الحرب تقتلع مزارعي/ات التبغ الجنوبيين/ات من أرضهم/ن
في بلدات الجنوب اللبناني، لم يعد موسم الدخان (التبغ) مجرد موسم زراعي عابر، بل معركة بقاء لآلاف العائلات التي تعيش من هذه الزراعة منذ عقود. لكن الحرب لم تسرق المحاصيل فحسب، بل أبعدت المزارعين عن أراضيهم، وحوّلت الحديث عن موسم الدخان إلى حنين لحياة توقفت فجأة.
“أصلاً نسينا كيف نزرع دخاناً”؛ بهذه العبارة يختصر المزارع محمد فرحات، ابن بلدة عيترون الجنوبية، حجم المأساة التي يعيشها أبناء بلدته منذ عام 2023. ويقول إن ثلاث سنوات من الحرب كانت كفيلة بإتلاف الأراضي الزراعية، وهدم المنازل، وتجريف أحياء كاملة، مضيفاً: “خسائر لا تُقدَّر بثمن، وغربة واقتلاع من أرضنا ومن مصدر رزقنا… وتسألني عن موسم الدخان؟”.
"خسائر لا تُقدَّر بثمن وغربة واقتلاع من أرضنا ومن مصدر رزقنا"
بهذه الكلمات يصف فرحات واقع مزارعي عيترون والخسائر التي لحقت بهم وبقريتهم نتيجة الحرب، في وقت تواجه فيه عائلات كاملة مصيراً مجهولاً بعد فقدان أراضيها ومصدر دخلها الوحيد المتمثل بالزراعة، ولا سيما زراعة الدخان التي شكّلت لعقود المورد الأساسي لآلاف العائلات في البلدات الجنوبية.
من مزارع إلى آخر، تتكشف ملامح الكارثة التي يعيشها مزارعو الدخان في جنوب لبنان، وخصوصاً في بلدة عيترون، إحدى أكبر القرى المنتجة للتبغ، بعد خسارتهم محاصيلهم الزراعية ومصادر رزقهم؛ من الدخان إلى الزيتون، وصولاً إلى الأراضي التي جُرفت أو باتت واقعة تحت الاحتلال. إن التحدث عن الوضع وخسائر موسم الدخان تحديداً للمزارع -وهو المبعد أصلاً عن قريته ومهجر إما في مراكز الإيواء، أو عند أحد أقاربه، أو في خيام على الطرقات- هو كمن يتحدث عن أمجاد الماضي وبعض الخسائر البسيطة مقارنة بواقعه الحالي.
بعض المزارعين رفض حتى مجرد تذكر الأمر أو ذكر اسمه؛ فهو خسر كل ما يملك ولا أمل له بالعودة إلى قريته قريباً ولا حتى بعد عقود -حسب تعبير الكثير من كبار السن- ولكن رغم ذلك، تبقى العودة هي الأمل الوحيد المتبقي لهم، وعودة الزراعة هي الهواء بالنسبة إلى المزارع الذي يتنفس عبر أرضه.

تراجع حاد وكارثي لموسم الدخان في الجنوب
لا تقتصر تداعيات الحرب على المنازل المدمّرة والخسائر المادية المباشرة، بل تبدأ بالأرض نفسها والمواسم الزراعية التي تشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات في الجنوب. ومع كل جولة تصعيد، تتراجع زراعة الدخان أكثر، تاركة مساحات واسعة من الأراضي مهجورة، فيما يخسر المزارعون مواسمهم عاماً بعد عام، في أزمة تضرب أحد أبرز القطاعات الزراعية في الجنوب منذ عقود.
يشير مدير التبغ والتنباك في إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي)، المهندس الزراعي عبد المولى المولى، إلى أن “ما يصيب زراعة التبغ في الجنوب يتجاوز الخسائر المعتادة، حتى بات أمراً لا يمكن قياسه بمقياس عقلاني، خصوصاً في قرى الخط الأصفر التي تتحول فيها الأرض الزراعية إلى مساحات مهجورة مع كل تصعيد عسكري؛ فالحرب تأتي مع بداية موسم الزراعة، فيترك المزارعون أراضيهم قبل أن تبدأ الدورة الزراعية فعلياً، وتبقى مساحات واسعة من دون استثمار”.
"ما يصيب زراعة التبغ في الجنوب يتجاوز الخسائر المعتادة"
ويشرح المولى أن “بلدات مثل رميش والبابلية لا تزال من المناطق القليلة التي تتمكن من الحفاظ على جزء من زراعة الدخان، فيما تتحول الزراعة في بلدات أخرى إلى مغامرة فردية يقوم بها بعض المزارعين رغم المخاطر، كما يحصل في دير عامص والبياضة وبرج الشمالي”.
