في بلدة حمانا، لم يكن المطبخ خلال حرب 2024 تفصيلًا جانبيًا في يوميات النزوح. كان المكان الذي تبدأ منه الأسئلة اليومية الأكثر بساطة وقسوة: ماذا سيأكل الناس اليوم؟ من سيطبخ؟ من سيقطع الخضار؟ من سيغسل الأواني؟ ومن سيتحمّل، كل يوم، ضغط إطعام مئات العائلات التي خرجت من بيوتها على عجل؟
تروي فاطمة نمر، إحدى المشاركات في المطبخ المجتمعي، والتي ساهمت لاحقًا في النقاشات المرتبطة بإعداد دليل المطابخ المجتمعية، أن مجموعة صغيرة من النساء تولّت مسؤولية إعداد كميات كبيرة من الطعام في مدرسة حمانا. وكانت فاطمة، وهي طاهية ذات خبرة، من بين النساء اللواتي تحملن العبء الأكبر. ولم يكن المطبخ يخدم فقط المقيمين في المدرسة، وإنما كان، في بعض الفترات، جزءًا من منظومة أوسع لإطعام نازحين موزعين على أكثر من مركز.
كل يوم، كان على الفريق أن يبدأ من الصفر: تأمين المواد، وغسل الخضار، والطبخ، والتوزيع، والتنظيف، ثم التفكير في وجبة اليوم التالي. ومع الوقت، ظهرت مشكلة لم تكن مرتبطة بالطعام وحده، بل بتوزيع الجهد. فعدد قليل من النساء كنّ يعملن لساعات طويلة، فيما رفض بعض المقيمين المشاركة، إما لأنهم غير معتادين على هذا النوع من العمل، أو لأنهم رأوا أن المساعدة في المطبخ يجب أن تكون مدفوعة الأجر.
تفاقم الأمر حين انتشرت شائعة بأن النساء اللواتي يعملن يوميًا في المطبخ يتقاضين بدلًا ماليًا. لم تكن الشائعة صحيحة، لكنها تركت أثرها. بدأ البعض يسأل: لماذا نساعد إذا كنّ يتقاضين أجرًا؟ وتراجع عدد المتطوعين الجدد، وانخفضت معنويات الفريق، وتحوّل المطبخ، في بعض اللحظات، من مساحة تضامن إلى مكان تتقاطع فيه الشكوك والعتب وسوء الفهم.

حين يحمل المطبخ تعب النساء
ما حدث في حمانا لم يكن خلافًا عابرًا حول العمل داخل المطبخ. فقد كشفت هذه التجربة أن المطبخ المجتمعي لا يقتصر على إنتاج الطعام، بل يكشف أيضًا العلاقات داخل مركز النزوح: من يعمل ومن ينتظر، ومن يشعر بأنه يحمل العبء الأكبر، ومن يُتّهم بالاستفادة أو التقصير. وتلتقي هذه الخلاصة مع ما تشير إليه دراسات حول المطابخ الجماعية والأمن الغذائي، ومنها دراسة إنغلر-سترينغر وبرنباوم، التي ترى أن هذه المساحات تتحول أيضًا إلى أماكن لإنتاج الدعم المتبادل، والعلاقات الاجتماعية، وأحيانًا التوترات المرتبطة بالثقة والعدالة وتقاسم العمل.
في هذا المعنى، تحولت المطابخ المجتمعية إلى اختبار ميداني واسع: كيف يمكن إطعام الناس في النزوح من دون تحويلهم إلى متلقين سلبيين؟ وكيف يمكن أن يصبح الطعام جزءًا من تنظيم الحياة داخل مركز الإيواء، لا مجرد وجبة تصل في علبة وتنتهي عند باب الغرفة؟
من إطعام النازحين إلى تنظيم الغذاء معهم
يشرح الدكتور رامي زريق، الخبير في نظم الغذاء والأمن الغذائي ونائب رئيس جمعية دالة، أن أهمية المطبخ المجتمعي تكمن في أنه ينقل الاستجابة الغذائية من منطق “إطعام النازحين/ات” إلى منطق “تنظيم الغذاء معهم”. فالطعام الجاهز، رغم ضرورته في الساعات أو الأيام الأولى من النزوح، يبقى محدودًا في قدرته على الاستمرار. كلفته مرتفعة، ونسبة الهدر فيه أكبر، وغالبًا لا يراعي الفروقات الغذائية والصحية والعادات المحلية.
