هواء الحرب:خطر يتنفّسه الصحافيون والصحافيات في الميدان

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
13/06/20264:53 م

لا يقتصر الخطر الذي يواجهه الصحافيون على الاستهداف وخطر الإصابة بالشظايا، فهناك أيضاً خطر غير مرئي متمثّل في الهواء الذي يتنفسونه بعد تغطيتهم لأماكن القصف والغارات. الدخان والغبار والمواد السامّة الناتجة عن القصف تهدّد صحتهم أيضاً وسلامتهم، خصوصاً في ظلّ تكرار التعرّض لهذه الملوّثات أثناء تأديتهم مهامهم.

القصف لا ينتهي بانتهاء الغارة

“شعرتُ وكأنّني أموت، وكأنّ شيئاً يجثم على صدري. كنت أحاول التنفّس دون أن أتمكّن”. بهذه الكلمات تصف الصحافية رنا جوني ما حصل معها أثناء عملها الصحافي في جنوب لبنان.

بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر العام 2024، كانت رنا متوجّهة إلى دير الزهراني لتغطية إعلامية. في هذا اليوم استهدفت إسرائيل المنطقة بغارتين، الغارة الثانية وقعت على مقربة من رنا. نجت رنا من الغارة، إلّا أنّ قربها من موقع الاستهداف قد أدّى إلى استنشاقها الغبار والدخان المتصاعدين. ومنذ تلك اللحظة تشعر رنا بتغيّرات صحيّة في جهازها التنفسّي من أثر استنشاق تلك المواد. “جسمي تغيّر ولم أعد مرتاحة، وكلّما تعرّضتُ أكثر لاستنشاق هذه المواد ازداد التعب”.

في اليوم الأول بعد الغارة، توجّهت رنا إلى المستشفى بعدما أصبحت غير قادرة على التنفّس، واستدعت حالتها تلقي الأكسجين وإبرة للتخفيف من أعراض ضيق التنفّس. وإلى جانب ذلك، ظهرت عليها عوارض جلديّة تمثّلت بحكّة شديدة بدأت بالظهور مباشرة في اليوم التالي.

صورة تضم صحافيين من عدة وسائل ٳعلام في منطقة الباشورة بيروت

القصف يترك أثره في أجساد الصحافيين/ات

تجربة رنا ليست بحالة فرديّة من بين الصحافيين والمصورين الذين قاموا بتغطية أماكن القصف؛ فالعوارض الصحيّة التي ظهرت عليهم مباشرة بعد استنشاق الدخان والغبار الناتجين عن القصف بدت متشابهة.

زكريا جابر مصوّر صحافي قام بتغطية مظاهرات 17 تشرين الأوّل/أكتوبر في لبنان، عانى وقتها من طفح جلديّ بعد تعرّضه للغاز المسيّل للدموع وغيره مما استُخدم لتفريق المتظاهرين. يعاني جابر من مشاكل صحيّة أعلى معدته، وفي حالته تظهر العوارض على جلده أعلى الكتفين وأعظم المعدة. لكنّه يصف أنّه بعد تغطيته لمناطق القصف ومناطق وقعت فيها غارات، انتشر الطفح الجلدي والحبوب في أماكن مختلفة من جسمه، واستمّرت الحكّة لفترة.

ويسرد جابر لـ”صلة وصل” أنّه بعد تغطيته غارة على منطقة الباشورة، ظهرت عليه وعلى زميليه اللذين كانا برفقته أعراض عدّة، منها الدوخة والسعال والتقيؤ، إضافة إلى شعور مفاجئ بالنعاس الشديد. ضيق تنفّس وآلام حول منطقة الرئة كانت من العوارض التي ظهرت على جابر. “مؤخراً، نشعر جميعاً بآلام في المنطقة القريبة من الرئة. هذا الألم أصبح مستمراً”. يضيف جابر أنّ ضيق التنفّس ازداد مع الوقت: “ازداد ضيق التنفّس وأصبح أكثر استمرارية، خاصة أنّ معظمنا لا يعتني بصحته الجسدية من حيث الغذاء أو الرياضة بسبب ظروف العمل. هناك أمر يتفاقم بعد كل مرحلة تغطية لمكان تعرّض للقصف”.

