كيف تحولت مراكز النزوح إلى بؤر مشتعلة صيفًا؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
31/08/20269:56 م

المدينة الرياضية نموذجًا

في ظل اشتداد وطأة الحرارة، ووصولها إلى 33 درجة مئوية، وارتفاع معدلات الرطوبة التي كادت تخنق الأنفاس، تجلس السيدة الأربعينية مريم (إسم مستعار) داخل خيمتها في مركز إيواء النازحين في المدينة الرياضية في العاصمة بيروت، تبدو عليها ملامح الحر الشديد والإرهاق، تقول: “تعبنا من هيدا الطقس، من شهرين بلشت عنا معاناة جديدة، ما كانت بالحسبان”.

وتضيف: “ما عنا مراوح أو أيّ وسيلة تهوية أو تبريد، طلبنا من المعنيين، الصليب الأحمر ووزارة الشؤون يأمنولنا مراوح، بس ما جابو، يمكن لأن عددنا كان كبير بس بلشت ترتفع الحرارة. وأنا ما عندي قدرة اشتري مروحة بهيدا الوقت، بدها تكون بتتشرج كمان”. 

إذ يغيب التيار الكهربائي عن المكان، حسبما تقول السيدة الأربعينية: “كهرباء الدولة مقطوعة دايمًا، بدورولنا الموتور كم ساعة بالليل، من 8 عشية وحتى نص الليل، خلال هيدا الوقت بشرج الضوء والبوربنك لشحن تلفوني، بس بالأماكن المشتركة والحمامات فيه طاقة شمسية”. 

وكانت السيدة قد نزحت من بيتها في ميس الجبل (قضاء بنت جبيل)، وسكنت لأيام قليلة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، قبل أن تحجز خيمة لها في المدينة الرياضية؛ المركز الذي افتُتح في 7 آذار (مارس) الماضي بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعيّة، بعد بدء العدوان على لبنان في 2 آذار، ما دفع عشرات آلاف العائلات إلى النزوح. 

وخلال حديثها، تروي لنا كيف خرجت من منزلها عند منتصف الليل: “ضهرنا بالتياب لي علينا، والأسوأ انو مش عارفين أيمتين منرجع، لأن ضيعتنا حاليًا مُحتلة لهيك عم نجرب نقطع هل أيام؛ حاليًا فيه شغلات كتير ناقصيتنا” وهي وما زالت تسكن خيمتها منذ نحو 5 أشهر. 

صورة من مركز الإيواء في المدينة الرياضية تظهر أجواء احتفالية

في الخيمة الزرقاء الخاصة بها، تضع السيدة فرش وأغطية، كانت قد حصلت عليها كمساعدة، وفيها بعض الحاجيات الأخرى: غاز صغير وقدر وصحون وطاولة ومقعد وبعض أدوات التنظيف والمواد الغذائية، وملابس موضوعة في حقائب في الزاوية. 

تقول إنها تأبى المكوث داخل الخيمة، فالحرارة مرتفعة جدًا فيها، لسبب أساسي أنها مصنوعة من مادة النايلون، وفيها شبه نافذة، لا يدخل منها الهواء: “ما عم نقدر ننام بالليل، منضهر منقعد بالباحة الهوا والوضع أرحم شوي، أوقات منقعد قدام الخيمة؛ هيدي الخيم مش معمولة للناس تسكن فيها، يمكن أنجق تكون مقبولة للتخييم يومين مش أكتر. مجرد نفوت عليها منصير مي من الرطوبة العالية”.

"هيدي الخيم مش معمولة للناس تسكن فيها، يمكن أنجق تكون مقبولة للتخييم يومين مش أكتر. مجرد نفوت عليها منصير مي من الرطوبة العالية"

ما يسعفهم راهنًا، وفرة مياه الخدمة للاستعمال في المركز، إذ لا خيار أمام الأسر النازحة سوى الاستحمام مرات عديدة خلال النهار والجلوس في الظل خارج الخيم وتخفيف الملابس الزائدة: “الحمدلله المي متوفرة، للشرب بعد تركيب الصليب الأحمر جهاز تكرير لمياه الشرب، وللاستخدام الشخصي، بتحمم 3 أو 4 مرات بالنهار، ما قادرين نعمل غير هيك، لنخفض حرارة جسمنا، خصوصي انو فيه حمامات كتيرة متوفرة وفيها نضافة”. 