في المقابل، يسمح المطبخ المجتمعي، حين يُدار بشكل جيد، بتخطيط الوجبات وفق مكونات محلية وموسمية، وبما يناسب ذوق الناس وحاجاتهم. يمكن إعداد المجدّرة، واليخنات، والأرز، والعدس، والسلطات، والأطباق التي يعرفها الناس ويقبلون عليها، بدل أن يتحول الطعام إلى علبة موحّدة لا علاقة لها بعاداتهم أو صحتهم أو ذاكرتهم اليومية.
"يسمح المطبخ المجتمعي، حين يُدار بشكل جيد، بتخطيط الوجبات وفق مكونات محلية وموسمية"
لكن هذا النموذج لا يعمل تلقائيًا. فكما يشير زريق، يحتاج المطبخ المجتمعي إلى إدارة واضحة، ومعدات، وتدريب، ونظام مداورة، ومعايير سلامة غذائية، ومحاسبة، وتواصل واضح مع النازحين والمجتمع المضيف. ومن دون ذلك، قد يتحول المطبخ إلى عبء إضافي، خصوصًا على النساء أو المتطوعين الذين يجدون أنفسهم مسؤولين يوميًا عن إعداد مئات الوجبات.
ففي تجربة دالّة، لم يكن الهدف تأمين الطعام فقط، بل بناء ما سُمّي “نظام الغذاء الطارئ المعياري”، أي نموذج يربط المطبخ بسلسلة أوسع من الإمداد المحلي: الحبوب والزيوت من شراكات إغاثية، والخضار والفواكه من المزارعين المحليين، ومصادر البروتين من الأسواق القريبة. بهذا الشكل، لا تبقى المساعدة معزولة عن المكان الذي تستقر فيه العائلات النازحة، بل تصبح جزءًا من الدورة الاقتصادية للمجتمع المضيف.

حين لا يكفي نجاح التجربة
يقول الأستاذ جهاد طبوش، وهو ناشط مدني ورياضي متطوع في مدرسة حمانا الرسمية، إن ملف الطعام في مراكز النزوح كان يفترض أن تتولاه جهة رسمية واضحة، بإشراف وزارات معنية مثل الصحة والشؤون الاجتماعية، وبدعم مباشر من الدولة. لكن، في ظل غياب هذا الدور الرسمي وضعف الدعم، اضطرت المراكز إلى الاعتماد على مبادرات شبابية، وجمعيات من المجتمع المدني، وجهات حزبية ورياضية.
ويشير طبوش إلى أن تجربة المطبخ المركزي في حمانا خلال الحرب السابقة نجحت نسبيًا، بعد تأمين مطبخ مجهّز بتمويل من جهة داعمة. كما ساعد وجود طاهية محترفة كانت تدير مطبخًا في صور قبل نزوحها مع فريق عملها إلى مدرسة حمانا الرسمية. وقد ساهم ذلك في تنظيم العمل اليومي داخل المطبخ، إلى جانب تأمين الفرن والمعدات والمواد الأولية، فيما تولّى القائمون على المركز تغطية مصاريف إضافية مثل النقل، والتوصيل، والمواد البلاستيكية.
أما في الحرب الحالية، فيوضح طبوش أن الوضع مختلف تمامًا، خصوصًا من ناحية الدعم المالي والعيني. فلم يعد بالإمكان تشغيل مطبخ مركزي كما في السابق، ما دفع المراكز إلى الاعتماد على مطابخ صغيرة بدعم من جهات شبابية وحزبية ومبادرات من المجتمع المدني.
