كيف أرهق النزوح سكان المناطق اللبنانية؟
“كل أربعة أيام نحتاج نقلة مياه، والنقلة تكلفتها مليون ليرة لبنانية (حوالي 11 دولاراً)؛ هناك أشخاص مشكورون يقرضوننا مبلغاً من المال كل فترة ريثما نعود إلى ديارنا. يا للحسرة إذا استمر التهجير، فالدّين سيتراكم حتماً!”. بكلمات ملؤها الغصة، تشتكي نازحة من بلدة شحور الجنوبية إلى بلدة الوردانية في قضاء الشوف، مرّ واقعها.
وصلت “مريم” (اسم مستعار) إلى الوردانية مع أطفالها الثلاثة، حيث وجدت مأوى مجانياً لدى فاعلي خير، لكن سرعان ما واجهت واقعاً جديداً؛ إذ أصبحت المياه، التي كانت متاحة سابقاً، عبئاً يومياً يتطلب كلفة لا تستطيع تحمّلها بسهولة، مما اضطرها إلى الاستدانة لتأمين احتياجاتها الأساسية.
أما “مروة” (اسم مستعار)، فلها قصة مختلفة؛ إذ تروي النازحة من بلدة جميجمة لمنصة “صلة وصل” أنها تستطيع تأمين احتياجاتها من المياه عبر الصهاريج، لكنها غالباً ما يراودها الشك حول جودتها، وتقول: “المياه ليست مياه دولة، وبالطبع لا نعتمد عليها للشرب، بل تكفي للغسيل والاستحمام فقط، وليس لدينا أي فكرة عن جودتها”.
بين عبء الكلفة وهواجس الجودة، تبرز صورة واقع يزداد تعقيداً مع تزايد أعداد النازحين. فكيف انعكس هذا الضغط على الموارد الأساسية في الوردانية؟
النزوح والمياه: ضغط يفوق قدرة بلدة صغيرة على الاحتمال
في ظل واقع يفرض نفسه على بلدة صغيرة ذات إمكانات ضئيلة كحال الوردانية (قضاء الشوف)، مع أعداد وافدين تفوق بضعفين أو أكثر عدد سكانها الأصليين، يوضح نائب رئيس البلدية، السيد سلام بيرم، لمنصة “صلة وصل”، أن “عدد الوافدين من مناطق الحرب والمسجلين في البلدية يتخطى 10 آلاف شخص، وهو رقم يفوق بكثير عدد سكان البلدة الأصليين الذي يُقدّر بحوالي 5 آلاف نسمة”.
"عدد الوافدين من مناطق الحرب والمسجلين في البلدية يتخطى 10 آلاف شخص"
هذا الارتفاع الكبير في عدد السكان ينعكس مباشرة على الموارد الأساسية، وفي مقدمتها المياه؛ حيث يتزايد الطلب بشكل يفوق القدرة الاستيعابية، لا سيما خلال فترة حرب عام 2026. وفي مواجهة هذا الضغط، تبرز مبادرات محلية تسعى إلى سدّ جزء من النقص؛ فيتطوّع عدد من أصحاب الآبار الارتوازية بتأمين المياه، فيما تتكفّل إحدى الجمعيات اللبنانية بتغطية كلفة نقلها عبر الصهاريج إلى مراكز الإيواء، كما يساهم بعض أصحاب معامل المياه بتبرعات أسبوعية تُقدَّر بحوالي 150 غالوناً.
ومع الاعتماد المتزايد على صهاريج المياه، تصبح هذه الوسيلة حلاً واقعياً رغم ما يحيط بها من تساؤلات حول آليات المتابعة وجودة المياه، في ظل غياب ظروف تسمح بوجود رقابة منتظمة في هذه المرحلة. أما كلفة نقلة المياه، فتصل إلى نحو 10 دولارات (لصهريج يزن من 8,000 إلى 10,000 ليتر مياه) بحسب بيرم، مما يضيف عبئاً جديداً على الأسر التي تحاول التأقلم مع واقع النزوح، رغم الجهود الفردية والمبادرات التي تسعى إلى التخفيف من حدّة هذه الأعباء. وعلى صعيد الإجراءات الوقائية، “يبقى التحدي قائماً في ظل ظروف استثنائية تفرضها الحرب؛ حيث تبرز الحاجة إلى مزيد من الإمكانات والتنظيم للحد من المخاطر المرتبطة بالمياه الملوثة، وضمان بيئة صحية أكثر أماناً للجميع”.