"مؤخراً، نشعر جميعاً بآلام في المنطقة القريبة من الرئة. هذا الألم أصبح مستمراً"

ويقارن جابر بين الأعراض التي يشعر بها اليوم وما تعرّض له أثناء تغطيته لمظاهرات 17 تشرين قائلاً: “لم نكن نشمّ رائحة البارود كما يحدث اليوم، لكن كان هناك نوع من الغاز يسبّب الحساسية نفسها والطفح الجلدي الذي نشعر به الآن عند دخولنا إلى أماكن القصف، وهو أيضاً مرتبط بنوع الغازات المستخدمة”.

ينصح الأطبّاء والمختصّون بتلوّث الهواء الصحافيين/ات الذين يقومون بالتغطية الإعلامية لمناطق القصف وفرق الإنقاذ بارتداء الكمّامات لتخفيف آثار الهواء الملوّث على جهازهم التنفسّي. كصحافي، يعتبر جابر أنّ الدرع وحده لا يكفي، وبقدر أهميّته في حمايتهم في حالات الخطر المباشر أثناء تغطية القصف للحماية من الشظايا، لكنّه بعد انتهاء الحدث لا يعود ضرورياً إلّا في حالات سقوط أجزاء من المباني. في المقابل، تبقى الكمّامة أساسيّة لأن المنطقة تكون مغطّاة بدخان وغبار المواد المستخدمة في القصف.

في سياق مشابه، يروي المصوّر الصحافي محمّد قليط معاناته مع عوارض تنفّسية استمرّت لأشهر بعد تغطيته الحرب. ظهرت على محمّد عوارض صحيّة أثناء تغطيته لحرب 2023 وبعدها، منها ضيق التنفّس وسعال استمّر لفترة تقارب الخمسة أشهر. راجع محمّد الطبيب فأخبره أنّ السبب يعود إلى “التعرّض للغبار الناتج عن القصف أو استنشاق الفوسفور الأبيض”، ناصحاً إيّاه “بضرورة ارتداء الكمّامة (N95) حتّى أثناء تغطيته لأماكن فيها دمار وركام، وذلك بهدف تخفيف الضغط عن جهازه التنفسّي”.

صورة تظهر صحافيين اثناء تغطيتهم ٳحدى الغارات

ما الذي نستنشقُه بعد الغارات؟

بالرغم من أنّ نسبة التلوّث في بعض الأماكن قد انخفضت بسبب انخفاض بعض مصادر التلوّث التقليدية مثل الانبعاثات الناتجة عن السيّارات، إلّا أنّ نسبة تلوّث الهواء قد ارتفعت في الأماكن التي تعرّضت للقصف. فقصف المباني وانهيارها بما تحتويه من مواد، بالإضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن احتراق المواد مثل أثاث المنازل والبلاستيك والسيّارات ومحطّات الوقود وغيرها… جميعها عوامل تزيد من ارتفاع نسبة تلوّث الهواء الذي نستنشقه اليوم.

يوضح البروفيسور والخبير في تلوّث الهواء والمدير التقني لمركز التحاليل والبحوث في جامعة القديس يوسف في بيروت، شربل عفيف، أنّه “في الحرب وخلال فترات القصف، تكون نسب التلوّث مرتفعة جدّاً وليس فقط في المنطقة المعرّضة للقصف مباشرة، بل أيضاً في المناطق البعيدة عنها؛ حيث تصل الملوّثات إلى مسافة 5 و10 كيلومترات، ولكن في الكيلومتر الأول أو الثاني تكون التراكيز مرتفعة جدّاً. حتى لو لم نعد نرى الدخان الأسود المنبعث من القصف واحتراق المواد أمامنا، ونعتقد أننا أصبحنا بعيدين، لكنه في الواقع يصل إلى مسافات كبيرة”.

"في الحرب وخلال فترات القصف، تكون نسب التلوّث مرتفعة جدّاً وليس فقط في المنطقة المعرّضة للقصف مباشرة"

وبحسب عفيف: “الأسلحة المستخدمة في القصف كالصواريخ الضرر الذي تسبّبه كبير، ولكن لا انبعاثات كبيرة مباشرة منها، وهذا لا يعني أنّ القصف بحدّ ذاته لا يُنتج ملوّثات، لكن كميّة الانبعاثات الناتجة عن الحرائق التي تنتج عن اشتعال الأثاث واحتراق السيّارات مثلاً، والملوّثات الناتجة عن تهديم المبنى بحدّ ذاته، تُنتج ملوّثات كبيرة وخطيرة”. ويؤكّد عفيف أنّ “العامل الأهم هو نسبة التركيز (concentration)، فمدى ارتفاعها هو الذي يحدّد كميّة ما يدخل إلى جسم الإنسان”.