الاستحمام عدة مرات في اليوم، هي واحدة من أدوات التكيف التي يلجأ إليها النازحين/ات القادمين من عدّة قرى وبلدات جنوبية حدودية محاذية لفلسطين المحتلة، منها: حولا والعديسة ومركبا وميس الجبل وقرى وبلدات النبطية، وكذلك استبدال البطانيات بشراشف صيفية. وهم الآن يستغنون عن المياه الساخنة في الاستحمام: “أول ما جينا كنا نسخن مي على الغاز حتّى نتحمم، هلق مش بحاجة، المي كتير سخنة من الطقس”. 

أما الطعام، فإنه قابل للتلف في آخر النهار، إذ لا ثلاجة تحفظ أطعمتها، فتطهو القليل منه ليس أكثر، خاصة بعدما بات توزيع الطعام داخل المركز يقتصر على تقديم وجبة واحدة في اليوم تقول: “كل يوم حدا بروح بيشتري الأغراض من الدكانة، ما منكتر منجيب على قدنا، حتى ما يخربوا. أحيانًا ربطة الخبز منكبها آخر النهار بسبب الشوب”. 

تُخبرني السيدة، كيف بنت علاقة مفيدة مع دكاكين الحي، تتواصل معهم عبر تطبيق الواتساب ليضعوا لها عبوات مياه كبيرة لها ولجيرانها النازحين، لتفريزها قبل ساعات من أخذها، كي تحافظ على برودتها أطول وقت ممكن، ثمّ تقول: “أُجبرنا على التأقلم مع كل هذا، كنا عايشين ببيتنا حياة طبيعية، بحريتنا، انجبرت أنا وولادي التلاتة، نقعد هيك حياة، بعد ما كنا نقرا ونسمع عن ناس عاشوا ظروف شبيهة، ونقول الله يعينهن كيف بيتحملو، عشناها ولقيناها صعبة كتير”. 

ورغم ذلك فإنها تعتبر أن السكن: “بالمدينة اشفى حال من قعدة المدارس. بس ما عنا حاليًا مساعدات، خاصة بعد ما كتار ناس فلو على الضاحية والجنوب”، وتُعلق: “بس صير قادرة ح فتش على بيت زغير يكون سعره رخيص. هيدي الحرب دمرتنا، وما فيه حدا عم بساعدنا حاليًا. وأنا منفصلة عن زوجي وعندي بنتين بالجامعة وشاب عم بفتش على شغل ليعيننا”.

جانب من خيم النازحين في المدينة الرياضية

هناك حيث تسكن منذ أشهر، تُعاني جارتها سعاد عباس (اسم مستعار) إجهادًا حراريًا، بسبب الضغط الذي يرتفع أحيانًا تقول إنها: “تختنق من الشوب، ما بتعرف كل الليل تنام. الشوب قتلنا”، فيما تقول الشابة مريم حمود (اسم مستعار) وكانت تتواجد على مقربة منها: “شوب قد ما بدك، ما عنا مروحة، والطقس نار، بدل الخيمة عنا خيمتين محطوطين فوق بعض، واليوم بدهن يحطو دوا للبرغش”. 

ويتواجد راهنًا في مركز إيواء المدينة الرياضية، حوالي 150 شخصًا، إذ انخفضت أعداد النازحين/ات في مركز الإيواء داخل المدينة بعد عودة أسر كثيرة إلى بلداتهم وقراهم، وفق ما يؤكد المدير العام للمنشآت الرياضية دكتور ناجي حمود ويضيف لـ”صلة وصل”: “إن الأعداد  انخفضت كثيرًا، ولا نزال نقدم نفس الخدمات والدعم مثلما كنا في وقت الذروة حين سكن هذا المركز 1900 شخص من العائلات النازحة”. 

مركز إيواء المدينة الرياضية ليس سوى واحد من مراكز عديدة لا تزال تفتح أبوابها أمام النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة بعد إلى قراهم، ووفق المسؤول الإعلامي لغرفة إدارة الكوارث والأزمات في محافظة بيروت فادي بغدادي: “لا يزال في العاصمة بيروت 51 مركزًا لإيواء النازحين” ويضيف لـ”صلة وصل”: “يسكن راهنًا في هذه المراكز قرابة 10 آلاف شخص”. 

