لم تكن صور يومًا مدينة بعيدة عني. كانت أقرب المدن إلى ضيعتي عيناتا، حتى بدا الطريق إليها امتدادًا لطفولتي. هناك قضيت كثيرًا من الصيفيات والعطل في بيت خالتي حنان، وهناك تعلّمت أن بعض المدن لا تحتاج إلى موعد خاص لزيارتها، لأنها تصبح جزءًا من إيقاع الحياة.
كنا ننزل إليها بلا خطة. أمي، وإخوتي، وأنا، نعرف أننا سنعود آخر النهار محمّلين بشيء لا يمكن وضعه في حقيبة: رائحة البحر، وملح الهواء، وضحكة بقيت عالقة في أحد الأزقة. وكانت ابنة خالتي تالة رفيقة معظم طفولتي في هذه المدينة؛ بين البحر، ونجلس فوق الصخور التي نحتها الزمن عند الشاطئ، نجمع الأصداف، ونقضي النهار كأن الصيف لن ينتهي أبدًا.
وكانت أيضًا مكان لقاء العائلة. هناك كنا نجتمع مع خالتي الراحلة حين تأتي في إجازتها من الكويت، فتتحول الأيام إلى سهرات طويلة لا تنتهي، تملؤها الضحكات والأحاديث حتى آخر الليل. وما زلت أذكر مائدة خالتي حنان، التي كانت تحمل نكهة مختلفة عن كل ما عرفناه؛ أطباقًا بطابع بلغاري، تأثرت بالسنوات التي عاشتها هناك، فكانت تجمع بين مطبخين، تمامًا كما كانت تجمع العائلة حولها.
لم تكن صور في ذاكرتي مجرد مدينة ساحلية أو موقع أثري. كانت مدينة تدخل القلب بهدوء، من دون أن ننتبه إلى اللحظة التي بدأ فيها ذلك. فيها يلتقي البحر بالتاريخ، وتعيش الحضارات القديمة جنبًا إلى جنب مع المقاهي الصغيرة، والصيادين، والأطفال الذين يركضون في الأزقة. كنت أشعر دائمًا أن الزمن فيها لا يمضي كما يمضي في المدن الأخرى؛ بل يتراكم، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح جزءًا من الحجارة والوجوه ورائحة المكان.
" تعتبر مدينة صور اللبنانية واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وقد أُدرجت بالكامل على لائحة التراث العالمي لليونسكو (UNESCO) منذ عام 1984 نظراً لقيمتها التاريخية والأثرية الاستثنائية التي تعود للعهدين الفينيقي والروماني "
الآثار الرومانية: ذاكرة مفتوحة على التاريخ
كنت أحب أن أبدأ نهاري من المدينة الأثرية. لم تكن الآثار بالنسبة إليّ أعمدة رومانية أو حجارة صامتة، بل ذاكرة مفتوحة. أمشي بينها ببطء، أتأمل الزخارف المنحوتة على الحجارة، وأتعجب كيف استطاعت أن تبقى شاهدة على آلاف السنين من دون أن يفقد هيبتها.
أكثر ما كان يلفتني أن هذه الآثار لم تكن معزولة عن الحياة. كانت جزءًا من حياة الناس، يمرون من جانبها كما يمرون قرب أي شارع، ويجلس الأطفال في ظلها، وتنبت بين حجارتها أزهار برية صغيرة، كأن الطبيعة أرادت أن تقول إن الحياة تجد دائمًا طريقها، حتى وسط أكثر الأماكن قدمًا.
الحارة القديمة: تفاصيل معجونة بالياسمين والحياة
ومن هناك، كنت أترك قدميّ تقودانني إلى الحارة القديمة، حيث كنت أشعر أن المدينة تكشف وجهها الحقيقي. كنت أستأجر دراجة هوائية وأتجول بين الأزقة الحجرية الضيقة، وأتوقف عند الأبواب الخشبية المميزة بألوانها، أو شرفة غمرها الياسمين.

كانت البيوت تبدو وكأنها تعرف بعضها بعضًا. والناس يجلسون أمامها يحتسون القهوة ويتبادلون الأحاديث، فيما تنبعث من مكان قريب موسيقى صاخبة أو أغنيات قديمة، كأن المدينة كلها تحتفل بالحياة من دون مناسبة.
أحببت تلك المفارقة: مدينة عمرها آلاف السنين، لكنها لا تبدو أسيرة تاريخها. مدينة تعرف كيف تعيش حاضرها بكل خفة.