الرائحة الكريهة والدخان الناتجان عن الهواء الملوّث ليسا المؤشرين الوحيدين على استنشاقنا له، والجهاز التنفسّي ليس المتضرّر الوحيد. وفق عفيف: “أثبتت الدراسات أنّ تلوّث الهواء يؤثر على جميع أعضاء الجسم، بما في ذلك الدماغ والجهاز العصبي. كما أنّ الأجنّة تتأثّر بهذا التلوّث، وذلك بسبب الجزيئات الدقيقة جدّاً التي هي أصغر بكثير من سُمك الشعرة. هذه الجزيئات التي تنتج عن المولّدات والسيارات والمواد المحترقة أيضاً، لا يوجد لها فلتر في الجسم أو ما يلتقطها ليمنعها من الدخول، إذ إن بعضها يدخل مباشرة إلى مجرى الدم في الجسم، وعندها تكون حاملة لكثير من المواد السامّة، وهو ما يفاقم الضرر في الجسم”. ومن التأثيرات أيضاً حسب عفيف: “انخفاض مستوى الذكاء لدى السكّان الذين يعيشون في مناطق ملوّثة، وهو ما أثبتته الدراسات”.

غبار الحرب: جزيئات سامّة تدخل الرئتين

وأمام التساؤلات حول طبيعة المواد التي يتم استنشاقها خلال التغطيات الميدانية وتأثيرها على الجسم، يشرح اختصاصي الأمراض الصدرية والربو والحساسية، محمد زراقط لـ”صلة وصل” أنّ “الخطر يتركّز في الإصابات الهيكلية للرئة نتيجة الاستنشاق المباشر للمواد الصلبة الدقيقة”. موضحاً أنّ “غبار الأبنية المدمّرة (الركام) يتكوّن من جزيئات دقيقة من الإسمنت، والخرسانة، والرمل، والمعادن. وهو يحتوي على مواد سامّة مثل: الأسبستوس (بشكل كبير في المباني القديمة)، والسيليكا، والمعادن الثقيلة مثل الرصاص والألياف الزجاجية”.

ووفق زراقط: “تسبّب هذه الجزيئات التهابات شديدة في الجهاز التنفسي، وسعالاً وضيق تنفّس، ويمكن أن تؤدي إلى أمراض مزمنة مثل السحار السيليسي (داء السيليكا)، والأسبستوس (تليّف الرئة)، وسرطان الرئة. مما يؤدي إلى تهيّج فوري في العين والأنف والحلق، ويمكن أن يسبّب تسمّماً بالغازات، وحروقاً في المجاري التنفسيّة، ونقص أكسجين حادّ (اختناق). ويتركّز الخطر في التسمّم الكيميائي الحادّ والالتهابات السريعة التي قد تؤدّي إلى وفاة مفاجئة”.

لا ينتهي خطر التعرّض للمواد المنبعثة من القصف بعد التعرّض المباشر لها، بسبب استنشاق الغبار الناتج عن هذه المواد. حسب زراقط: “هناك خطورة حتّى بالتعرّض غير المباشر (بعد ساعات أو أيّام) للغبار الملوّث المترسّب أو الدخان المستمرّ لأنّه يحمل مخاطر عالية جدّاً. ويسمّى هذا بالتلوّث البيئي الناتج عن النزاعات المتمثّل باستنشاق الغبار المترسّب (الغبار المعاد توطينه)؛ فالغبار الذي يغطّي الشوارع والبيوت عند تحرّكه بفعل الرياح أو الحركة، والذي يُعاد استنشاقه، ينقل المعادن الثقيلة والأسبستوس إلى الرئة”.

ولا يتمثّل الخطر فقط في التعرّض للغازات المنبعثة من مواد القصف، ففي الركام سمّية أيضاً. وفق زراقط: “الأبحاث قد كشفت أنّ غبار الحرب الناتج عن المباني المفجّرة أكثر سُمّية من غبار الهدم العادي؛ حيث يحتوي على نسب أعلى من المواد المسرطنة مثل الديوكسينات والـ PCBs الناتجة عن الحرارة العالية للانفجار”. كما “يجب التعامل مع غبار المباني المنهارة على اعتبار أنّها مواد سامّة وخطرة، وتجنّب استنشاقها بشتّى الطرق، حتّى لو كانت الحرائق قد انطفأت منذ أيّام”.