لذلك، يرى طبوش أن الحديث عن المطابخ المجتمعية لا يمكن أن يبقى ضمن إطار المبادرات المؤقتة أو الاندفاع الفردي. فهذه المطابخ تحتاج إلى تمويل مستقر، وخطة طوارئ واضحة، وإدارة ومسؤوليات محددة، ومعايير سلامة غذائية، بدل أن تعتمد كل مرة على قدرة مجموعة صغيرة من المتطوعين على الاحتمال والاستمرار.
"يرى طبوش أن الحديث عن المطابخ المجتمعية لا يمكن أن يبقى ضمن إطار المبادرات المؤقتة أو الاندفاع الفردي"
بعلشماي: حين يتحول الطبخ إلى توتر يومي
يقول حسن غضبان، العامل في ملف النزوح في مركز بعلشماي، إن تجربة الطبخ داخل المدارس لم تكن سهلة كما بدت في البداية. فعندما طُرح خيار أن تطهو كل مدرسة وجباتها وفق حاجات العائلات المقيمة فيها، ظهرت سريعًا خلافات يومية بين النازحين حول توزيع الأدوار: من سيتولى الطبخ؟ ومن سيغسل الأواني؟ ومن سيقطّع الخضار؟ ومن سيشارك في العمل ومن سيمتنع عنه؟
ويشرح غضبان أن بعض العائلات كانت ترفض وجبات معيّنة، أو تعترض على نوع الطعام المقدّم، بحجة أن أفرادها لا يأكلون هذا النوع من الطعام. ومع الوقت، تحوّل تنظيم المطبخ داخل المركز إلى مصدر توتر إضافي بين العائلات، بدل أن يكون وسيلة لتخفيف أعباء النزوح.
لذلك، عاد المركز، بحسب غضبان، إلى خيار تأمين وجبات جاهزة، مع إبلاغ العائلات مسبقًا بنوع الطعام المقرر لليوم التالي. فإذا كانت الوجبة، مثلًا، أرزًا وسمكًا، تُبلّغ العائلات بذلك، ومن لا يرغب في تناولها يحاول تأمين بديل مناسب.

المطبخ كاقتصاد محلي مصغّر
تؤكد رئيسة جمعية الحركة الزراعية، سارة سلّوم، وهي من المشاركات في الجلسات الحوارية الخاصة بإعداد دليل المطابخ المجتمعية ، أن هذا الأخير اكتسب أهمية خاصة لأنه صدر عن الجامعة الأميركية في بيروت، ما منحه، بحسب تعبيرها،”مصداقية عالية” يمكن أن تستفيد منها الجمعيات والجهات العاملة في الاستجابة الغذائية. وترى أن توثيق التجربة لا يقل أهمية عن تنفيذها، لأن كثيرًا من المبادرات تدخل ميدان العمل الإغاثي من دون إطار واضح أو معرفة متراكمة.
وتشير سلّوم إلى أن تجربة الحرب السابقة شهدت تجهيز عدد من المطابخ في مراكز الإيواء، إضافة إلى مطابخ كانت تطهو وتوزّع الطعام أو المواد الأولية. ومن بين هذه التجارب، تذكر مطبخ “بذور صور”، حيث استُخدمت مواد كانت محفوظة أصلًا كمونة أساسية، مثل الملوخية والبامية، قبل أن تتحول سريعًا إلى غذاء للنازحين.
أما في الحرب الحالية، فتوضح سلّوم أن تركيز الجمعية بات أكبر على دعم “الصامدين” في قراهم وبيوتهم، لا النازحين وحدهم. لذلك، ساعدت الجمعية مطبخ “بذور صور” ماليًا ولوجستيًا، وأرسلت مواد غذائية وخضارًا طازجة من الأراضي، مثل البصل والملفوف، إلى مراكز الإيواء والمطابخ. كما دعمت مطابخ اجتماعية في بيروت، وأرسلت منتجات طازجة من مزارعين محليين، خصوصًا من الذين يعتمدون زراعة قليلة أو معدومة الكيماويات.