"أُجبرنا على التأقلم مع كل هذا، كنا عايشين ببيتنا حياة طبيعية، بحريتنا... بعد ما كنا نقرا ونسمع عن ناس عاشوا ظروف شبيهة، ونقول الله يعينهن كيف بيتحملو، عشناها ولقيناها صعبة كتير"

وتعاني غالبيّة النازحين واقعًا صعبًا للغاية في مراكز الإيواء بسبب انقطاع التيار الكهربائي المستمر وعدم توفر أجهزة التبريد، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة بفعل الصيف، إذ عادة ما تشتد موجة الحر في شهر آب (أغسطس) ما يُفاقم أزمة النازحين أكثر، ويجعلهم يعيشون تحديات يومية من نوع آخر، خصوصًا في مراكز الإيواء على طول خط الساحل بسبب الحرارة والرطوبة المرتفعة، فيما يتأثر النازحون بشكل أقل في المناطق ذات الحرارة المقبولة. 

في صور تبدو المعاناة متشابهة بالنسبة للنازحين في العاصمة بيروت، يقول أبو علي الذي يسكن راهنًا مدرسة حسن فران في المدينة التي تلقت ضربات إسرائيلية عنيفة طوال الحرب الماضية: “نعاني من الشوب والأسوأ إنو كمان ما عنا مي، بتضلها تنقطع، ومنوقف ع طابور الاستحمام وقت طويل” ويضيف لـ”صلة وصل”: “بالمدرسة فيه 50 غرفة كل وحدة فيها مروحتين وما بتتحمل الطاقة الشمسية لهيك بتنقطع الكهربا، أوقات بدوره الموتور وأوقات لا ما بكون فيه مازوت” ويُعلق: “طول ما هوي مطفي الموتور منقعد نحن بالملعب لنقدر نلقط أنفاسنا”. وكما باقي المراكز، يشكي الناس وضع وجبات الغذاء: “الأفيد أكتر إنو يعطونا مصاري ونحن منطبخ”. 

ويتابع: “نحن عائلة مؤلفة من 6 أشخاص، كنت قاسمها انا واختي بشقفة شرشف متل برداية، بس هلق نقلت على غرفة لوحدها، بس رجع ناس على ضيعهم”، ويختم: “الإسرائيلي ما إلو أمان، بس إذا فتحت بيت ليف برجع دغري ع ضيعتي، وقشة ما بجيب. بقبل روح نام ع التراب بلا ولا اي شي”. 

ورغم إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان ودخوله حيز التنفيذ في 20 حزيران (يونيو) الماضي، وعودة جزء كبير من النازحين إلى مناطقهم، إلا أنه لا يزال 352.793 شخصًا نازح داخل لبنان حتّى 6 آب (أغسطس) بينما عاد 834.651 إلى مناطقهم، وبقي 22 ألف و800 نازح داخليًا (أكثر من 53 في المئة من النساء والفتيات) في 232 مأوى موزعين على مناطق مختلفة في البلاد، وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في 10 آب (أغسطس) الحالي. 

"الإسرائيلي ما إلو أمان، بس إذا فتحت بيت ليف برجع دغري ع ضيعتي، وقشة ما بجيب. بقبل روح نام ع التراب بلا ولا اي شي"

من جهته، يقول الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ”صلة وصل”: “حوالي 120 ألف شخص لم يتمكنوا من العودة إلى قراهم بعد، وأكثرهم من المناطق المحتلة”، ويضيف: “الحقيقة أنهم يتواجدون راهنًا عند أقاربهم أو يسكنون في منازل مستأجرة، فيما لا يزال داخل مراكز الإيواء حوالي 26 ألف شخص في بيروت وصور والنبطية، وتحديدًا هم من نازحي يارين والضهيرة ومروحين وغيرها الكثير من القرى”. 

أما عن دور الوزارات المعنية، تواصلنا مع وزارة الشؤون الاجتماعية التي تتولى إدارة وتنسيق ملف مراكز الإيواء، ولكننا لم نتلق أي إجابة. 

بشكل غير مباشر، تحكي هذه الأرقام، معاناة أعداد كبيرة من النازحين، بسبب الحرارة المرتفعة في فصل الحر هذا العام، ولكن سينتهي الصيف قريبًا، هذا ما ينتظره النازحون، لكن خوفهم من أن يكونوا على موعد مع أزمة جديدة ومن نوع آخر، طالما أن الوضع الأمني باقٍ على ما هو عليه، ولا أحد يعلم متى ستستقر الأمور، ولا بوادر خير تلوح في الأفق، ما يعني أن غالبيّتهم ستبقى في خيم النزوح تواجه كل يوم صعوبات وتتكيف وتحاول إيجاد البدائل، إلى أن يحين موعد العودة إلى الديار.  


الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x