ويشير زراقط إلى أنّه “يمكن للتعرّض المتكرّر لدخان الحرب والأنقاض أن يؤدي إلى أمراض تنفسيّة مزمنة خطيرة، بما في ذلك الربو، التليّف الرئوي، وانسداد الرئة المزمن (COPD). كما يشكّل العيش قرب المناطق المدمّرة أو تنظيف الركام خطراً مستمراً على الصحة. فبناءً على تقارير الصحة البيئية والطبية، يحتوي دخان الانفجارات والحرائق الناتج عن الحرب على مزيج معقد من الجسيمات الدقيقة، والمعادن الثقيلة، والغازات السامة، ومواد كيميائية ناتجة عن حرق المباني والبنية التحتية”.

يعتبر خطر التعرّض لهذه المواد خطراً صامتاً بسبب “تهديدها صحة الأفراد بإصابتهم بمرض السرطان؛ لأنّ هذا الخطر لا تظهر آثاره الصحيّة والأورام إلا بعد مرور سنوات أو عقود من التعرّض لها”، وفق زراقط.

حسب زراقط يوجد “خطر حقيقي ومثبت علمياً من أنّ التعرّض لمواد مسرطنة محتملة نتيجة القصف والعمليات العسكرية، ناتج عن تدمير المباني، البنية التحتية، والأسلحة المستخدمة، والذي يؤدي إلى إطلاق مواد سامّة في الهواء، الماء، والتربة. بالإضافة إلى المواد المسرطنة الناتجة عن القصف مثل الأسبستوس (Asbestos)، والذي يتم إطلاقه عند تدمير المباني القديمة؛ وخطره بأن أليافه غير مرئية وتستقر في الرئتين، وتسبب سرطان الرئة والميزوتليوما (سرطان غشاء الرئة) بعد سنوات من الاستنشاق”. بالإضافة “للمعادن الثقيلة: مثل الرصاص، الكادميوم، والزرنيخ، والتي تتحرّر من حطام المباني والذخائر، وهي مواد سامّة ومسرطنة. ومخلّفات الأسلحة (مثل اليورانيوم المنضب): في حال استخدامه، والذي ينتج غباراً مشعاً وساماً يؤثر على الأنسجة الحيوية”.

ويستكمل زراقط حديثه قائلاً إنّ “الخطر الفوري يتمثّل عبر استنشاق الغبار الكثيف والدخان الناتج عن الانفجارات والحرائق. أما على الأمد الطويل، فالخطر ينتج عن الغبار المترسّب، إذا ما بقي الغبار الملوّث بالأسبستوس والمعادن الثقيلة في المناطق السكنية، وأعيد استنشاقه مع الرياح”. وعن الفئات الأكثر عرضة للخطر يذكر زراقط: “الصحافيون/ات وفرق الإنقاذ الذين يعملون بدون معدّات وقاية، والسكان العائدون إلى منازلهم المدمّرة قبل تنظيفها، وكذلك الأطفال بسبب قربهم من الأرض حيث يترسّب الغبار”.

صورة تظهر ٳحدى الغارات في الضاحية الجنوبية لبيروت

من الهواء إلى التربة: خطر يتجاوز الجهاز التنفسي

لا يتوقّف الأمر فقط عند تلوّث الهواء، فانتقال هذا التلوّث إلى التربة والمياه الجوفيّة أمر وارد، وهو ما يزيد من احتماليّة الإصابة بأمراض أخرى غير التي تصيب الجهاز التنفسّي.

يؤكّد عفيف أنّ “التلوّث لا يختفي، بل ينتقل إلى التربة؛ فإذا كانت التراكيز مرتفعة، يترسّب التلوّث في الأرض، ومع هطول الأمطار يدخل أكثر داخل التربة، وقد ينتقل إلى السلسلة الغذائية. وعندها يؤثر على المزروعات وينتقل إلى الحيوانات ويدخل في السلسلة بأكملها. لكن هذا يحتاج إلى وقت، وليس كل الملوّثات تبقى لفترات طويلة؛ فبعضها عمره قصير، لكن هناك ملوّثات طويلة العمر مثل بعض المواد العضوية والمعادن الثقيلة والديوكسين والفوران وغيرها”. ولكن طالما أنّ الكمية التي دخلت إلى التربة ليست كبيرة جدّاً، فإنها قد تعود إلى الهواء وتنتقل ثم تترسّب من جديد، وتبدأ بالتشتّت، مما يؤدي إلى انخفاض التراكيز. ومع انخفاض التراكيز، يصبح هناك مجال لما يشبه تنظيف التربة من الملوّثات، وفق عفيف.

