مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الولادة بعيداً عن الديار: رحلة الأمهات النازحات في لبنان

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
02/06/20262:53 م

تواجه أكثر من 13,000 امرأة حامل في لبنان، نزحن جراء الحرب المستمرة، سوء التغذية، والضغوط النفسية الحادة، والافتقار إلى الخصوصية الطبية. وبين مراكز الإيواء المؤقتة والنظام الصحي المنهك، تكافح هؤلاء الأمهات المستقبليات لحماية أجنتهن. في هذا التقرير من صيدا وبيروت، نسلط الضوء على المعركة اليومية لصحة الأمومة، والشبكات المتخصصة التي تعمل لتأمين شبكة أمان في زمن الشتات.

نلتقي بـ “مايا” في مدرسة “معروف سعد” الرسمية في مدينة صيدا، وهي تحاول إشعال نرجيلتها اليومية. في هذا المكان، وجد نحو 550 شخصاً ملاذاً لهم بعد فرارهم من الغارات التي أجبرت أكثر من مليون لبناني على مغادرة بيوتهم. تحت سترة فضفاضة، تُخفي الشابة حملها الذي دخل شهره السادس؛ إذ من المتوقع أن يرى طفلها الصغير “أندرو” أو “أَمير” النور بعد ثلاثة أشهر، وتعلّق مبتسمة وهي تعدل تسريحة شعرها: “إن شاء الله”. تقولها لأن في هذا اليوم، الأربعاء 8 نيسان/أبريل، عاودت الطائرات قصف نحو مئة هدف في غضون دقائق، مخلفةً وراءها مئات الضحايا والجرحى.

منذ الثاني من آذار/مارس، تاريخ تصاعد الغارات، تحولت إحدى غرف التدريس إلى مسكن لمايا. تروي الأم المستقبليّة بتعب تفاصيل هروبها المستعجل: “استغرقت الرحلة نحو ثماني أو تسع ساعات. كانت الطرقات ضيقة ومزدحمة للغاية، والسيارات تسير ببطء شديد مصدّاً بمصد”. وعند سؤالها عما إذا كانت قد تمكنت من جلب أي مستلزمات للطفل المنتظر، تجيب: “في الحقيقة، لا شيء على الإطلاق. خرجنا بملابس النوم (البيجامات)؛ كنا على وشك النوم عندما بدأ القصف، فنهضنا وهربنا في عتمة الليل”.

بإيماءة متعبة، تمسد الثلاثينية بطنها قائلة: “بعض النساء يعشقن فترة الحمل، أما أنا فأعاني. منذ البداية لم أذق طعم الراحة”. إن فكرة استقبال طفلها الأول بعيداً عن قريتها “أنصار” تسبب لها قلقاً عميقاً. تراقب مايا الأيام وهي تمضي، وتتأرجح بين نزهات قصيرة على الكورنيش البحري مع زوجها علي، وبين آلام جسدية مستمرة. وقد ترك التوتر أثراً مباشراً على صحتها؛ إذ باتت تعاني من جفاف حاد: “أنسى أن أشرب الماء. ومن دون أدويتي، يمكن أن تمر ثلاثة أيام دون أن أجرع شربة ماء واحدة من دون أن أنتبه”. ومن أجل سلامة جنينها، ورغم محاولة قصيرة للعودة إلى بلدتها، اختارت البقاء في مدرسة صيدا، حيث يظل مستقبل طفلها معلقاً في الهواء.

هشاشة غذائية

في المدرسة نفسها، تعيش “ليال” (28 عاماً)، وهي أيضاً من بلدة أنصار، تجربة حملها الثالث لكن في ظروف مغايرة تماماً لرحلتيها السابقتين. تقول ليال: “في حملي الأول والثاني، كنت آكل بيضة وأشرب الحليب يومياً. اليوم، انقطع الحليب، ولم أعد أطيق رائحة البيض ونحن نعيش جميعاً في غرفة واحدة”. وبالنسبة لليال، فإن المتابعة الطبية أصبحت ممكنة بفضل “جمعية عامل” التي تزور مراكز الإيواء لإجراء فحوصات بانتظام عبر الموجات فوق الصوتية (الإيكو)، وفي ظل هذه الظروف جهّزت نفسها لاستقبال طفلتها الصغرى “زينب”.

وُلدت زينب في 17 نيسان/أبريل، في يوم “وقف إطلاق نار” لم يكن له من الواقع نصيب، وسرعان ما كان عليها مغادرة المدرسة لأن شقيقتيها الكبيرتين أصيبتا بالإنفلونزا هناك. وحفاظاً على سلامة المولودة الجديدة واستعادةً لشيء من الخصوصية بعد الولادة، انتقلت ليال في نهاية المطاف إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، مفضلةً رعب القصف على الاكتظاظ الخانق في مركز النزوح.

