الحديقة المركزيّة في دير الزّور:

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
06/09/20269:22 م

في مدينة دير الزّور شرق سوريا، الّتي دمّرت الحرب 90% منها، وفقدت 41% من تعداد سكّانها البالغ بحسب التّقديرات 239.196 ألف نسمة، مقارنة بعدد تّقديري حوالي (173.727) ألف نسمة عام 2024، مع تغيير واضح في التّركيبة السّكانيّة، بسبب الهجرة القسريّة لسكّانها، مقابل وفود لسّكان جدد من خارج المدينة خصوصاً من الأرياف المحيطة، ولم تعد عروساً للفرات، بعد مئات البراميل المتفجّرة الّتي دمّرت أحياء بالكامل، وتركت المدينة، مستعمرات من حطّام رمادي،  وكأنّها مدينة مهجورة للنمل.

 يضع وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، خلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة الشّرقية، حجر الأساس للمسجد الأموي الكبير في دير الزّور، الأمر الّذي خلق بلبلة بين  المواطنين/ات في المدينة بين من يرى  المشروع كأثر تنموي، ومن يرى فيه تعدّي واضح على مشاع عام يملكه المواطن/ة،  إذ يعتبر مساحة ومتنفس وحيد لسكّان الأحياء المدمّرة الّتي تحيط بالحديقة، ورئة للمدينة ذات المناخ الصّحراوي، خصوصاً بعد تغيّر مناخ المدينة بسبب تعرّضها الكثيف للقصّف، والدّمار الممنهج، والانبعاثات السّامة المنطلقة من الحرّاقات البدائيّة، الّتي انتشرت بشكل غزير حول المدينة. وبالإضافة إلى أنّه لا يوجد مبررات مقنعة لبناء مسجد جديد، إلى جانب أربعة مساجد تحيط بالحديقة، يقول المواطنين/أن المعارضين للمشروع.

"العمل على إنشاء كتلة خرسانيّة على مساحة عامّة مثل الحديقة المركزيّة أمر لا يمكن أن يقبله عاقل، اليوم دير الزّور بأمس الحاجة للمساحات العامّة الخضراء"

بحسب نسرين 45 عام، معلّمة لغة إنكليزيّة، ابنة دير الزور، وأم لأربعة أطفال، دير الزّور قبل العام 2011، شهدت إصلاحات ملموسة على مستوى الخدمات العامّة، وبدأت تلتقط أنفاسها في آخر بضعة سنوات قبل أن يبدأ الصّراع في سوريا، تمّ حينها استحداث جامعة الفرات، وافتتاح الكليّات المختلفة، وإصلاحات على مستوى البنيّة التّحتيّة، من دّوارات حديثه، مدارس جديدة في المدينة والأرياف البعيدة، ومن بين جميع الإصلاحات افتتاح الحديقة المركزيّة عام 2003 على مساحة تصل إلى  40 ألف متر مربع، الحدث الذي قرأه سكّان المدينة كخطوة واعدة بالنسبة إلى مدينة دير الزّور الّتي همّشها نظام الأسد الأب لعقود طويلة.

الحديقة المركزية في دير الزور/سوريا

متنفس وحيد لقاطني الأحياء المدمّرة القريبة 

تتوسط الحديقة المركزيّة أحياء الحميديّة، الجبيلة، وسوق دير الزّور.جميع الشقق في هذه الأحياء صممت من قبل  جمعيّات سكنيّة، من دون الأخذ بالاعتبار أهمية وجود حدائق داخليّة، وتعتبر الحديقة المركزيّة المساحة العامّة الوحيدة المجانيّة لسكان هذه الأحياء، و ملاذاً للعائلات، من حرارة الصيّف في المنازل اللاهبة، خلال ساعات تقنين الكهرباء صيفاً، وملجأ من البيوت المدمّرة الباردة شتاءً.

