مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

كيف تفكّك إسرائيل التعليم بشكل ممنهج في جنوب لبنان؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/06/20261:41 م

كانت ليا، ابنة الأربع سنوات، تعرف طريقها إلى مدرسة البراعم في بنت جبيل كما يعرف الأطفال طريقهم إلى الفرح. هناك، لم تكن المدرسة بالنسبة إليها مبنى من طبقات وصفوف ومقاعد صغيرة فقط، بل عالمًا كاملًا من الألوان والأغاني والحركة. كانت ترقص في النشاطات، تضحك مع رفاقها، تتعلّم حروفًا جديدة، وتعود إلى البيت محمّلة بتفاصيل صغيرة لا تبدو للكبار مهمة: رسمة علّقتها المعلمة، لعبة في الصف، كلمة جديدة حفظتها، وصديقة جلست قربها.

ثم جاءت الحرب، وأُخذت ليا من مدرستها أولًا بالتهجير. غابت الطريق الصباحية، وغاب الصف، وغابت الساحة التي كانت تكبر فيها بهدوء. وبعد ذلك، أُخذت المدرسة نفسها مرة أخرى، حين دُمّرت. لم تعد الخسارة بالنسبة إلى الطفلة فكرة كبيرة اسمها “القطاع التعليمي”، بل جملة بسيطة تختصر ما لا تستطيع التقارير قوله كله: “أنا أحب مدرستي، وأريدها أن تعود كما كانت”.

مدرسة سعد-مبنى الجامعة اللبنانية الفرع الخامس في بنت جبيل

حرب على البنية التعليمية بالأرقام  

أشارت اليونيسف في تقريرها الإنساني الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى أن بداية العام الدراسي 2024-2025 تأخرت أسابيع عدة، ما عطّل تعليم أكثر من مليون طالب في لبنان، وأن تقييمًا أوليًا كانت قد أجرته اليونيسف ووزارة التربية أظهر تدمير 14 مدرسة على الأقل، وتضرر نحو 105 مدارس بشكل كبير، إضافة إلى نحو 500 مدرسة كانت تُستخدم كمراكز إيواء وتعرضت لأضرار خفيفة.

حتى نيسان 2026، ما زالت وزارة التربية لا تملك إحصاءً نهائيًا لعدد المدارس المتضررة أو المهدّمة كليًا لعام 2026. مصدر مطلع في الوزارة قال لـ”صلة وصل” إن الإحصاء الرسمي غير ممكن ما دامت الحرب مستمرة في الجنوب، وما دامت الفرق المختصة غير قادرة على الدخول إلى كل القرى وإجراء كشف ميداني شامل. وبحسب المصدر، فإن المسح الفعلي سيبدأ بعد انتهاء الحرب بشكل كامل، ليشمل المدارس الرسمية والخاصة، ويصنّف الأضرار بين هدم كلي وضرر جزئي. حتى أعداد الطلاب والمعلمين الشهداء لا تزال، وفق المصدر نفسه، بلا رقم نهائي موثق.

مدرسة سعد-الجامعة اللبنانية بعد تدميرها

استهداف المدارس… واستهداف شروط العودة  

في مدينة بنت جبيل، مثلًا، لا تمثل المدرسة مبنى يخدم أبناء المدينة فقط، بل مركزًا تعليميًا لقرى محيطة. رئيس بلدية بنت جبيل محمد بزي يقول :”إن ما تتعرض له المدينة وقرى الجنوب من نسف وتدمير واسع، خصوصًا بعد إعلان وقف إطلاق النار، لا يمكن التعامل معه فقط كأضرار حرب، بل كسياسة تدمير منظّم تستهدف العمران المدني والهوية التاريخية والبنية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة “. ويضيف أن المعطيات والخرائط الجوية التي حصلت عليها البلدية حتى 27 نيسان/أبريل 2026 تؤكد اتساع هذا النمط من التدمير.

في القطاع التعليمي، يوضح بزي أن بنت جبيل كانت تستقطب قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 12 ألف طالب، منهم حوالى 10 آلاف من خارج المدينة ونحو ألفي طالب من داخلها. وبعد حرب الإسناد، تراجع العدد إلى حوالى 5500 طالب، 70% منهم من خارج بنت جبيل و30% من داخلها. وبحسب بزي، تضم بنت جبيل 14 صرحًا تربويًا، تعرّضت ثلاثة منها للدمار الكلي: مدرسة البراعم، مدرسة الإشراق، ومبنى الجامعة اللبنانية، فيما أصيبت بقية المؤسسات بأضرار جزئية.

تظهر مدرسة البراعم مثالًا واضحًا على هذا النوع من الاستهداف المركّب. تقول إدارة مدرسة البراعم إن المدرسة افتُتحت عام 2019 بهدف دعم صمود الأهالي في القرى والبلدات الحدودية عبر تأمين التعليم لأبنائهم. ورغم الظروف الأمنية الصعبة قبل الحرب، تجاوز عدد تلامذتها 300 تلميذ، موزعين على بنت جبيل وبلدات بيت ياحون، حداثا، كونين، عيناتا، عيترون، بليدا، يارون، الطيري، وحانين.

"تقول إدارة مدرسة البراعم إن المدرسة افتُتحت عام 2019 بهدف دعم صمود الأهالي في القرى والبلدات الحدودية"

ومع ذلك، لم يتوقف الدور التعليمي للمدرسة عند حدود المبنى، تصف إدارة المدرسة ما جرى بأنه استهداف لصرح تربوي “لا دخل له بالأعمال الحربية”، وتقول إن المدرسة، رغم دمارها، واصلت التدريس عن بعد حفاظًا على مستقبل التلاميذ. وتضيف الإدارة أنه بعد العودة، ستُنصب خيمة في أرض المدرسة لمتابعة التعليم. 