وفي لغة الأرقام، يروي المولى حجم الانهيار الذي يضرب هذا القطاع: “إن إنتاج التبغ في الجنوب، الذي بلغ نحو مليونين و200 ألف كيلوغرام في موسم عام 2025، يتراجع في عام 2026 إلى ما بين 500 ألف و700 ألف كيلوغرام فقط، بعدما كان الجنوب قبل الأزمة الاقتصادية عام 2019 ينتج سنوياً نحو 5 ملايين و200 ألف كيلوغرام”.

لكن الأزمة، بحسب المولى، لا تتوقف عند انخفاض الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى كل تفاصيل العملية الزراعية؛ “فالمزارعون يخسرون المشاتل والنايلون والمرشات والمعدات الزراعية، فيما تختفي بعض الأراضي أو تتغير تضاريسها بالكامل نتيجة التجريف والدمار والأعمال العسكرية”. ورغم ذلك، “تحاول الريجي الإبقاء على الحد الأدنى من الدورة الزراعية عبر إنشاء مشاتل خاصة في السعديات لتزويد المزارعين بالأشتال، إلى جانب توزيع المبيدات الزراعية وتقديم الدعم الممكن، إلا أن الظروف الأمنية تمنع الاستفادة الكاملة من هذه المبادرات”.
ويصف المولى ما تعيشه قرى أساسية منتجة للدخان، مثل عيترون، بـ “السنوات العجاف”، بعدما كانت البلدة تنافس رميش على صدارة إنتاج التبغ في الجنوب، قبل أن تتحول الحرب إلى عامل يقتلع الأرض ومواسمها معاً.
سلفة 300 دولار للمزارعين
وبحسب المولى، فإن “المؤسسة تحاول إبقاء المزارعين في أرضهم ولو بالحد الأدنى، عبر تقديم سلفة بقيمة 300 دولار لكل مزارع. وخلال أقل من أسبوع، يستفيد نحو 1,400 مزارع من هذه السلفة، فيما يُتوقع أن يرتفع العدد إلى قرابة 4 آلاف مزارع في مختلف المناطق”.
وفيما تتراجع زراعة التبغ في الجنوب بشكل غير مسبوق، يوضح المولى أن “صورة الإنتاج في المناطق الأخرى لا تزال ضبابية أيضاً؛ فالبقاع، الذي كان يُفترض أن ينتج نحو مليون و200 ألف كيلوغرام من التبغ، لا تزال أرقامه الفعلية غير واضحة، بينما يُتوقع أن يصل إنتاج عكار إلى نحو مليون و460 ألف كيلوغرام”.
أما في الجنوب، فتبدو الأزمة أعمق من مجرد أرقام؛ فالعدد الرسمي لمزارعي الدخان يبلغ نحو 13 ألف مزارع، لكن العدد الفعلي على الأرض لا يتجاوز 5 آلاف مزارع، نتيجة لجوء كثيرين إلى تشغيل الرخص عبر الأقارب أو ضمانها للغير، تفادياً لخسارتها بعد عدم استعمالها لسنتين متتاليتين. وحتى هذا الرقم، بحسب المولى، لم يتحقق في موسم عام 2025؛ إذ لم يتجاوز عدد المزارعين الفعليين نحو 2,500 مزارع فقط.
ويقدّر المولى “الخسائر المباشرة لمزارعي الدخان في الجنوب بنحو 8 ملايين دولار كحصيلة أولية، من دون احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بخسارة الأراضي والمنازل، أو فقدان أفراد من العائلات الزراعية التي تعتمد على هذا القطاع كمصدر رزق أساسي”.

وفي القرى الجنوبية، تحاول العائلات التمسك بالموسم الزراعي رغم كل شيء. الشابة مريم خريزات تروي كيف يتصرف الأهالي بعد عودتهم عام 2024 على أساس أن الحرب انتهت؛ فيبدأ كثيرون باستئجار أراضٍ زراعية في بلدات مثل عيناتا والطيرة ومناطق أخرى بعيدة، ويدفعون من أموالهم الخاصة لتأهيل الأراضي وتحضيرها للزراعة، في ظل غياب أي بديل اقتصادي فعلي. وتوضح مريم “أن الأهالي باشروا بتحضير المشاتل الزراعية قبل اندلاع حرب عام 2026، معتقدين أن الموسم سيعود كما كان، قبل أن تتكرر الخسائر نفسها مع كل تصعيد جديد”.
