من مضيق هرمز إلى جيوب اللبنانيين

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
06/08/202611:26 م

 كيف تتحول الحروب إلى أزمة معيشية؟

في اقتصاد يعتمد على الخارج لتأمين جزء كبير من احتياجاته من الطاقة والغذاء والسلع الأساسية، لا تبقى الحروب الإقليمية أحداثاً بعيدة عن الحياة اليومية للبنانيين. فالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط يمكن أن ينتقل سريعاً من أسواق النفط والممرات البحرية إلى أسعار المحروقات والنقل والمواد الغذائية، ليتحول من أزمة جيوسياسية إلى عبء معيشي يطال الأسر اللبنانية.

وتزداد هذه المخاوف عندما يرتبط التصعيد بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية عبرت المضيق يومياً خلال عام 2024 والربع الأول من عام 2025، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. كما مرّ عبر المضيق أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

 "نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية عبرت المضيق يومياً خلال عام 2024 والربع الأول من عام 2025"

لكن تأثير أي أزمة في هرمز لا ينتقل مباشرة إلى المستهلك. فالمرحلة الأولى تبدأ في الأسواق المالية وأسواق الطاقة العالمية، حيث تتشكل التوقعات وتُحدد الأسعار.

وبالنسبة إلى لبنان، لا يتعلق الأمر بأسواق بعيدة فحسب، بل باقتصاد يستورد معظم احتياجاته من الطاقة والغذاء والسلع الأساسية، ما يجعله حساساً لأي اضطراب في التجارة الدولية أو أسعار النفط.

الأسواق تتفاعل مع التوقعات قبل الوقائع

توضح د. ليال منصور، المتخصصة في الاقتصاد النقدي، أن أول المتأثرين بالحروب والتصعيد السياسي هي الأسواق المالية. فهذه الأسواق لا تنتظر وقوع الأحداث بشكل كامل، بل تسعّر التوقعات المستقبلية. فإذا ظهرت مؤشرات إلى تهدئة أو اتفاق سياسي، ترتفع أسعار الأسهم والأصول المالية نتيجة توقع تحسن الأوضاع الاقتصادية مستقبلاً. أما إذا اتجهت الأحداث نحو التصعيد، فإن الأسواق تستجيب سريعاً عبر انخفاض أسعار الأسهم وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة.

وتشير منصور إلى أن ردود الفعل هذه تكون غالباً حادة ومبالغاً فيها في البداية قبل أن تشهد الأسواق ما يعرف بعملية “تصحيح الأسعار”، أي العودة إلى مستويات أكثر توازناً بعد استيعاب الخبر وتقييم تداعياته الفعلية.

لكن ما يحدث في الأسواق المالية لا ينعكس بالسرعة نفسها على الاقتصاد الحقيقي. فالاقتصاد الحقيقي يشمل النمو والتضخم والأسعار والفوائد وحركة الاستثمارات والتحويلات المالية. وهنا يصبح تأثير الحرب أبطأ وأكثر استمراراً. فالصدمات المرتبطة بالنفط والطاقة لا تختفي بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل قد تترك آثاراً تضخمية تمتد لأشهر طويلة، خصوصاً عندما تكون الشركات قد رفعت أسعارها والعقود التجارية قد أُبرمت على أساس كلفة مرتفعة للطاقة والشحن.

وتلفت منصور إلى أن انتهاء الحرب لا يعني عودة الأسعار فوراً إلى مستوياتها السابقة، لأن الأسواق تحتاج إلى وقت لاستيعاب التغيرات الجديدة، كما أن المستثمرين لا يستعيدون ثقتهم بمجرد إعلان وقف إطلاق النار، بل ينتظرون اختبار استدامة الاستقرار السياسي والأمني قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة.

صورة توضيحية مولّدة بالذكاء اللإصطناعي

عندما تصبح الأسواق جزءاً من الحرب

لكن ارتفاع الأسعار لا ينتج فقط عن الخوف من نقص النفط أو تعطل التجارة. فبحسب الباحث والأكاديمي في العلاقات الدولية د. جمال السيد أحمد، لم تعد الأسواق خلال الحروب المعاصرة مجرد مرآة للمخاطر، بل أصبحت جزءاً من أدوات الصراع نفسها.

ويشرح السيد أحمد أن هناك مستويين مختلفين لفهم ما يحدث. الأول يتمثل في الاستجابة الطبيعية للأسواق أمام احتمال وقوع أزمة أو تعطل الإمدادات. أما الثاني فيرتبط باستخدام العقوبات الاقتصادية والقيود المالية والتجارية كوسائل ضغط سياسي ضمن استراتيجيات القوة الدولية.

فالعقوبات على المصارف، والقيود على التحويلات المالية، وحظر خدمات التأمين والشحن، ومنع الوصول إلى أنظمة الدفع الدولية، كلها إجراءات لا تعكس فقط مخاطر السوق، بل تشكل أدوات ضغط مقصودة تهدف إلى التأثير في سلوك الدول والجهات المستهدفة.

