لماذا لا يؤخذ ألم النساء على محمل الجد؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
25/07/20267:57 م

قبل موعد تركيب اللولب بأيام، أمضت “لارا” ساعات طويلة في قراءة تجارب النساء على الإنترنت. لم تكن تبحث عن نسبة فعاليته أو مدة بقائه، بل عن إجابة لسؤال واحد: كم سيكون الألم؟

تقول لارا إنها سمعت مرارًا أنّ الإجراء “بسيط” وأنها قد تشعر بانزعاج عابر فقط. لكن عندما انتهى تركيب اللولب، بقي في ذهنها سؤال آخر: لماذا بدت التجربة أكثر إيلامًا مما توقعت؟ لم يكن الألم وحده ما أزعجها، بل شعورها بأنّ مخاوفها لم تُؤخذ على محمل الجد منذ البداية.

لطالما عاشت النساء في ظلّ ثقافة تنظر إلى الألم الأنثوي بوصفه أمرًا اعتياديًا. آلام الدورة الشهرية “طبيعية”، وتعب الحمل “طبيعي”، وآلام الولادة “طبيعية”، وحتى في الإجراءات الطبية المرتبطة بالصحة الإنجابية، لا يكون النقاش منصبًّا دائمًا على كيفية تخفيف الألم، بل على قدرة المرأة على تحمله.

لكن وصف الألم بأنه “طبيعيًا” لا يجعله أقل قسوة، ولا يعني دائمًا أنه طبيعي من الناحية الطبية. فبحسب الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (ACOG)، قد تكون آلام الدورة الشهرية ناتجة عن تقلصات الرحم الطبيعية، لكنها قد تكون أيضًا مؤشرًا إلى حالات صحية مثل بطانة الرحم المهاجرة، وهي حالة تنمو فيها أنسجة شبيهة ببطانة الرحم خارج الرحم وتسبب آلامًا قد تكون شديدة أو الأورام الليفية، وهي كتل غير سرطانية تنمو داخل الرحم أو على جداره وقد تؤدي إلى نزيف وآلام أثناء الدورة. 

وتؤكد الكلية أن الألم الشديد ليس أمرًا ينبغي التعايش معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من حياة المرأة، بل قد يستدعي التقييم والعلاج.

ولعلّ اللافت أنّ هذه الشكاوى ليست مجرد انطباعات شخصية. فقد أشارت مراجعات طبية حديثة نشرتها كلية الطب في جامعة هارفارد إلى وجود ما يُعرف بـ”التحيز الجندري تجاه الألم”، حيث تُظهر أبحاث أن آلام النساء قد تؤخذ بجدية أقل مقارنة بآلام الرجال، ما قد يؤدي إلى تأخير التشخيص أو العلاج في بعض الحالات.

" تؤكد الكلية أن الألم الشديد ليس أمرًا ينبغي التعايش معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من حياة المرأة "

وسائل منع الحمل: لماذا تتحمل المرأة العبء الأكبر؟

حبوب منع الحمل رغم انتشارها الواسع، قد ترتبط لدى بعض النساء بآثار جانبية مثل الصداع وتقلبات المزاج والغثيان وتغيرات الوزن. أما الحقن الهرمونية والغرسات تحت الجلد فتفرض بدورها تدخلًا مستمرًا في التوازن الهرموني للجسم، ما يدفع بعض النساء إلى تجنبها أو التوقف عن استخدامها.

وفي المقابل، يُعدّ اللولب من أكثر وسائل منع الحمل فعالية، إذ تتجاوز نسبة نجاحه 99% في منع الحمل. ومع ذلك، يبقى الخوف من تركيبه أحد أبرز أسباب تردد النساء في اختياره.

لكن القاسم المشترك بين معظم وسائل منع الحمل هو أنّ العبء الجسدي يقع في نهاية المطاف على المرأة. فهي التي تتحمل الآثار الجانبية للوسائل الهرمونية أو تخضع للإجراءات الطبية المرتبطة ببعض الوسائل، كما أنها تتحمل تبعات أي حمل غير مخطط له إذا فشلت الوسيلة أو اختارت عدم استخدامها. وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا لدى النساء اللواتي يتجنبن بعض وسائل منع الحمل خوفًا من تأثيرها على أجسادهن، ليجدن أنفسهن أمام احتمال حمل سيتحملن وحدهن تغيراته الجسدية والنفسية ومخاطره الصحية وآلام الولادة. وهكذا يبقى جسد المرأة في قلب المسؤولية الإنجابية، سواء استخدمت وسيلة لمنع الحمل أم لم تستخدمها.

قد تختلف تجارب النساء مع تركيب اللولب من امرأة إلى أخرى، لكن ما تتفق عليه كثيرات هو الفجوة بين الوصف الطبي المختصر للإجراء وبين التجربة الشخصية التي يعشنها فعليًا.