السوق القديم: كتاب الحواس وسحر “محفوظ”
وكان لمحفوظ مكانه الخاص في ذاكرتي. كنت أطلب ساندويش الفتايل كلما مررت بالسوق القديم، ثم أمشي بين الزحمة التي أحببتها دائمًا، وأترك المدينة تقودني.
من محلٍ تفوح رائحة السمك الطازج، إلى آخر تمتلئ أجواؤه برائحة الشاورما واللحم المشوي، وبينهما محلات الذهب التي كانت واجهاتها تلمع تحت الشمس، ومحلات الثياب التي تتدلى منها الألوان كأنها جزء من احتفال دائم. لم أكن أشتري شيئًا في معظم الأحيان؛ كان يكفيني أن أمشي، أن أراقب الناس، وأن أشعر بأن المدينة تعيش حولي بكل حواسها. كان السوق القديم بالنسبة إليّ كتابًا لا أملّ من قراءته؛ في كل مرة أعثر فيه على تفصيل لم أره من قبل.
يقول أحد أصحاب محلات صياغة الذهب القديمة في السوق:
" الذهب في صور ليس مجرد تجارة، هو شاهد على أفراح هذه المدينة الممتدة منذ عقود. الناس هنا يمرون ليس فقط للشراء، بل لتبادل التحايا والحديث عن تفاصيل يومهم. الزحمة هنا هي نبضنا وعافيتنا "
عيادة أليسار: دروس في الصبر والجمال الهادئ
ففي هذه المدينة، بدأت أكتشف العالم من زاوية مختلفة. كنت أرافق خالتي حنان إلى عيادتها في بناية أليسار، قرب أفران بحر، منذ طفولتي. كنت أجلس بصمت أراقب يديها وهما تعملان، وأندهش كيف يمكن لكل هذا الهدوء أن يصنع ابتسامة جديدة على وجه أحدهم .
لم أكن أفهم المهنة يومها، لكنني تعلّمت شيئًا أهم؛ أن الجمال يحتاج إلى صبر، وأن التفاصيل الصغيرة تستحق كل هذا الاهتمام. وربما لهذا السبب بقيت، حتى اليوم، أؤمن أن أكثر الأشياء قيمة هي تلك التي تُبنى بهدوء، خطوةً بعد أخرى.
مرفأ صور: المكان الذي ينبض بالملح والتعب
ثم كان البحر، حكاية أخرى لا تشبه شيئًا. كنت أحب السباحة فيه، ثم الجلوس طويلًا على الشاطئ أراقب الأفق حتى تغيب الشمس. أما المرفأ، فكان المكان الذي أعود إليه دائمًا. كنت أجلس هناك بالساعات، أراقب الصيادين وهم يعودون بقواربهم، يفكون شباكهم، ويتبادلون الأحاديث بصوت تختلط فيه رائحة الملح بضحكات التعب.

وأذكر أنه عندما كنت أدرس في إيطاليا، شاركت في مسابقة جامعية للكتابة عن أجمل مرفأ. لم أحتج يومها إلى التفكير طويلًا؛ اخترت مرفأ صور. لم أختره لأنه الأجمل في الصور، بل لأنه كان الأجمل في قلبي. كان بالنسبة إليّ قلب المدينة الحقيقي; المكان الذي يبدأ منه النهار وينتهي إليه، وحيث يبدو البحر شريكًا للناس، لا مجرد منظر جميل يطلون عليه.
الحب في صور: مساحات لتنفس المشاعر والصدق
وكانت صور، بالنسبة إليّ، مدينة تمنح القلب سببًا ليحب. على بحرها عرفت أول ارتباك بريء أمام فتى بعينين خضراوين، لم يبق منه في الذاكرة سوى لون عينيه، وكأن البحر احتفظ بهما لنفسه. ثم كبرت، وعشت قصة حب حقيقية، وكانت صور دائمًا المدينة التي تمنح الحب مساحة ليتنفس.
لم أكن أذهب إليها من أجل شخص، بل لأن المدينة نفسها كانت تجعل المشاعر أكثر صدقًا. فيها يصبح المشي أبطأ، والغروب أطول، والكلمات أقل حاجة إلى التفسير.