ومع وصول هذه المواد والملوثات إلى التربة والمياه الجوفيّة، لا يعود الخطر مقتصراً على الجهاز التنفسّي ولا على أمراض الجلد، بل يتحوّل إلى تهديد خطير طويل الأمد على باقي أعضاء الجسم، والإصابة بمرض السرطان.

تقول الدكتورة ماغي طمرز، أخصائية التغذية بالصحة العامّة والمرشحة لنيل الدكتوراه في علم الأوبئة، عن تلوّث الهواء الناتج عن الحرب إنّه “يرتبط بشكل أساسي بزيادة خطر سرطان الرئة نتيجة استنشاق الجسيمات الدقيقة والديوكسينات، لكنّه قد يساهم أيضاً في ارتفاع معدّلات سرطان المثانة والجهاز الهضمي بسبب امتصاص السموم والمعادن الثقيلة عبر المياه والغذاء الملوّث. والأجهزة الأكثر تأثراً هي الجهاز التنفسي الذي يتعرّض مباشرة للملوّثات، يليه القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى الكبد والكلى التي تتراكم فيها المعادن الثقيلة، والجهاز العصبي الذي يتأثّر بالرصاص والزئبق على المدى الطويل. وهذا يجعل الخطر الصحي شاملاً، يجمع بين أمراض مزمنة وسرطانات متعدّدة”.

قضايا البيئة خبراً وفق “التريند”

بالرغم من كلّ هذه المخاطر من تلوّث الهواء والتربة والمياه وغيرها، حتّى من قبل الحرب، لا تحتلّ القضايا البيئيّة في لبنان مساحة في الإعلام للأسف إلّا إذا ما كانت أخباراً حدثيّة تثير ضجّة إعلاميّة يتم تغطيتها لفترة قصيرة، وهو ما يؤكّده الصحافي والباحث البيئي منير قبلان لـ “صلة وصل”.

يعتبر قبلان أنّ “العناية بالقضايا البيئيّة في الإعلام اللبناني لا تنال اهتماماً كافياً، كما أنّ الصحافيين/ات المختصين بقضايا البيئة نسبتهم قليلة. وقضايا البيئة ليست موضوعاً رائجاً إلّا إذا أصبحت قضية (تريند)، عندها يُسلَّط الضوء عليها إعلامياً لبضعة أيام ثم تُنسى القصة. كذلك فإن المؤسسات تبحث عن المواضيع التي تجلب الأموال والمواضيع الرائجة أكثر من تسليط الضوء على المواضيع التي تمسّ المواطن بشكل مباشر”.

ويشير قبلان إلى العقبات التي تواجه الصحافيين/ات المتخصصين بالشأن البيئي قائلاً: “قبل الحرب كانت صعوبة الوصول إلى المعلومات هي أبرز هذه العقبات، أمّا الآن، ومع وجود قانون حق الوصول إلى المعلومات، وخصوصاً مع وزارتَي البيئة والزراعة، فقد أصبح الأمر أسهل. وفي بعض الأحيان، إذا كانت المواضيع مرتبطة بالسياسة، يصبح من الصعب الحصول على المعلومات”. مضيفاً: “أمّا في ما يتعلّق بالحرب، فخلال الحرب يصعب العمل على رصد الجرائم بحق البيئة بسبب الخطورة. وأشدّد على أهمية التوثيق، ونحن في كثير من الأحيان نعتمد على توثيق المواطنين للقصف والانتهاكات بحق البيئة”.

خلف المشهد صحافي يوثق ٱثار الدمار

الحرب تعرقل قياس حجم التلوّث

لا يمكن اليوم، بسبب استمرار الحرب، تحديد أرقام دقيقة أو دراسة مدى تأثّر الهواء بالتلوّث الناتج عن القصف، لصعوبة وصول الخبراء إلى الأماكن التي تعرّضت للقصف لأخذ العيّنات وبما في ذلك من خطر يهدّد سلامتهم. وحسب عفيف: “رغم التنسيق السابق مع وزارة البيئة والبنك الدولي والـ UNDP، لم يتم جمع عيّنات ميدانيّة بسبب مخاطر السلامة لفريق الخبراء”.

