المتاحف في زمن الحرب
لا تُهدد الحروب الأرواح والمباني فقط، بل تُهدد أيضًا الذاكرة التي تختزنها الأماكن والمقتنيات والوثائق. وفي لبنان، يتجدد هذا التحدي مع كل حرب أو كارثة. فمن المتحف الوطني الذي وجد نفسه خلال الحرب الأهلية على خط تماس مباشر بين أطراف النزاع، إلى متحف سرسق الذي أعاد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 طرح مسألة حماية المقتنيات والأرشيفات الفنية، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، حيث عاد الخوف على المواقع الأثرية والمباني التراثية والذاكرة المادية في القرى والمدن اللبنانية. تكشف التجارب المتعاقبة أن المتحف نفسه قد يصبح مساحة مهددة. فالخطر لا يطال المباني وحدها، بل القطع والوثائق والسجلات التي تحفظ جزءًا من تاريخ البلاد المادي والبصري. ومع تصاعد المخاطر، يبرز سؤال أساسي: هل تكفي جدران المتاحف لحماية التراث، أم أن حماية الذاكرة تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك؟
موريس شهاب وإنقاذ الذاكرة
في المتحف الوطني، لم تكن المهمة خلال الحرب الأهلية حماية المبنى فحسب، بل حماية آلاف القطع الأثرية التي تمثل ذاكرة البلاد الأثرية. فعندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، تولّى الأمير موريس شهاب، المدير العام للآثار آنذاك، مهمة غير مسبوقة تمثلت في حماية مقتنيات المتحف الوطني من الدمار والنهب. كان شهاب قد كرّس حياته للآثار اللبنانية، وأسهم منذ عام 1928 في إنشاء المتحف الوطني، قبل أن يتولى رئاسة مصلحة الآثار عام 1944، ثم الإدارة العامة للآثار عام 1960.
أمام خطر الحرب، اتخذ شهاب سلسلة إجراءات استثنائية لحماية المجموعات الأثرية. نُقلت القطع الصغيرة إلى أماكن أكثر أمانًا داخل المتحف، فيما غُلّفت القطع الضخمة، مثل التماثيل والنواويس والفسيفساء، بطبقات من الإسمنت والحجارة. وتحولت بعض القاعات إلى ما يشبه الحصون الواقية. وبفضل هذه الإجراءات، نجت نسبة كبيرة من مقتنيات المتحف، وعادت إلى الظهور أمام الزوار بعد انتهاء الحرب.
تقول آن ماري عفيش، المديرة العامة ورئيسة مجلس إدارة “الهيئة العامة للمتاحف”، إن المتحف الوطني يكتسب أهمية خاصة لأن جميع القطع المعروضة فيه اكتُشفت على الأراضي اللبنانية، وهي تروي تاريخ لبنان عبر آلاف السنين. وتشير إلى أن ما قام به موريس شهاب خلال الحرب الأهلية شكّل نموذجًا مبكرًا لحماية التراث في أوقات النزاع، إذ أدرك أن خسارة هذه القطع تعني خسارة جزء من تاريخ البلاد لا يمكن تعويضه.
" إن المتحف الوطني يكتسب أهمية خاصة لأن جميع القطع المعروضة فيه اكتُشفت على الأراضي اللبنانية "
وتضيف أن المباني المدمرة يمكن إعادة بنائها، أما القطع الأثرية فهي فريدة بطبيعتها، ولا يمكن استبدالها أو إعادة إنتاجها. لذلك بقيت حماية المجموعات الأثرية أولوية خلال مختلف الأزمات التي شهدها لبنان، من حرب تموز 2006 وصولًا إلى الحروب والاعتداءات الأخيرة.

من الإسمنت إلى خطط الطوارئ
إذا كانت حماية التراث خلال الحرب الأهلية قد اعتمدت، إلى حد كبير، على الاجتهادات الفردية والإجراءات الميدانية السريعة، فإن المقاربة المعتمدة اليوم أصبحت أكثر تنظيمًا، وتستند إلى التخطيط المسبق والتنسيق بين المؤسسات.
توضح روينا بو حرب، رئيسة قسم الأرشيف في متحف سرسق، أن المتحف طوّر بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 خطة طوارئ متكاملة للتعامل مع الحروب والكوارث. فقد كشف الانفجار هشاشة المؤسسات الثقافية أمام الأحداث المفاجئة، وأظهر الحاجة إلى آليات استجابة واضحة ومحددة مسبقًا.
" المتحف طوّر بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 خطة طوارئ متكاملة للتعامل مع الحروب والكوارث "
وتشير إلى أن متحف سرسق جزء من شبكة تضم مؤسسات ثقافية وأرشيفية وأكاديمية في لبنان، تعمل على تبادل الخبرات والتنسيق في مجال حماية التراث. ومن بين هذه المؤسسات الجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة القديس يوسف، والمكتبة الشرقية، ومؤسسة الصورة العربية، ومراكز أرشيفية أخرى تشكل معًا إطارًا للتعاون عند وقوع الأزمات.
بعد انفجار بيروت، تعاون المتحف مع جمعية “بلادي” وخبراء من شبكة “بلو شيلد” (Blue Shield) الدولية، المتخصصة في حماية التراث في أوقات النزاعات والكوارث. وتوضح بو حرب أن الفرق المتخصصة ساعدت في جمع القطع المتضررة، وتقييم الأضرار، وتحديد ما يمكن إنقاذه أو ترميمه. وقد دفع ذلك المتحف لاحقًا إلى تطوير خطة طوارئ مفصلة تحدد الأولويات والمسؤوليات وآليات التدخل السريع.