التّحطيب وقطع الأشجار بشكل عشوائي، وجائر خلال سنوات حصار تنظيم داعش لمدينة دير الزّور

خلال سنوات حصار داعش لمدينة دير الزّور الأربعة، أدت حالات الفوضى  إلى قطع معظم أشجار المدينة، لاستخدامه في التّدفئة، بسبب الغياب التّام للمحروقات، الأمر الّذي يجعل المدينة بحاجة إلى الحفاظ على الأشجار القليلة المتبقية، ولكن الواقع بأنّ أشجار الحديقة المركزيّة الّتي نجت من التّحطيب، تقف اليوم بانتظار المنشار، وبعضها تمّ قطعه بالفعل. 

تقول إيمان العليان ناشطة مدنيّة ومؤسسة منظمة نساء الغد، أنّ العمل على إنشاء كتلة خرسانيّة على مساحة عامّة مثل الحديقة المركزيّة أمر لا يمكن أن يقبله عاقل، اليوم دير الزّور بأمسّ الحاجة للمساحات العامّة الخضراء، وهذه الحديقة أحد أهم هذه المساحات، الحكومة تسمح بقطع الأشجار واستبدالها بالباطون  المسلّح، بدلاً من أن تعيد تأهيلها وتزويدها بالمرافق الخدميّة، وألعاب الأطفال، أطفال دير الزّور حرموا من عيش طفولتهم وعانوا من الحرب وتبعاتها، على غرار الحدائق الموجودة في محافظات أخرى، مثل حديقة  آزادي في القامشلي،  والّتي قامت الإدارة الذّاتية بإعادة تأهيلها، وتشجيرها، وإلحاقها بمجسّمات ثقافية ترمز إلى المحافظات السّوريّة المختلفة، تحاكي معالم مشهورة من المحافظات السّوريّة المختلفة”.

"المساجد كثيرة، أمّا الحدائق فنادرة وغير مؤهلة، ومعظمها تحوّلت إلى مقابر خلال سنوات الحرب"

 وتضيف:”حتّى لو تمّ بناء المسجد على جزء صغير فقط من الحديقة، سيحد ذلك من حريّة مرتادي الحديقة، ولا سيّما من النّساء، وجود مسجد في داخل الحديقة، سيلغي خصوصيّة المكان، ويسبب استبعاد للنساء، حيث أن عادة النّساء ترتاد الحديقة بهدف الاستجمام، الّذي لا يمكن تحقيقه بوجود مسجد، وما يتبعه من ضوابط شرعيّة، واحترام للمساحات الدينيّة”. 

حرّاقات النّفط البدائية في دير الزّور

عمران العلي طبيب أورام من مدينة دير الزّور، يقول بأنّ المدينة تعاني من نسب إصابات مرتفعة بالأورام والسّرطان، والأمراض التّنفسيّة، والإعاقات بسبب الآثار المترتبة على سنوات من تشغيل الحرّاقات العشوائيّة، الأمر الّذي يستدعي تنظيم انشطة طارئة لتشجير المدينة، والتّعامل مع الحدائق العامّة على أنّها مساحات ضروريّة وطارئة، لتقليص الآثار السّلبية لانبعاثات الحرّاقات البدتئيّة، والتّلوث النّاتج عن سنوات الحرب.

من جهة أخرى إن ندرة المساحات العامّة المجانيّة المتاحة والآمنة للأطفال تدفعهم إلى اللعب في بيئة موبوءة بالألغام ومخلّفات الحرب.تعتبر مدينة دير الزّور من أكثر المدن السّوريّة دماراً، الموبوءة بالألغام، ومخلّفات الحرب، وعلى الرّغم من غياب عدد الضّحايا الدّقيق للألغام، ومخلّفات الحرب، تقول أم عمر (اسم مستعار)،8 سنوات من مدينة دير الزّور، مريض استسقاء دماغي، يعيش في حي الحميديّة المدمّر، تقول والدته:”النسبة إلى طفلي  الوضع هنا مأساوي، لم يعش عمر  طفولته، وهذه الحديقة متنفسنا الوحيد، حتّى المدرسة ليست آمنة بالنسبة له، حيث تعرّض لتحرّش جنسي، الأمر الّذي اضطرنا على متابعة تعليمه في البيت، كلّ اثنين وخميس، نذهب إلى الحديقة”.

