الحرب تخنق قطاع النحل في الجنوب

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
17/06/202611:26 م

لا يتحدث علي منصور عن خلايا نحل احترقت أو ضاعت كما تُحصى الخسائر في جداول الأضرار. يتحدث عن موسم كان ينتظره في بلدته عيناتا، وعن ربيع لم يأتِ، وعن عمل صغير كان يكبر ببطء، خلية بعد خلية، حتى صار جزءًا من دخل العائلة وخطتها للسنة المقبلة.

منصور، أستاذ مدرسة ونحّال، كان يعرف أن الربيع ليس فصلًا عابرًا في حياة النحل. هو بداية الدورة كلّها: موسم العسل، وموسم التكاثر، وموسم توسيع المنحل. في هذا الوقت تحديدًا، يحتاج النحل إلى متابعة يومية، إلى علاج وتغذية ورقابة دقيقة، وإلى يد النحّال التي تعرف متى تفتح الخلية، ومتى تضيف إطارًا، ومتى تنقل قفيرًا، ومتى تمنع المرض قبل أن ينتشر. لكن الحرب بدأت عند مشارف هذا الموسم، وأغلقت الطريق بين النحّال ونحله.

"الحرب بدأت عند مشارف هذا الموسم وأغلقت الطريق بين النحّال ونحله"

كان منصور يملك نحو مئة خلية. يقول:”في موسم عادي، يمكن لهذا العدد أن ينتج، في المعدل الوسطي، قرابة طن من العسل سنويًا، تصل قيمته إلى نحو عشرين ألف دولار أو أكثر، بحسب الموسم والسعر. وبعد احتساب مصاريف العناية بالنحل، كان هذا العمل يؤمّن لعائلتي دخلًا شهريًا يتخطى الألف دولار”. لم تكن الخلايا، بالنسبة إليه، موردًا إضافيًا فقط، بل جزءًا من اقتصاد البيت، ومن قدرته على التخطيط، ومن فكرة أن الريف يستطيع أن يمنح أهله سببًا للبقاء.

صورة من منحلة الأستاذ والنحال علي منصور في بلدة عيناتا

موسم لا ينتظر نهاية الحرب 

هذا العام، كان ينتظر الربيع ليوسّع المنحل أكثر. يقول إنه كان يستطيع إضافة نحو خمس عشرة خلية جديدة كل موسم، وهذه الخلايا لا تُحسب ضمن إنتاج السنة الحالية فقط، بل تشكّل أساس إنتاج السنة اللاحقة. وكانت خطته أن يساعده الموسم في تأمين القسط الجامعي لابنته. هنا، لا تعود الخسارة محصورة في عسل لم يُقطف أو خلايا لم تُفتح، بل تمتد إلى قسط جامعي مؤجل، ودخل شهري انقطع، وموسم ضائع يمتد أثره إلى ما بعد الحرب نفسها. 

“حتى لو بقي النحل حيًّا”، يقول منصور، فإن عدم القدرة على الوصول إليه أو العناية به يعني عمليًا خسارته. فالنحل لا ينتظر نهاية الحرب كي يستعيد دورته. إذا غابت التغذية، أو تأخر العلاج، أو تُركت الخلايا بلا رقابة، يضعف القفير، وتتراجع الملكة، وتتفكك الخلية من الداخل، قبل أن تظهر الخسارة كاملة في أرقام الإنتاج. وبحسب تقديره، فإن النحّال الذي فقد خلاياه، أو لم يتمكن من رعايتها طوال هذه الفترة، لن يستطيع العودة إلى الإنتاج فور توقف الحرب، وقد لا يتمكن من بيع العسل مجددًا قبل ربيع 2027.

والحكاية نفسها تتكرر عند مختلف النحالين. فقد تحدّث آخرون، من بينهم أحمد إبراهيم ناصر الدين، وعلي موسى شكر، ورباح محمد حمزة، من حداثا وعيناتا والجميجمة، عن خسائر في مناحلهم تراوحت بين عشر وخمسين خلية خلال الحرب المستمرة في جنوب لبنان.

وتحوّلت هذه الخسائر، بحسب النحالين، إلى انقطاع شبه كامل لمورد عائلي أساسي، في ظل النزوح وصعوبة العودة وغياب التعويضات حتى الآن.