وتشير دراسة حديثة نُشرت في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب إلى أنّ نسبة ملحوظة من النساء وصفت الألم المصاحب لتركيب اللولب بأنه شديد، فيما تحدثت أخريات عن تجربة كانت أكثر إيلامًا مما توقعن. وتكشف هذه النتائج عن فجوة بين الوصف الطبي الشائع للإجراء بوصفه “بسيطًا” وبين التجربة الفعلية التي تعيشها بعض النساء.

كما خلصت دراسة أجرتها جامعة موناش الأسترالية إلى أن الخوف من الألم أثناء تركيب اللولب يُعد من الأسباب الرئيسية التي تدفع بعض النساء إلى تجنب هذه الوسيلة رغم فعاليتها العالية، ما يطرح أسئلة حول مدى اهتمام الأنظمة الصحية بتجربة المريضة نفسها، لا فقط بالنتيجة الطبية للإجراء.

أما “لينا”، فتقول إنّ معاناتها مع حبوب منع الحمل بدأت بعد أشهر من استخدامها، إذ لاحظت زيادة في الوزن وتقلّبات مزاجية أثرت على راحتها النفسية. كما وجدت أنّ تعليقات الآخرين على تغير شكل جسدها زادت من شعورها بعدم الارتياح، رغم رغبتها في تجنّب حمل غير مخطط له. وتؤكد تجربتها أنّ آثار وسائل منع الحمل قد تمتد إلى الجسد والصحة النفسية والصورة الذاتية للمرأة.

مسؤولية منع الحمل.. على جسد المرأة فقط

في النقاشات المتعلقة بتنظيم الأسرة، يبدو أنّ العبء الجسدي يقع في معظم الأحيان على المرأة وحدها.

فحبوب منع الحمل قد تحمل آثارًا جانبية لبعض النساء. واللولب الهرموني قد لا يناسب الجميع. وهناك نساء يرفضن استخدام الوسائل الهرمونية أساسًا خوفًا من تأثيراتها المحتملة على أجسادهن أو بسبب تجارب سابقة لم تكن مريحة.

والمفارقة أن معاناة المرأة لا تبدأ عند الحمل، بل قد تسبقه بسنوات. فبين محاولات منع الحمل والخيارات الطبية المتاحة لذلك، يبقى جسدها في واجهة التجربة. هي التي تتناول الهرمونات أو تخضع لتركيب اللولب وإزالته أو تتعامل مع الآثار الجانبية والتغيرات التي قد تطرأ على جسدها نتيجة هذه الوسائل.

" المفارقة أن معاناة المرأة لا تبدأ عند الحمل بل قد تسبقه بسنوات "

وإذا حدث حمل رغم ذلك، تنتقل الأعباء إلى مرحلة أخرى؛ إذ تتحمل المرأة التغيرات الجسدية والهرمونية، والغثيان والإرهاق، ومضاعفات الحمل المحتملة، ثم آلام الولادة والتعافي بعدها. وهي التي تخوض هذه التجربة كاملة بجسدها، مهما كان الدعم الذي تتلقاه من الآخرين.

وفي كثير من الأحيان، تجد نفسها مطالبة بتحمل كلفة الوقاية من الحمل، تمامًا كما تتحمل كلفة الحمل نفسه إذا وقع.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، ما زالت مئات الآلاف من النساء حول العالم يفقدن حياتهن سنويًا بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة، في تذكير صارخ بأنّ الحمل ليس مجرد حدث بيولوجي عابر، بل تجربة صحية قد تحمل مخاطر حقيقية تتحملها النساء بأجسادهن وحدهن.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الألم الذي تعانيه النساء ثمنًا متوقعًا أو أمرًا يُطلب منهن التعايش معه بصمت. فالتقدّم الطبي الحقيقي لا يُقاس فقط بتوفر العلاجات والإجراءات، بل أيضًا بمدى الإصغاء إلى المرضى وأخذ معاناتهم على محمل الجد.

إنّ الوقت قد حان لإعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها النظام الصحي مع ألم النساء، بدءًا من التشخيص ووصولًا إلى العلاج وإدارة الألم. كما أنّ تقليل التحيز الجندري في الرعاية الصحية لم يعد مجرد مطلب للإنصاف، بل ضرورة طبية وأخلاقية تضمن حصول النساء على الرعاية التي يحتجنها في الوقت المناسب.

فالاعتراف بالألم هو الخطوة الأولى نحو علاجه، والاستماع إلى النساء ليس مجاملة، بل أساس لرعاية صحية أكثر عدلًا وإنسانية وكفاءة للجميع.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x