"توضح سلّوم أن تركيز الجمعية بات أكبر على دعم "الصامدين" في قراهم وبيوتهم، لا النازحين وحدهم"
ما الذي يأكله الناس فعلًا؟
تلفت سلّوم إلى أن الدعم لم يقتصر على الطبخ، بل شمل أيضًا سلالًا غذائية للصامدين تحتوي على المونة، وزيت الزيتون، والزعتر، والكشك، والمربى، والزيتون، واللبنة، واللوبية المكبوسة، والبيض، والخضار الطازجة. وفي هذا السياق، تنتقد المعايير التي تعتمدها بعض الجهات الدولية في السلال الغذائية، معتبرة أنها لا تراعي ما يأكله الناس فعليًا ولا طبيعة المطبخ المحلي، إذ تركز غالبًا على الرز والزيت والعدس، من دون الانتباه إلى عناصر أساسية في الغذاء اليومي اللبناني.
هذه الملاحظة تعيد النقاش إلى جوهر الأمن الغذائي: المسألة ليست كمية السعرات الحرارية التي تصل إلى العائلة فقط، بل نوعية الطعام، وقابليته للأكل، وارتباطه بالعادات المحلية، وقدرته على حفظ الحد الأدنى من الصحة والكرامة. فالعائلة التي اعتادت وجود الزيتون، والزعتر، والكشك، واللبنة، والخضار، والبيض في غذائها اليومي، لا يمكن اختصار حاجتها في كيس رز وعدس وزجاجة زيت، خصوصًا حين تطول الأزمة ويصبح الغذاء الإغاثي جزءًا من نمط العيش اليومي.
وتضيف سلّوم أن التحديات في هذه الحرب أشد قسوة، بسبب ارتفاع كلفة النقل، وارتفاع سعر الغاز، وتراجع القدرة الشرائية لدى العائلات النازحة والصامدة، إضافة إلى تقلّص المساعدات رغم ازدياد أعداد المحتاجين. وترى أن ما يجري هو “تقليص ممنهج للمساعدات”، في وقت تستنزف العائلات مدخراتها وتخفّض تدريجيًا من نوعية غذائها داخل البيوت.
دعم المزارعين كجزء من الإغاثة
تؤكد سلّوم أن دعم المزارعين جزء أساسي من أي استجابة غذائية عادلة. فشراء الخضار، والبيض، والمنتجات الطازجة منهم لا يساعد العائلات المحتاجة فقط، وإنما يحمي أيضًا قدرة المزارعين على الاستمرار في الإنتاج. وتوضح أن الجمعية تحاول حاليًا تأمين مصادر بديلة للبروتين، مثل الفطر، إلى جانب البحث عن علف للمزارعين الصامدين الذين يربّون الأبقار والأغنام، لأن استمرارهم جزء من صمود المجتمع المحلي كله.
بهذا المعنى، لا يعود المطبخ المجتمعي مجرد مكان للطبخ. يصبح حلقة تربط النازحين، والمزارعين، والمتطوعين، والدكاكين، والجمعيات، والمجتمع المضيف. وحين تُشترى الخضار من مزارع محلي، أو تُستخدم المونة المنزلية في وجبة جماعية، أو تُرسل المنتجات الطازجة إلى مركز إيواء، فإن الاستجابة الغذائية تصبح أيضًا حماية لدورة اقتصادية صغيرة تحاول الحرب تعطيلها.
لهذا، فإن المطابخ المجتمعية ليست مشروعًا جانبيًا، شرط ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة أو إلى عبء إضافي على النساء والمتطوعين. المطلوب ليس مطابخ تؤمّن الطعام فقط، بل شبكات قادرة على إبقاء الناس منظمين وقادرين على الاستمرار . ففي بلد يعيش نزوحًا متكررًا وحربًا مفتوحة، لا يكفي أن نسأل: من سيطعم الناس اليوم؟ بل كيف نساعدهم على أن يبقوا فاعلين وقادرين داخل شبكة الحياة التي تحاول الحرب تفكيكها؟