ولكن في هذا السياق، أطلقت وزارة البيئة نتائج دراسة الأثر البيئي للاعتداءات، ورد فيها أنّ مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 قد تجاوزت حدود منظمة الصحة العالمية (ميكروغرام/م3) في موقع LAEC، الذي سُجّلت فيه مستويات تلوّث أعلى بشكل مستمرّ، ويُرجّح وجود مصادر محليّة قويّة مرتبطة بالحرب من معادل ثقيلة، بينما سجّل موقع الجامعة العربيّة BAU مستويات أقل وأكثر استقراراً. وكان ارتفاع مصادر التلوّث في موقع LAEC مرتبطاً بقرب الموقع من مناطق الانفجارات، والحرائق، والركام، والدخان، والغبار.

وتجدر الإشارة إلى أنّ تلوّث الهواء يكلّف الدولة خسائر اقتصادية أيضاً؛ فآخر دراسة وفق عفيف “أُجريت بين عامي 2018 و2019 أظهرت أنّ الخسارة الناتجة عن تلوّث الهواء وحده تصل إلى حوالي مليار دولار سنوياً”. ويؤكّد عفيف على أنّه من الضروري فور انتهاء الحرب عدم إهمال دراسة هذا الأثر البيئي وترك الأمور للتفاقم نحو الأسوأ “لأنّنا سنكون أمام نظام بيئي مختلف وسيكون هناك ضغط أكبر على الموارد خاصة المياه، خصوصاً أنّ لبنان يعاني أساساً من مشاكل التلوّث الناتجة عن سوء إدارة ملف النفايات”.

الوقاية الشخصية كضرورة في الميدان

وفي ظلّ غياب التوعية البيئيّة وعدم تأمين معدّات الوقاية اللازمة للصحافيين/ات من الجهات المعنيّة إلا في بعض الحالات، منها اتحاد الصحافيين والصحافيات، ومقابل ازدياد المخاطر الصحيّة المرتبطة بالتعرّض المتكرّر للدخان والغبار الناتجة عن القصف وآثار الردم، تصبح وسائل الوقاية الشخصيّة ضرورة أساسيّة.

وفي هذا السياق، يطرح زراقط مجموعة من النصائح الطبية إلى الأشخاص المعرّضين للخطر بشكل مستمرّ مثل المسعفين/ات والصحافيين/ات في مناطق النزاع؛ فهناك مجموعة من الأدوية والمستلزمات الضرورية التي يجب أن تتوافر في حقيبة إسعافاتهم الأولية الشخصية للتعامل مع الإصابات الطارئة أو المخاطر البيئية، وهي تعتبر إسعافات أولية شخصية وليست بديلاً عن الرعاية الطبية المهنية، منها:

  • بخاخات ومستلزمات الجهاز التنفسي: بخاخات موسعة للشعب الهوائية (للربو/ضيق التنفس) مثل بخاخ “فنتولين” (Ventolin) للأشخاص الذين يعانون من مشاكل تنفسيّة، حيث إن الغازات تسبب ضيقاً شديداً في التنفس.
  • كمامات عالية الجودة: كمامات N95 أو كمامات غاز متخصّصة للحماية من الغازات والغبار.
  • مضادات الحساسية (Antihistamines): مثل “تلفاست” أو “زيرتيك” للحساسية الناتجة عن الغبار أو المواد الكيميائية.
  • مسكنات ألم ومضادات التهاب: مثل “باراسيتامول” أو “إيبوبروفين” (لتخفيف الآلام الخفيفة).
  • محلول تنظيف العين (Eye Wash): زجاجات صغيرة لغسل العين فوراً عند التعرض لأي مادة مهيّجة.

ولتقليل استنشاق هذه الملوّثات، يُنصح باتخاذ الإجراءات الوقائية التالية:

  • معدات الحماية الشخصية (PPE): أقنعة التنفس (Respirators) هي الأهم؛ إذ إن الكمامات الطبية العادية (الجراحية) لا توفّر حماية من الغبار الدقيق والغازات، كما يجب استخدام أقنعة N95 على الأقل، ويفضل الأقنعة التي تحتوي على فلاتر للكربون النشط للمواد الكيميائية.
  • نظارات واقية (Goggles): لحماية العيون من الجزيئات العالقة التي قد تحتوي على مواد سامة.

في بلد يعاني أصلاً من أزمات بيئيّة، جاءت الحرب لتضيف أثراً بيئياً أكبر يهدّد صحّة السكان. لا ينتهي الخطر بعد وقوع الغارة؛ فجزء منه يبقى عالقاً في الهواء مشكّلاً خطراً على صحة جهازنا التنفسّي وما نستنشقه، ليصبح الهواء خطراً غير مرئيّ يهدّد صحّتنا اليوم، وتظهر آثاره على المدى البعيد.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x