مشاهد من عمليات جرف الحديقة المركزية في دير الزور/سوريا

هبة العلي 45 عام، ربّة منزل وأم لأربعة أطفال أصغرهم مريض استسقاء دماغي أيضا، تعيش هبة مع زوجها وأطفالها الأربعة، تفترش هبة وأطفالها أحد البقع القليلة الخضراء في الحديقة المهملة منذ بداية الحرب في سوريا، تقول هبة:”لا أعرف إذا كانت ستبقى هذه الحديقة مفتوحة أمامنا بعد إنشاء المسجد، أم أنّ القائمين على المسجد ، والمصلّين سيمنعون النّساء من ارتياد الحديقة، المشكلة أنّنا نعيش في حي مدمّر، وطفلي المصاب باستسقاء دماغي لا يوجد مكان قريب يمكنه اللعب فيه، حتّى المدرسة لم يعد يتمكن من الذّهاب إليها بسبب تنمّر التلاميذ عليه، والشّارع غير آمن بسبب الرّكام المنتشر ومخلّفات الحرب، كنت أعتقد بأنّ الحكومة ستولي اهتماما أكبر بالحديقة، مثل ترميمها  وإعادة  تشجيرها، لكن مشروع بناء المسجد على أرض الحديقة خيبة أمل حقيقيّة، المساجد كثيرة، أمّا الحدائق فنادرة، وغير مؤهلة، ومعظمها تحوّلت إلى مقابر خلال سنوات الحرب”.

بالمقابل يشير المتحدث الإعلامي لمديرية الأوقاف، مهنّد المحمّد في دير الزّور، لمنصّة صلة وصل، عن سؤال سبب اختيار أرض الحديقة المركزيّة لبناء مسجد على جزء منها وهل تمت دراسة الأثر البيئي لهذا المشروع؟

“تمت دراسة طبيعة الموقع ومساحاته بشكل دقيق حيث تبين بعد المسح وأخذ القياسات لكامل أرض الحديقة أن المساحات المرصوفة والبحيرات الكبيرة التي تتوسط الحديقة تعادل أضعاف مساحة المسجد الذي يجري إنشاؤه حالياً، كما سيتم العمل على إعادة ترتيب الحديقة وزيادة الغطاء النباتي فيها عبر توسيع المساحات الخضراء وزراعتها بأشجار دائمة الخضرة إضافة إلى أن المسجد سيبنى على الطراز التراثي؛ بحيث يتألف من صحن وأروقة وحرم وسيكون القسم الأكبر منه مساحة مفتوحة وغير مسقوفة متصلة مباشرة بالحديقة بما يتيح دخول وخروج الزوار والمصلين بسهولة، أما المساحة المسقوفة فلن تتجاوز 6000 متر مربع أي ما يعادل نحو 10 بالمئة فقط من المساحة الكلية للحديقة”.

"افتتاح الحديقة المركزيّة عام 2003 على مساحة تصل إلى 40 ألف متر مربع، كان حدثاً قرأه سكّان المدينة كخطوة واعدة بالنسبة إلى مدينة دير الزّور الّتي همّشها النظام لعقود"

وعن سبب اختيار أرض الحديقة المركزيّة لبناء المسجد عليها يجيب :”الحديقة المركزية هي أرض وقفية تعود ملكيتها الكاملة لمديرية الأوقاف وتوجد جميع الثبوتيات والمخططات الرسمية التي تثبت ذلك كما ذكر عدد من الشهود وأهالي المدينة أن الموقع كان مقرراً لبناء مسجد فيه منذ ثمانينات القرن الماضي قبل إنشاء الحديقة وتم إيقاف المشروع حينها من قبل النظام السابق، كذلك تم اختيار الموقع لأنه يتوسط مدينة دير الزور التي تفتقد إلى مسجد جامع كبير يجمع الناس ولا توجد أرض وقفية أخرى تحقق هذه الشروط كما أن الموقع يشكل امتداداً لمواقع أثرية وتاريخية مهمة مثل السوق المقبي والجسر المعلق على نهر الفرات ما يضيف بعداً حضارياً وسياحياً للمنطقة”.

