية لإعادة تأهيل التربة، مثل إضافة المادة العضوية، وزراعة محاصيل التغطية، والحد من الانجراف، بالتنسيق مع مختصين زراعيين وبيئيين”.
مستقبل الزراعة… بين الصمود والانهيار
في المقابل، إنَّ استمرار هذا الواقع يستنزف موارد الأسر الزراعية ويدفع الشباب إلى الهجرة، مما يهدد الاستمرارية الجيلية للزراعة في المنطقة؛ فغياب الدولة خاصة في القرى الحدوديّة فاقم الأزمة، إذ تُرِك المزارعون يواجهون الحرب والجفاف والديون بمفردهم.
كما أنَّ التعامل مع الزراعة في المناطق الحدودية يجب أن يكون جزءاً من مفهوم الأمن الغذائي الوطني، بحسب الدكتور زريق، مؤكّداً أن “الخطط المستقبلية يجب أن تقوم على تعزيز قدرة المزارعين على الصمود؛ من خلال تنويع المحاصيل، وتحسين البنية التحتية المائية، وحماية التربة، وإنشاء خطط طوارئ زراعية خاصة بالمناطق الحدودية تشمل التعويضات السريعة، وفحوصات التربة والمياه، ودعم البذور وشبكات الري والإرشاد الزراعي”.
"الخطط المستقبلية يجب أن تقوم على تعزيز قدرة المزارعين على الصمود"
ويضيف أن “خسائر هذا العام لا يمكن اعتبارها خسائر زراعية عادية مرتبطة بالسوق أو المناخ، بل هي نتيجة مباشرة لانعدام القدرة على الوصول إلى الأرض؛ لذلك فإن أي تعافٍ حقيقي يجب أن يبدأ بتوثيق الأضرار، وتعويض المزارعين، وتأمين الدعم المالي والفني اللازم لعودتهم إلى الإنتاج”.
العدالة للأجيال القادمة
إذن في الوزاني، لا تبدو الخسارة مجرد موسم ضائع، بل إن السؤال الأعمق هو ما إذا كانت الأرض نفسها ستبقى قادرة على الإنتاج مستقبلاً؛ فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى حقله، وتُحرق التربة، وتتراكم الديون، لا يصبح الخطر على محصول سنة واحدة فقط، بل على استمرارية الحياة الزراعية بأكملها.
هنا، تتحول العدالة البيئية من مفهوم نظري إلى قضية يومية يعيشها المزارعون على الحدود: حقهم في الوصول إلى أرضهم، وحقهم في أن تبقى هذه الأرض صالحة للحياة والزراعة للأجيال القادمة.