ويشبه السيد أحمد ذلك بما يسميه “الذاكرة الانعكاسية” للأسواق، أي تراكم الخبرات السابقة الذي يدفع المستثمرين إلى الاستجابة السريعة لأي مؤشرات تشبه أزمات سابقة. فبعد عقود من الأزمات النفطية والحروب الإقليمية، باتت الأسواق تتفاعل تلقائياً مع أي مؤشر إلى تصعيد في منطقة حساسة للطاقة أو التجارة الدولية.

لبنان في قلب العاصفة رغم بقائه خارجها

تكمن المشكلة بالنسبة إلى لبنان في أنه من أكثر اقتصادات المنطقة انكشافاً على الخارج. فقد بلغت واردات السلع والخدمات نحو 73.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 بحسب بيانات البنك الدولي. كما شكّلت واردات الوقود نحو 27.2% من إجمالي الواردات السلعية اللبنانية في العام نفسه.

ويؤكد ذلك أن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط أو النقل أو التأمين ينعكس سريعاً على الاقتصاد المحلي. فعندما ترتفع أسعار الوقود عالمياً، لا يقتصر الأثر على فاتورة البنزين، بل يمتد إلى كلفة نقل البضائع وتشغيل المولدات الخاصة وأسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

 " أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط أو النقل أو التأمين ينعكس سريعاً على الاقتصاد المحلي "

ولا يقتصر الأمر على الطاقة. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يحتاج لبنان إلى استيراد نحو 680 ألف طن من القمح خلال موسم 2025-2026 بسبب تراجع الإنتاج المحلي. وهذا يجعل الأمن الغذائي اللبناني مرتبطاً مباشرة بأسعار الشحن والطاقة واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.

ويؤكد السيد أحمد أن لبنان يشكل نموذجاً واضحاً للاقتصادات التي تتأثر بالصدمات الجيوسياسية العالمية من دون أن تكون طرفاً مباشراً فيها. فعندما ترتفع كلفة الشحن أو التأمين أو النفط عالمياً، تنتقل هذه الزيادة سريعاً إلى الداخل اللبناني عبر أسعار المحروقات وكلفة النقل والإنتاج، ثم تنعكس على أسعار السلع والخدمات وقدرة الأسر على الإنفاق.

وتتفاقم المشكلة عندما تترافق الصدمات الاقتصادية مع قيود مالية ومصرفية. فالأزمة لا تعود مقتصرة على ارتفاع الأسعار، بل قد تتحول إلى صعوبة في الوصول إلى التمويل أو إجراء التحويلات أو تأمين الاستيراد نفسه، وهو ما يصفه السيد أحمد بانتقال الأزمة من “الغلاء” إلى “العجز عن الوصول”.

التحويلات المالية: شبكة أمان تحت الاختبار

ولا يقتصر تأثير الاضطرابات الإقليمية على الأسعار والتجارة، بل يمتد أيضاً إلى أحد أهم مصادر العملات الأجنبية في لبنان: تحويلات المغتربين .وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن لبنان تلقى نحو 5.8 مليارات دولار من التحويلات في عام 2024.
كما أظهرت بيانات البنك الدولي أن التحويلات الشخصية شكّلت أكثر من 33% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني في السنوات الأخيرة، وهي من أعلى النسب في العالم.

وتوضح منصور أن أي تراجع اقتصادي طويل الأمد في دول الخليج قد ينعكس على حجم هذه التحويلات، نظراً لاعتماد شريحة واسعة من اللبنانيين العاملين هناك على القطاعات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي الإقليمي. إلا أن تأثير الحروب القصيرة يبقى محدوداً نسبياً، لأن الشركات لا تلجأ عادة إلى تسريح الموظفين أو إقفال أعمالها فوراً، بل بعد فترات أطول من التراجع وعدم اليقين.

فاتورة لا يحددها اللبنانيون ويدفعون ثمنها

تكشف التوترات الإقليمية المتكررة هشاشة الاقتصاد اللبناني أمام المتغيرات العالمية. فالحرب لا تؤثر فقط عبر الصواريخ والدمار المباشر، بل أيضاً من خلال الأسواق وأسعار الطاقة والشحن والتحويلات والعقوبات المالية. وبينما تسعّر الأسواق المخاطر المستقبلية، تتحمل الاقتصادات الهشة كلفة هذه التوقعات حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.

وفي بلد يعيش بالأساس أزمة اقتصادية ومالية ممتدة، لا تحتاج الصدمات الخارجية إلى وقت طويل كي تتحول إلى أعباء معيشية يومية. فأسعار النفط وتكلفة الشحن ليست مؤشرات اقتصادية بعيدة عن حياة الناس، بل عناصر تحدد كلفة التنقل والغذاء والدواء والإنتاج. ومن مضيق هرمز إلى محطات الوقود في لبنان، تسلك الحرب مساراً اقتصادياً طويلاً قبل أن تصل إلى جيوب المواطنين.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x