صدمة “الولادة تحت القصف”

بالنسبة للبعض، تعيد الحرب فتح جروح عميقة. “ديانا”، التي التقيناها في صيدا، اضطرت إلى الفرار من مدينة صور خلال موجة القصف في أيلول 2024، وفي تلك اللحظات بالذات وضعت طفلتها “ميلا”. تروي قائلة: “كنت في شهري الثامن عندما لجأت إلى المدرسة، ونتيجة الخوف الشديد تحفزت عملية الولادة. حاول الأطباء إعطائي مهدئات، لكن المياه انفجرت بسبب الرعب جراء الغارات”. بدأت الآلام عند الساعة السادسة صباحاً، وتلتها عملية قيصرية عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً. وفي اليوم التالي مباشرة، كان المستشفى المكتظ يضغط عليها للمغادرة. 

 الحروب المتعددة تركت ندوباً في البلاد، الخوف والوصمة يمنعان أحياناً النساء من التوجه إلى المستشفيات

ورغم المعاملة الطيبة التي تلقتاها من المشرفين في مدرسة معروف سعد، فإن العودة إلى المركز هذا الربيع أعادت ذكريات الصدمة بقوة: “بعد الولادة، لم أكن قادرة حتى على حمل ابنتي أو إرضاعها. مع مرض الربو والتوتر كنت أختنق، وكان المشي إلى الحمام في آخر الممر بمثابة تعذيب وأنا بالكاد أستطيع الوقوف على قدميّ”.

وعند سؤالها عن إمكانية إنجاب طفل آخر، تهز ديانا رأسها بشكل قاطع: “أحياناً أفكر في الأمر، ولكن بمجرد أن أتذكر ما مررت به، أغير رأيي فوراً. أنا خائفة جداً من أن تندلع الحرب مجدداً. طفل واحد يكفي”.

إجراء فحص بالموجات فوق الصوتية (إيكو) خلال معاينة طبيّة داخل العيادة المتنقلة التابعة لجمعية SIDC في لبنان 

نظام طبي مستنفر في وجه الطوارئ

أمام هذه المصائر غير المستقرة، يحاول الطاقم الطبي التعويض عن انهيار البنى المؤسسية الرسمية. ويوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان وجود نحو 325,000 امرأة في سن الإنجاب نازحة في لبنان، من بينهن حوالي 13,500 امرأة حامل. ولحمايتهن، أنشأت “نقابة القابلات القانونيات في لبنان” خطاً ساخناً مجانياً (70118723) لتقديم الدعم الطبي والنفسي.

وفي لقاء معها منتصف شهر آذار، أكدت رئيسة النقابة ريما شعيتو على أهمية هذه الشبكة قائلة: “تتوجه الفرق مباشرة إلى مراكز الاستقبال أو الشقق التي استأجرتها العائلات”. وبحسب خبرتها في الحروب المتعددة التي تركت ندوباً في البلاد، فهي تدرك أن الخوف والوصمة يمنعان أحياناً النساء من التوجه إلى المستشفيات: “من الضروري الذهاب إليهن، وأن يتواصلن مع قابلات ينتمين إلى مجتمعهن لتبديد مخاوفهن”.

وفي الجنوب الشرقي للبلاد، وتحديداً على بعد كيلومترات قليلة من الحدود، تعمل “حسنة حجول” كقابلة قانونية في مستشفى مرجعيون الحكومي. ونتيجة النقص الحاد في الموظفين والنزوح الجماعي، اضطر قسم التوليد إلى إغلاق أبوابه. وتكشف حسنة عبر الهاتف بصوت يملؤه الإرهاق: “لم نعد نُجري عمليات توليد لأن الأطباء غادروا. نستقبل المريضات في مركز الرعاية الصحية الأولية ونفعل كل ما بوسعنا”. وعلى مقربة من هناك، تفرض الاشتباكات اليومية في بلدة الخيام إيقاع الحياة، حيث يعمل الفريق الطبي تحت ضغط مستمر في منطقة ما زالت خارج نطاق الاحتلال.

إحدى أفراد الطاقم الطبي التابع لـ «جمعية عامل» خلال زيارة تفقدية لمركز إيواء النازحين في منطقة الحمرا 

مخاطر النظافة والمياه

يكمن أحد أخطر التهديدات التي تواجه هؤلاء النساء في صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب والنظافة؛ ففي مدرسة صيدا، تتشارك 240 امرأة في 12 مرحاضاً فقط. تعترف مايا: “أحياناً أحبس نفسي لأنني أعلم أن الحمامات ستكون شديدة الاكتظاظ”. هذا النقص في النظافة وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة يمثلان عوامل خطر رئيسية.