مياه النزوح بين المتابعة الرسمية وتحديات الحرب
بحسب مصدر خاص في وزارة الطاقة والمياه، “كانت الوزارة قد أعدّت مشروع مرسوم متعلق بصهاريج المياه، وذلك بهدف تنظيم عملها من حيث آليات التشغيل ومراقبة نوعية المياه التي تنقلها، إلا أن هذا المرسوم لم يُوقّع بعد، ولم يدخل حيّز التنفيذ حتى الآن. أما في ما يخص النازحين، فيلفت المصدر إلى أنهم يُزوَّدون بالمياه مجاناً عبر مؤسسات المياه الرسمية، لا سيما في المدارس ومراكز التجمّع الواقعة ضمن نطاق هذه المؤسسات، في محاولة لتخفيف جزء من الأعباء التي يفرضها النزوح”.
وأضاف المصدر: “أن متابعة نوعية المياه لا تُترك عادةً للصدفة؛ ففي الظروف الطبيعية، تتولى دائرة متخصصة ضمن المديرية العامة للاستثمار مهمة التنسيق مع مؤسسات المياه، حيث تُرسل هذه المؤسسات نتائج الفحوصات المخبرية بشكل دوري، ليُصار إلى دراستها والتأكد من خلوها من أي تلوث. ولا تقتصر المتابعة على الأوراق، بل تشمل أيضاً زيارات ميدانية إلى المحطات، ومواكبة عمل المختبرات ضمن نطاق كل مؤسسة”. لكن هذه الآلية، كما يوضح المصدر، “ترتبط بالظروف الاعتيادية، فيما تفرض فترات الحرب واقعاً مختلفاً تصبح فيه القدرة على المتابعة المنتظمة أكثر تحدياً”.
خلف مياه الصهاريج: ملوثات غير مرئية تهدد السلامة
وفي قراءة بيئية أوسع لمعرفة أنواع الملوثات التي يمكن أن تتواجد في الصهاريج، توضح الدكتورة مايا عماشة، الباحثة البيئية في الجامعة الأميركية في بيروت لمنصة “صلة وصل”، أن البيئات التي تلجأ لتأمين المياه عبر الصهاريج تكون أكثر عرضة للتلوث. وتشير إلى أن هذا التلوث قد يكون ميكروبياً نتيجة تسرّب مياه الصرف أو فقدان الضغط داخل الشبكات، كما قد يشمل ملوثات كيميائية مثل النترات والمعادن الثقيلة، إلى جانب تراجع في الخصائص الفيزيائية للمياه كالعكارة.
"هذا التلوث قد يكون ميكروبياً نتيجة تسرّب مياه الصرف أو فقدان الضغط داخل الشبكات"
ويزيد الباحث البيئي عباس بعلبكي مشكلة أخرى تضاف إلى مشكلات المياه الموزعة بالصهاريج، ألا وهي ازدياد نسبة الملوحة في المياه؛ بحيث تتخطى النسبة المسموحة بحوالي 500 ملغ/ليتر كحد أقصى بحسب قوله. وفي ما يتعلق بآليات الكشف، يلفت الباحثان عماشة وبعلبكي إلى أنه لا توجد تقنيات سريعة يمكنها وحدها ضمان سلامة المياه بشكل كامل؛ إذ تبقى التحاليل المخبرية الدقيقة هي الأساس في التأكد من صلاحيتها للشرب كون التلوث هو تلوث ميكروبيولوجي. ومع ذلك، تشير عماشة إلى أنه يمكن الاعتماد على بعض المؤشرات الأولية، مثل قياس نسبة الكلور المتبقي أو مستوى العكارة، إضافة إلى اختبارات ميدانية سريعة تُستخدم كخطوة تقييم أولى.