ورغم تراجع الأمل بالعودة إلى عيترون، تؤكد مريم تمسكها بالأرض وبزراعة الدخان، معتبرة أن “الحياة في المدينة لا تشبه القرى ولا تشبه أهلها”؛ وتقول إن “الأرض تبقى لمن زرعها واستثمر فيها”، حتى لو تحولت المواسم إلى مغامرة خاسرة. وتلفت إلى أن عائلتها المؤلفة من ثمانية أشخاص تزرع نحو 15 دونماً من الدخان، إلا أنها مع بداية كل موسم تتكبد خسائر تتراوح بين 200 و300 دولار عن كل دونم، تشمل كلفة المياه وحراثة الأرض وتجهيز المشاتل، وهي مبالغ كبيرة لعائلة تعتمد بشكل شبه كامل على الزراعة.
وتشرح أن “الحرب تأتي دائماً في ذروة التحضير للموسم الزراعي، بعدما يكون المزارعون قد دفعوا كل ما يملكون لإعادة تأهيل الأراضي بعد سنوات من النزوح والهجرة.
حتى المياه، التي تُعد أساس المشاتل الزراعية، تتحول إلى عبء إضافي؛ إذ لا تقل كلفة نقلة المياه الواحدة عن 15 دولاراً، فيما تكفي لري مشتل واحد فقط، لتتراكم الخسائر موسماً بعد آخر من دون أي مردود فعلي”.
توضح السيدة إيمان خريزات أن “الزراعة تشكّل مصدر رزقهم الأساسي”، وتروي كيف عادت مع عائلتها إلى منزلها في عيترون بعد حرب عام 2023، وسط أعباء إعالة ستة أطفال. وتشير إلى أنهم اضطروا لاستخدام مبلغ الـ 10 آلاف دولار الذي حصلوا عليه كبدل إيواء لبناء غرفتين وشراء بعض مستلزمات المنزل بعدما دُمّر منزلهم الأساسي، إلا أن المبلغ لم يكن كافياً، مما أدى إلى تراكم الديون عليهم.
ومع محاولة استعادة حياتهم، بدأت العائلة مجدداً بفلاحة الأرض والتحضير لزراعة الدخان. لكن بسبب ظروف العمل في المناطق الحدودية لعيترون، اضطر الأهالي حينها إلى استئجار أراضٍ في بلدتَي عيناتا وكونين. وتشرح خريزات “أن إعادة تأهيل الأراضي بعد سنوات من النزوح تُعدّ مكلفة جداً، خصوصاً لعائلة خرجت للتو من الحرب؛ إذ تشمل الأعمال الحراثة، ورش المواد الكيميائية، وتجهيز المشاتل الزراعية”. وفي ليلة الثاني من آذار، ومع بداية الحرب مجدداً واشتداد القصف، اضطرّت العائلة إلى الفرار من منزلها الجديد نحو قرية أكثر أمناً، تاركين خلفهم كل شيء، حتى الهويات الشخصية.
وتعتبر أمل منصور أن “سلفة الـ 300 دولار التي تقدمها الريجي لمزارعي الدخان في الجنوب غير كافية”، وتقول إن “المزارع، الذي يشكّل المصدر الأساسي لإنتاج الريجي وأحد مصادر دخل الدولة اللبنانية، يحتاج إلى دعم مالي حقيقي لا إلى سلفة تُسترد منه لاحقاً عند عودته إلى زراعة أرضه”.
أما فاطمة عواضة، من بلدة عيترون، فتؤكد “أن زراعة الدخان تُعد المصدر الأساسي لإعالة عائلتها المؤلفة من خمسة أشخاص مع عائلاتهم، مشيرة إلى أن هذا المحصول يشكّل مدخولاً ثابتاً إلى جانب أعمالهم الأخرى”. وبعد انتهاء حرب عام 2024، اضطرّت العائلة للبحث عن أراضٍ جديدة في مناطق أبعد وأقل ملاءمة لزراعة الدخان. وتوضح “أنها بعد زراعة دونمين من الأراضي، تضطر إلى شراء معدات العمل الأساسية من الحديد وأدوات الزراعة وعربات النقل والنايلون، وذلك بعدما فقدوا منزلهم الأساسي ومستلزماتهم الزراعية”. ومع بداية الموسم الجديد، بدأت العائلة بالتحضير مجدداً لموسم الدخان على أمل مواجهة الظروف المعيشية الصعبة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم فجأة أمام موجة نزوح جديدة، هذه المرة باتجاه منطقة خلدة.