وجّهت صلة وصل أيضاً سؤال حول مصير الأشجار والغطاء النّباتي على المساحة الّتي سيشغلها المسجد، في هذا السياق يشير:”  المسجد سيشغل القسم الجنوبي من الحديقة وهو جزء يحتوي على عدد محدود من الأشجار وبعد الدراسة تبين أن المشروع لن يؤثر على المساحات الخضراء بالشكل الذي يتم تداوله بل سيتم العمل على إعادة تنظيم الحديقة وزيادة الغطاء النباتي فيها وزراعة أشجار دائمة الخضرة بما يحقق توازناً واضحاً بين الطابع العمراني للمسجد، والمساحات الخضراء المحيطة به كما أن تصميم المسجد المفتوح وغير المغلق بالكامل سيحافظ على اندماجه البصري والبيئي مع الحديقة ومحيطها”.

مشاهد من عمليات جرف الحديقة المركزية في دير الزور/سوريا

خمسون مسجد في مدينة دير الزّور، بحسب نشرة صادرة عن مديريّة الأوقاف بدير الزّور، ما عدا المسجد الأموي الكبير قيد الإنشاء: 

عممت مديريّة الأوقاف في دير الزّور بتاريخ 27-5- 2026،  لائحة المساجد الّتي يمكن للسّكان، أداء صلاة العيد، حيث بيّنت اللائحة وجود 50، مسجد في مدينة دير الزّور مفتوحة أمام المصلّين. وعدد المساجد الّتي لحقها الدّمار وخرجت عن الخدمة، يصل حوالي ضعفي هذا العدد على الأقل، أحدها مسجد الإمام الشّافعي، الملاصق تماماً للحديقة المركزيّة، بالمقابل حدائق مدينة دير الزّور جميعها خارج الخدمة، ما عدا، حديقة طليطلة، وحديقة العشّاق في حي القصور، الّذي لم يلحقه الدّمار، بسبب تواجد النّظام السابق فيه، والميليشيات الموالية له، أمّا بقيّة حدائق المدينة، فلحقها دمار واسع، وتحوّلت إلى مقابر لضحايا النّزاع في مدينة دير الزّور، بين الفصائل الّتي توالت على المدينة، مثل الجيش الحر، جبهة النّصرة، داعش، مع بعضها، ومع قوّات النّظام السابق وميليشياته.

بين الآراء المناصرة لبناء المسجد ، على اعتباره معلم حضاري جامع لسكّان مدينة دير الزّور، يبعث الأمل في سكّان المدينة المدمّرة، بأنّ دير الزّور حاضرة على لائحة الإعمار. وبين من يرى المشروع قرار غير مدروس يفرض على السّكان دون الأخذ بالحسبان، الأثر البيئي السّلبي، وخسارة للسّكان لمساحة عامّة ومجانيّة أخيرة. في الوقت الّذي تهمل البنية التّحتية للمحافظة، من جسور مهدّمة، ومؤسسات متهالكة، وبحسب سّكان محليين ، فإنّ العواقب الكارثية الّتي كشفها ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات في الايّام الأخيرة من شهر أيّار/يونيو. وغرق الأراضي الزّراعية، وانهيار الجسور التّرابية، يكشف الحاجة، إلى مشاريع حقيقيّة، تدعم قدرة السّكان على الصّمود، والبقاء. يبقى سير المشروع جارٍ على قدم وساق، وعمليات الحفر مستمرّة، وقطع الأشجار، وقلب تربة الحديقة بما تحمله من ذكريات لأهل المدينة، وما شهدته من أحداث دمويّة على مدار أربعة عشر عام.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x