تشرح “غدير”، وهي قابلة قانونية مع مؤسسة عامل: “خذ مثلاً بكتيريا (إي كولاي)؛ إنها تسبب التهابات في المسالك البولية، ويمكن أن تأتي من مياه الصنبور التي يشربونها أو المياه التي يغتسلون بها. وعندما يصاب الجسم بالالتهاب، تصعد البكتيريا عبر الحالب إلى المثانة”.

الأولوية المطلقة هي عزل وتخصيص المرافق الصحية للنساء الحوامل

الحرقة أثناء التبول، سلس البول، والآلام في الحوض، كلها أعراض تنبه مقدمي الرعاية إلى احتمال وجود التهابات بولية أو مهبلية، حيث يقدمون العلاج اللازم مجاناً. وتحذر غدير: “إذا لم نعالج المشكلة من البداية، فقد تتطور إلى التهاب حاد في الكلى، وهو ما قد يؤدي إلى تحفيز المخاض المبكر والولادة المبكرة في أي شهر من أشهر الحمل”.

كذلك تحذر الدكتورة “روان عزاكي”، وهي طبيبة نسائية متطوعة مع جمعية “SIDC لبنان”، من عواقب الولادات المبكرة: “يولد الأطفال بوزن منخفض… ويمكن أن يعانوا من مشاكل في التنفس أو يحتاجون إلى حاضنات (حوادض)”. ويُضاف إلى ذلك سوء التغذية الذي يسبب، بحسب القابلة حسنة حجول، فقر دم حاد (أنيميا) لدى الأمهات النازحات، فضلاً عن حالات هبوط في ضغط الدم.

الدكتورة روان عزاكي بعد إتمام معاينة طبية لصالح جمعية SIDC في أحد مراكز إيواء النازحين بمنطقة الحمرا 

الرعاية عبر الخطوط الساخنة والعيادات المتنقلة

تستمر حسنة حجول في متابعة المريضات في مرجعيون رغم إغلاق قسم التوليد، وتوضح: “نراهن فقط في مركز الرعاية الصحية الأولية”. وأمام هذا البؤس، يحاول مقدمو الرعاية خلق “شرنقة” آمنة للنساء؛ إذ تؤكد حسنة، التي أبقت عيادتها الخاصة مفتوحة لأجلهن: “أقول لهن دائماً: مهما حدث، أنا هنا. يمكنكن الاتصال بي في أي ساعة”.

وفي حي “الظريف” ببيروت، تنشر جمعية “SIDC لبنان” عيادات متنقلة. وداخل شاحنة مجهزة، تفحص الدكتورة روان السيدة “أمل” (اسم مستعار) الحامل في شهرها السادس، وتطمئنها: “دقات القلب ممتازة جداً”. لكن وراء الرعاية الجسدية، غالباً ما يكون التشخيص النفسي أكثر قتامة؛ إذ تنقل الطبيبة النسائية عن إحدى المريضات قولها: “لم أعد أرغب في العيش، لم يعد للحياة أي معنى”. ورغم حجم الاحتياجات الهائل، يبقى حسين نصر الدين، أحد المسؤولين في جمعية عامل، عازماً على المواجهة: “نحاول قدر المستطاع تلبية الاحتياجات حتى لا يُهمل أحد، وخصوصاً النساء الحوامل”.

أمل (اسم مستعار) أثناء خضوعها لمعاينة طبية، نازحة حالياً من الجنوب وتقيم في أحد مراكز الإيواء بمنطقة الحمرا 

حلول مقترحة

وعند السؤال عن حلول ملموسة للحد من المخاطر التي يفرضها النزوح على الحوامل، يجمع مقدمو الرعاية على أن التركيز يجب أن ينصب على المرافق الصحية والوصول إلى المياه الصالحة للشرب.

تؤكد غدير: “الأولوية المطلقة هي عزل وتخصيص المرافق الصحية للنساء الحوامل. يجب حجز مراحيض محددة لهن؛ فإذا كان المركز يستضيف خمس نساء حوامل، ينبغي أن تتوفر لهن مرافق خاصة. هذا الإجراء كفيل بتقليص خطر الإصابة بالالتهابات بشكل جذري، وبالتالي الحد من خطر الولادة المبكرة”. وفي ما يتعلق بالمياه، تقترح القابلة تركيب “خزانات مياه نظيفة ومخصصة” لكي تتمكن الحوامل من الاغتسال والشرب بأمان. وتختم متنهدة من عبء حرب أخرى: “إنها مسألة صحة عامة على المدى الطويل”.

في هذه الحرب، يظل العاملون في القطاع الصحي خط الدفاع الأخير، حريصين على ألا تُجبر أمهات مثل مايا، ليال، أو ديانا، على الاختيار بين نجاتهن الشخصية وبين حياة أطفالهن.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x