صورة تظهر مشهد من داخل خلية النحل

قطاع النحل داخل انهيار زراعي أوسع

ما يرويه أحمد إبراهيم ناصر الدين وعلي موسى شكر ورباح محمد حمزة لا يأتي خارج سياق أوسع من الانهيار الزراعي في جنوب لبنان. فبحسب تقرير نشرته صحيفة لوريان لو جور (L’Orient-Le Jour) استنادًا إلى التقرير الأسبوعي الخامس الصادر عن وزارة الزراعة ضمن خطة الاستجابة الوطنية،  تضرر 56,264 هكتارًا من الأراضي الزراعية، وتضررت 64 بلدة بفعل القصف وتجريف الأراضي وتدمير شبكات الري والبنية الريفية، فيما اضطر 77.9% من صغار المزارعين في الجنوب إلى النزوح، ما أدى إلى تعطّل مواسم الإنتاج وسلاسل الإمداد في مناطق واسعة.

ضمن هذا المشهد، كان لقطاع النحل نصيب واضح من الخسائر. وتشير بيانات وزارة الزراعة إلى فقدان أكثر من 29 ألف خلية نحل خلال الحرب، في خسارة لا تمسّ إنتاج العسل فقط، بل تطال أيضًا مواسم التكاثر، والتلقيح الزراعي، والدخل السنوي لمئات العائلات الريفية. وفي اليوم العالمي للنحل، الموافق 20 أيار، أكد وزير الزراعة نزار هاني أن اقتصاد النحل لم يعد قطاعًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الغذائي، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية. 

"فقدان أكثر من 29 ألف خلية نحل خلال الحرب"

خسارة الخبرة لا الخلايا فقط

ولا تقف الخسائر عند حدود الخلايا والمواسم. فقد تداولت منصات بيئية وحقوقية شهادات عن مقتل نحالين خلال الحرب، من بينهم معروف رمال ومحمد عبد السلام نصر الله، وهما من الأسماء المعروفة في قطاع تربية النحل في لبنان.

وتكشف هذه الخسارة بعدًا إضافيًا في القطاع، إذ لا ترتبط العودة إلى الإنتاج بالخلايا وحدها، بل أيضًا بالخبرة المتراكمة لدى النحالين، ومعرفتهم بالمواسم، والعلاج، والتكاثر، وحركة النحل بين المناطق والمراعي. وفي قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة المحلية المتوارثة، فإن خسارة المربي قد تعني خسارة سنوات من الخبرة يصعب تعويضها سريعًا.

من العسل إلى الأمن الغذائي

ولا يمكن فصل خسائر النحل عن صورة أوسع من تعطّل النظام الغذائي في لبنان. ففي منشور صادر عن “الميادين لبنان“، نقلت المنسقة الوطنية للتحول في النظام الغذائي، النائبة عناية عز الدين، أن العدوان الإسرائيلي “يهدد النظام الغذائي في لبنان ويقوّض أسسه بشكل عميق”. وبحسب الأرقام المعروضة، تكبّد القطاع الزراعي خسائر مباشرة بلغت 118 مليون دولار، إضافة إلى 586 مليون دولار من خسائر الإنتاج والدخل، فيما ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى 1.26 مليون شخص خلال عام 2024. 

حين تضرب الحرب دورة الحياة الريفية

في جنوب لبنان، لا تبدو خسارة النحل مجرد بند ضمن لائحة الأضرار الزراعية. إنها خسارة موسم إنتاج، ومورد عائلي، وخبرة ريفية، وقدرة يومية على تأمين الغذاء والدخل.

ومع استمرار النزوح، وصعوبة الوصول إلى القرى الحدودية، وغياب أي تعويضات حتى الآن، يجد كثير من النحالين، خصوصًا أولئك الذين كانت المناحل موردهم الرئيسي ومعيل أسرهم الأساسي، أنفسهم أمام خسارة مضاعفة: فقدان مصدر رزقهم من جهة، وغياب أي بديل اقتصادي من جهة أخرى. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى آليات دعم وتعويض سريعة وعادلة، تحمي النحالين الأكثر تضررًا، وتمنع تحوّل خسارة موسم واحد إلى خروج دائم لعائلات كاملة من هذا القطاع.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x