تشمل هذه الخطة لوائح بأرقام التواصل، وإجراءات لحماية المبنى والمقتنيات، وآليات لنقل الأعمال الفنية والأرشيف إلى أماكن أكثر أمانًا عند الحاجة، إضافة إلى تجهيز مواد خاصة بالطوارئ، مثل علب الحفظ، ومواد التغليف، وأكياس الرمل المستخدمة لحماية بعض المقتنيات الحساسة.
وتلفت بو حرب إلى أن الخطة لا تقتصر على المقتنيات المادية، بل تشمل أيضًا الأرشيف الرقمي والنسخ الاحتياطية وقواعد البيانات الإلكترونية. وتشدد على أن وجود خطة مكتوبة ومجرّبة مسبقًا يشكل عنصرًا أساسيًا في أي عملية حماية ناجحة.
حماية التراث مسؤولية جماعية
لا تعتمد حماية التراث على المتاحف وحدها، بل على شبكة أوسع من الجهات الرسمية والمتخصصة. ففي بعض التدريبات التي أُجريت بعد انفجار بيروت، شارك الجيش اللبناني إلى جانب جمعيات معنية بالتراث، بهدف محاكاة سيناريوهات الإخلاء وحماية المقتنيات المهددة.
وتؤكد بو حرب أن التعاون بين المؤسسات أصبح ضرورة، لأن أي متحف أو أرشيف قد يجد نفسه عاجزًا عن مواجهة الكارثة منفردًا. ولهذا السبب، تستمر اللقاءات والمؤتمرات والندوات المهنية بين المتاحف والمؤسسات الثقافية في لبنان وخارجه، لتبادل الخبرات حول الحفظ الوقائي، وإدارة المخاطر، والاستجابة السريعة أثناء الأزمات.
وتضيف أن بعض المؤسسات باتت تعتمد أيضًا على المؤتمرات الرقمية والاجتماعات الافتراضية لمناقشة التحديات المشتركة، ومشاركة التجارب المتعلقة بخطط الطوارئ وأساليب الحفظ، بما يساهم في رفع الجهوزية على مستوى القطاع الثقافي ككل.

أهمية الرقمنة في وقت الحرب
رغم كل إجراءات الحماية، يبقى السؤال مطروحًا حول حدود قدرة المتحف على حماية التراث في أوقات الحرب. فالقصف المباشر أو التدمير الواسع النطاق قد يؤدي إلى خسائر لا يمكن تداركها، مهما بلغت مستويات الجهوزية.
هنا تبرز أهمية التوثيق والرقمنة بوصفهما خط دفاع إضافيًا. غير أن غادة دمشق، الخبيرة في الحفظ الأرشيفي، تحذر من التعامل مع الرقمنة باعتبارها بديلًا عن الأثر المادي. فبحسب رأيها، لا يمكن لأي نسخة رقمية أن تعوّض خسارة قطعة أثرية أصلية، لأن هذه القطعة تمثل شاهدًا ماديًا فريدًا على حضارة أو مرحلة تاريخية معينة.
" غادة دمشق الخبيرة في الحفظ الأرشيفي تحذر من التعامل مع الرقمنة باعتبارها بديلًا عن الأثر المادي "
وترى دمشق أن قيمة الرقمنة تكمن في مكان آخر. فهي تحفظ الدليل على وجود الأثر، وعلى تاريخه، وعلى ما تعرض له من تدمير. فالتوثيق الرقمي، بالنسبة إليها، لا ينقذ القطعة نفسها إذا فُقدت، لكنه يحفظ السجل الذي يثبت وجودها، ويوثق الاعتداء الذي طالها.
وتعتبر أن استهداف المواقع الأثرية والمباني التراثية والأرشيفات لا يقتصر على تدمير الحجر أو الوثيقة، بل يطال الذاكرة والهوية والرواية التاريخية المرتبطة بالمكان. لذلك يصبح التوثيق وسيلة لمواجهة ما تصفه بـ“العنف الأرشيفي”، أي محاولات محو الشواهد المادية التي تثبت وجود المجتمعات وتاريخها على الأرض.
وتضيف أن الصور والوثائق والنسخ الرقمية تشكل أدوات لإثبات ما كان موجودًا قبل التدمير، كما توثق حجم الخسارة التي لحقت بالتراث. وبهذا المعنى، لا تحل الرقمنة محل الأثر، لكنها تمنع اختفاءه الكامل من الذاكرة الجماعية ومن السجل التاريخي.
تكشف التجارب اللبنانية المتعاقبة أن حماية التراث لم تعد تقتصر على إغلاق الأبواب أو تدعيم الجدران. فبين الإسمنت الذي استخدمه موريس شهاب لإنقاذ مقتنيات المتحف الوطني خلال الحرب الأهلية، وخطط الطوارئ والنسخ الاحتياطية والشبكات المهنية التي تعتمدها المتاحف اليوم، تطورت أدوات الحماية وتعددت أشكالها.
ومع ذلك، يبقى الهدف واحدًا: الحفاظ على الشواهد التي تروي قصة هذه الأرض وسكانها. فحين تطال الحروب المباني والآثار والأرشيفات، لا يكون المستهدف مجرد مقتنيات صامتة، بل الذاكرة التي تربط الأجيال بماضيها، والرواية التي تثبت حضور المجتمعات في المكان. من هنا، تبدو حماية التراث أكثر من مهمة ثقافية؛ إنها دفاع عن حق الناس في الاحتفاظ بتاريخهم وسرديتهم ووجودهم.