وفي ظل الاعتماد المتزايد على الصهاريج نتيجة أزمة النزوح، يجد النازحون أنفسهم عالقين في دوامة الكلفة والجودة. وبين الكلفة والقدرة تبرز تساؤلات حول مدى خضوع تلك الصهاريج للرقابة القانونية؛ ومن هنا توضح الدكتورة جوزيان يزبك، المتخصصة في القوانين البيئية، أن “قطاع صهاريج المياه الخاص في لبنان يعمل في فراغ تنظيمي فعلي؛ فالإطار القانوني موجود (القانون 221 لعام 2000 والقانون 77/2018 المعدّل بموجب القانون 192/2020) لكن التطبيق شبه معدوم. لا رخص موحّدة لناقلي المياه، ولا إلزام بالإفصاح عن المصدر، ولا فحوصات جرثومية منهجية، فضلاً عن وجود عدد كبير من الآبار الجوفية دون ترخيص”. وتضيف أن “الموردين الذين يُجرون فحوصات مخبرية يفعلون ذلك بصورة طوعية تماماً، وتشير وثائق موثّقة إلى أن بعض كبار الموردين لا يفحصون مياههم إلا مرة كل عامين”.
"قطاع صهاريج المياه الخاص في لبنان يعمل في فراغ تنظيمي فعلي"
وتتابع القانونية أن وزارة الطاقة اللبنانية وضعت استراتيجية وطنية للمياه لكن المشكلة دوماً تبقى في التطبيق: “الاستراتيجية الوطنية للمياه (2024-2035) التي أعدّتها وزارة الطاقة تُقرّ بهذه الإشكاليات وتضع أهدافاً طموحة تشمل منظومات رقمية للمراقبة وتحديث المؤسسات، لكن الانتقال من الورق إلى التطبيق الفعلي يظل التحدي الأكبر”.
وتشير الدكتورة يزبك إلى عدة إصلاحات قانونية يمكن تنفيذها لضمان وصول المياه النظيفة بأسعار عادلة لجميع السكان ومنع الاستغلال أو التلوث:
- إصدار مرسوم ملزم: يُلزم كل ناقل مياه خاص بالحصول على ترخيص موحّد، مع وجوب الإفصاح عن مصدر المياه، وإجراء فحوصات فصلية بمختبر مستقل معتمد، وإلصاق التعريفة المطبّقة على الصهريج.
- إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة: لقطاع المياه تمتلك صلاحيات رقابية وتنفيذية وتسعيرية حقيقية وهي غائبة حتى اليوم؛ فالاستراتيجية الوطنية (2024-2035) تُلمّح إلى هذه الحاجة لكنها لا تُحولها إلى التزام قانوني ملزم ذي جدول زمني.
- تكريس الحق في الوصول إلى المياه النظيفة دستورياً: وبأسعار عادلة كحق دستوري أساسي استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 64/292 لعام 2010 والقرار 76/300 لعام 2022 وكلاهما ملزمان للبنان. هذا التكريس يمنح المواطن أداة قانونية للطعن في أي سياسة تحرمه من هذا الحق أمام القضاء الإداري.
تختتم القانونية كلامها بأن لبنان لديه الأدوات القانونية والمؤسسية الكافية، ولديه استراتيجية وطنية معلنة من أجل سلامة المياه وجودتها، وما يفتقده حقاً هو الإرادة السياسية للتطبيق والمحاسبة.
أثناء النزوح يصبح تأمين المياه معضلة حقيقية تواجه السكان، لا سيما الفقراء منهم؛ فتأمين الماء الذي كان أمراً بديهياً، أصبح اليوم سلعة تُشترى، وقلقاً يُرافق كل استخدام. وبين الحاجة والقدرة، تتسع الفجوة.
ويشير الباحثان عباس بعلبكي والدكتورة مايا عماشة لمنصتنا إلى “أن الحلول الأكثر فعالية تعتمد على مزيج من التقنيات، تشمل إزالة العكارة والتعقيم، لا سيما باستخدام الكلور لضمان حماية مستمرة، إلى جانب إمكانية استخدام تقنيات إضافية كالأشعة فوق البنفسجية والأوزون”. وتؤكد عماشة أهمية تطبيق هذه المعالجات على مراحل مختلفة، من المصدر إلى النقل وصولاً إلى نقطة الاستخدام، للحد من احتمالات إعادة التلوث. وفي الإطار الوقائي، تبرز الحاجة إلى مجموعة من الإجراءات التي يمكن تطبيقها بفعالية، مثل تنظيم مصادر تعبئة الصهاريج، ومراقبة شروط نقل المياه ونظافتها، إلى جانب تنفيذ برامج متابعة دورية مبسّطة لضمان استمرارية السلامة في ظل التحديات القائمة.