زرت بعد ذلك مدنًا كثيرة، ومنها فينيسيا. كانت جميلة كما تخيلتها، مدينةً تعرف كيف تأسر العين وتمنح زائرها صورةً يحتفظ بها طويلًا. لكنني كنت أكتشف في كل رحلة أن المدن التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة الأكثر شهرة أو إبهارًا، و أنّ الحب لا تصنعه القنوات المائية ولا الجسور الشهيرة بل تلك التي تمنحنا شعورًا بالانتماء.
وحدها المدن التي نترك فيها جزءًا من طفولتنا، أو أول دهشة، أو أول حب، تتحول إلى مدنٍ تسكننا بدل أن نسكنها. لهذا بقيت صور، بالنسبة إليّ، أجمل من المدن التي زرتها. فهي المدينة التي منحت قلبي سببا ليحب. فيها تبدو الحياة أكثر بساطة، والحب أكثر صدقًا، كأنه يولد من البحر، ومن الحجارة، ومن الأزقة التي شهدت آلاف الحكايات قبل حكايتنا.

غبار الحرب: عندما تستهدف النيران ذاكرة الحجارة والبشر
ثم جاءت الحرب.
حين بدأت أرى صور تتعرض للقصف، شعرت أن الأخبار لم تعد تتحدث عن مدينة، بل عن جزء من ذاكرتي . لم أرَ في الصور والفيديوهات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي مباني وأحياءً فقط، بل رأيت الطريق الذي كنت أمشيه نحو البحر، والحارة القديمة التي قدت فيها دراجتي، والمرفأ الذي كنت أجلس عنده حتى يبتلع الغروب آخر خيط من الضوء، وأبواب البيوت التي كانت تستقبل العابرين بأزهارها.
لم أعد أستطيع أن أنظر إلى المدينة كما ينظر إليها من لا يعرفها. كنت أعرف شوارعها، وأحفظ تفاصيلها، ولذلك بدا كل مشهد دمار كأنه يمحو جزءًا من حياتي أنا أيضًا.
أدركت يومها أن الحرب لا تستهدف الحجارة وحدها، بل المكان بما يحمله من معنى. فهي لا تهدم البيوت فقط، بل تحاول أن تقتلع الذكريات التي عاشت فيها، وأن تمحو المدينة التي نلجأ إليها كلما ضاقت بنا الحياة، لتستبدلها بصورة واحدة: الركام. كأن القصف لا يكتفي بإبادة المكان، بل يسعى إلى إبادة الذاكرة التي تمنحه الحياة.
مدنٌ تُبنى في القلب لا تطالها الحروب
لكن المدن التي تسكن الناس لا تُمحى بهذه السهولة. فصور ليست الأعمدة الرومانية وحدها، ولا المرفأ، ولا البحر، ولا الحارة القديمة. صور هي الضحكات التي تركناها في شوارعها، والقصص التي عشناها فيها، والحب الذي كبر على شاطئها، والإحساس العميق بأن هناك مدينة كانت، وستبقى، الملاذ الذي نعود إليه كلما ضاقت بنا الحياة.
لهذا، كلما سألني أحد عن أجمل مدينة زرتها في حياتي، لا أفكر في المدن التي تتصدر بطاقات السفر أو أغلفة المجلات السياحية. أفكر في صور. أفكر في المدينة التي احتضنت طفولتي، وشهدت أولى دهشاتي، وحفظت أسراري، وعلّمتني أن الأماكن، مثل البشر، يمكن أن تصبح جزءًا من أرواحنا.
وربما لهذا السبب، كلما اشتقت إليها، لا أشعر أنني أحن إلى مدينة فحسب، بل إلى نسخةٍ أجمل من نفسي، تركت شيئًا منها هناك، على رصيف المرفأ، وفي زقاق قديم، وعلى شاطئ بحرٍ ما زلت أؤمن أنه يعرف أسماء الذين أحبوه، ربما لهذا السبب لا أخاف على صور من النسيان. فالمدن التي تُبنى في القلب، لا تستطيع الحروب، مهما اشتدت، أن تهدمه.
*شاركنا تجربتك
أعزاءنا القراء، الأماكن تحمل دائماً جزءاً من أرواحنا وتصنع هويتنا. هل سبق لكم زيارة مدينة صور الساحرة؟ ما هو المعلم أو التفصيل الأكثر تأثيراً الذي لا يزال عالقاً في ذاكرتكم؟ شاركونا قصصكم وذكرياتكم في التعليقات أسفل المدونة