أكثر من ألف دونم مزروع بالدخان في عيترون
رئيس بلدية عيترون، سليم مراد، يسرد كيف يحاول أهالي البلدة بعد حرب عام 2024 إعادة الحياة إلى أراضيهم وإطلاق الدورة الاقتصادية الزراعية من جديد، رغم الدمار والخسائر التي تلاحقهم مع كل موسم. ويشرح أن “نحو 400 مزارع يبدؤون مع بداية شهر آذار بتجهيز أراضيهم استعداداً لزراعة الدخان؛ فيحرثون الأرض، ويضعون الأسمدة الأساسية، ويجهزون مساكب التبغ على أمل أن يعود الموسم كما كان. لكن مع كل تصعيد أمني، يضطر الأهالي إلى ترك أراضيهم والنزوح مجدداً، فتتحول التحضيرات الزراعية إلى خسائر مفتوحة”.
"نحو 400 مزارع يبدؤون مع بداية شهر آذار بتجهيز أراضيهم استعداداً لزراعة الدخان"
ويقدّر مراد المساحات المزروعة بالدخان في عيترون بما بين 1,000 و1,100 دونم، موضحاً أن “كلفة تجهيز الدونم الواحد تبدأ من نحو 100 دولار للحراثة، و100 دولار للأسمدة، إضافة إلى قرابة 50 دولاراً لتجهيز المساكب، أي ما لا يقل عن 250 دولاراً ككلفة مباشرة لكل دونم قبل أن تبدأ الزراعة فعلياً”.
لكن الخسارة، كما يقول، “لا تتوقف عند الأموال التي تُدفع لتحضير الأرض، بل تمتد إلى ضياع الموسم الزراعي بأكمله؛ فالدونم الواحد ينتج نحو 150 كيلوغراماً من الدخان، بقيمة تقارب 1,500 دولار، وهي مبالغ يعتمد عليها كثير من الأهالي كمصدر رزق أساسي طوال السنة”. وبحسب تقديرات البلدية، تتجاوز الخسائر المباشرة الناتجة عن تجهيز الأراضي وحدها 250 ألف دولار، موزّعة على نحو 400 مزارع، إلا أن الخسارة الأكبر تبقى في فقدان موسم الدخان نفسه، وما يمثّله من مورد اقتصادي أساسي كانت تعيش عليه عشرات العائلات في البلدة، إلى جانب خسارة الأرض وما ترتبط به من دورة حياة ومعيشة.
وفي السياق نفسه، يؤكد المراسل الزراعي في منطقة عيترون، محمود عطوي، أن “عدد الرخص الموزعة على مزارعي الدخان في البلدة يبلغ حالياً 866 رخصة، بعدما كان يتجاوز الألف رخصة في السنوات السابقة”. ويشير إلى أن “عدداً من المزارعين يحاولون بعد حرب عام 2023 الاستثمار في أراضٍ بعيدة عن المناطق الخطرة”.
وتنتج عيترون حالياً نحو نصف محصولها المعتاد، بما يقارب 7,500 طرد من الدخان، في حين كانت تنتج في السنوات الطبيعية نحو 15 ألف طرد، وجرى تسليم المحصول في مدينة النبطية، ويتراوح وزن الطرد الواحد بين 10 و30 كيلوغراماً.

ومع بداية الحرب في عام 2026، “بدأ ما بين 200 و250 مزارعاً بتجهيز الأراضي والمحاصيل الزراعية من خلال شراء المواد الكيميائية وحراثة الأرض، إلا أن اندلاع الحرب والإنذارات الأمنية يدفعان الجميع إلى النزوح وترك الأراضي، رغم التوقعات بأن يصل الإنتاج إلى نحو 7 آلاف طرد”. أما في عام 2025، “فلم يتجاوز حجم الإنتاج الزراعي 500 طرد فقط، بعدما اقتصر العمل على نحو 50 مزارعاً، رغم أن عيترون تُعد من أكبر القرى المنتجة للدخان في الجنوب؛ إذ كانت تنتج نحو 30 ألف طرد سنوياً، يُسلَّم منها 15 ألفاً مباشرة، فيما تُستكمل الكمية المتبقية عبر رخص من القرى المجاورة”. كما يلفت عطوي إلى أن “الريجي تقدّم مساعدات للمزارعين، تشمل دعماً بقيمة دولارين ونصف عن كل كيلوغرام في إحدى المراحل، ثم دولارين للكيلوغرام في عام 2025، إضافة إلى سلفة بقيمة 300 دولار عن كل رخصة خلال هذا العام”.