في عيترون أيضًا، كانت أربع مؤسسات تعليمية تستقطب طلاب وطالبات، قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، مئات الطلاب/الطالبات. فاطمة توبة، مديرة مدرسة الجعفرية في عيترون، أشارت إلى أنّ مدرسة الشهيد سعيد مواسي الرسمية كانت تضم نحو 220 طالبًا، ومدرسة الوفاء نحو 200 طالب، وثانوية الشهيد حسين عواضة الرسمية نحو 130 طالبًا، فيما كانت مدرسة الجعفرية تستقطب نحو 300 طالب. بعد عام 2024، تراجعت هذه الأرقام بفعل الحرب والنزوح، وتعرّضت المدارس للدمار. وتلفت توبة إلى أن مدرسة الجعفرية كانت قد خضعت للترميم بعد حرب ال 2024، لكنها هُدمت في الحرب الحالية مرة ثانية وبشكل كامل. أما في بليدا، مدرسة واحدة كانت تستقطب نحو 175 طالبًا، وقد تهدمت في حرب ال 2024. 

وفي إطار ذلك، أفادت اليونيسف في نيسان/أبريل 2026، بأن التعليم في لبنان تعرّض لاضطراب شديد نتيجة التصعيد والنزوح، إذ استُخدمت 364 مدرسة رسمية و58 مؤسسة تعليم مهني وتقني كمراكز إيواء من أصل 669 مركزًا جماعيًا، كما بقيت 439 مدرسة رسمية مغلقة في الجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك والضاحية الجنوبية بسبب انعدام الأمن أو أوامر الإخلاء أو القرب من مناطق النزاع. وقدّر التقرير أن هذه الإغلاقات أثّرت مباشرة على نحو 256 ألف طالب، إضافة إلى تعطيل وصول 16,400 شاب إلى التعليم المهني بسبب تحويل 58 مؤسسة مهنية إلى مراكز إيواء.

حين يُهدم المبنى، ماذا يحدث للتعلّم؟ 

أما نضال جوني، المختصة في القيادة التربوية، فتقول:”المبنى المدرسي ليس “مجموعة جدران”. فهو بنية تربوية ونفسية واجتماعية تنظّم الحياة التعليمية، وتمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار والأمان والانتماء. حين يُهدم هذا المبنى، لا نخسر مكانًا للتعليم فقط، بل نخسر نظامًا يوميًا كان يساعد الطفل على تنظيم حياته”. فالمدرسة، كما توضح، ليست صفوفًا ومقاعد ولوحًا وحواسيب فحسب، بل روتين صباحي، ومواعيد دخول وانصراف، واستراحة، وحضور وغياب، وقواعد تفاعل اجتماعي. داخل المدرسة، يكتسب الطفل “مهنة التلميذ”، وينتقل من هويته كطفل في البيت إلى هويته كمتعلم داخل جماعة منظّمة.

مدرسة البراعم-بنت جبيل

تشير جوني إلى أن الطفل الموجود في مركز إيواء أو نزوح يعيش تداخلًا كاملًا بين حياته الشخصية وحياته التعليمية: النوم، الطعام، الضجيج، ضيق المساحة، غياب الخصوصية، واختلاط الأعمار والمستويات. قد يكون التعليم متاحًا تقنيًا، لكن “قابلية التعلّم” نفسها تصبح محدودة ومتذبذبة بحسب ظروف العائلة. وتلفت إلى أن غياب التنظيم الزمني والمكاني لا يؤثر على الانضباط فقط، بل على المهارات الأساسية أيضًا، مثل القراءة، لأن القراءة تحتاج إلى إدراك الفواصل الزمنية والمكانية بين الكلمات والجمل.

وتضيف جوني أن إعادة بناء المدارس يجب أن تُعامل كأولوية في إعادة الإعمار، لأنها مسألة عدالة تعليمية واجتماعية. فالمبنى المدرسي يعيد بناء الثقة: ثقة الطفل بأن له مكانًا ثابتًا، وثقة العائلة بأن العودة ممكنة، وثقة المعلم بأنه لا يعمل وحده. وتشير إلى أن وجود المدرسة مهم للمعلمين أيضًا، لأنهم يحتاجون إلى مجتمعات تعلم مهنية داخل المدارس، يتبادلون فيها الخبرات ويدعمون بعضهم في مواجهة أعباء التعليم بعد الحرب.

"تضيف جوني أن إعادة بناء المدارس يجب أن تُعامل كأولوية في إعادة الإعمار"

تكشف الشهادات المحلية من بنت جبيل وعيترون وبليدا أن تدمير المدارس يطال وظيفة اجتماعية كاملة. من تثبيت العائلات في القرى، تخفيف كلفة الانتقال، ربط القرى بمركز تعليمي، ومنح الأطفال شعورًا بأن الحياة اليومية لا تزال ممكنة. لذلك، فإن استهدافها أو تدميرها لا يضرب الحاضر التعليمي فقط، بل يضرب شروط العودة نفسها.

في نهاية المطاف، السؤال ليس كم مدرسة تهدمت فقط، على أهمية هذا الرقم. السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث لقرية حدودية حين تفقد مدرستها؟ وماذا يحدث لمعلم يُطلب منه أن يعيد بناء المعنى من دون مبنى، ومن دون أدوات، ومن دون مجتمع مدرسي مستقر؟ حين تُقصف المدرسة، لا يُقصف الصف وحده. يُقصف الزمن المدرسي، والانتماء، والروتين، والعودة، وفكرة أن للطفل/ة مكانًا تتشكل فيه شخصيته/ا وينتظره كل صباح.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x