البيت الذي كان يحفظ أرشيف عمرنا 

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
31/07/20263:23 م

لا أعرف متى بدأت أفكر في البيت بوصفه أرشيفًا. ربما حين فقدناه. قبل ذلك، كان البيت يبدو شيئًا بديهيًا؛ مكانًا نعود إليه في نهاية النهار، ونترك فيه أغراضنا، ونؤجل داخله سنوات من حياتنا من دون أن نفكر كثيرًا بما يختزنه. لم نكن نعدّ الصور المعلقة على الجدران أرشيفًا، ولا الكتب المصفوفة على الرفوف، ولا الرسائل القديمة، ولا الألعاب التي كبر أصحابها ونسوها في الأدراج. كانت هذه الأشياء جزءًا من البيت، وجزءًا من الحياة اليومية، إلى أن جاء يوم اكتشفنا فيه أن البيت نفسه كان يحفظنا.

في الحروب، تُحصى البيوت المهدمة بالأرقام. يُكتب عدد الطوابق، ومساحة البناء، وقيمة الأضرار. لكن لا أحد يسأل عن المكتبات التي احترقت، ولا عن الصور التي اختفت، ولا عن دفاتر المراهقة، ولا عن الأشياء الصغيرة التي لا قيمة مادية لها، لكنها كانت تحفظ عمرًا كاملًا.

أفكر في بيتنا في عيناتا.

أخبرتني أمي أن البيت كان حلمًا طويلًا بدأ قبل ولادتي بسنوات. حين تزوجت، لم يكن أكثر من غرفة ومطبخ وحمّام. كان صغيرًا جدًا، لكنه كان يحمل في داخله ما سيصبح لاحقًا بيت العائلة كلها. كان أبي أستاذ مدرسة، وإمكاناته محدودة، لكن البيت ظل يكبر معنا عامًا بعد عام. حجر فوق حجر، وسقف فوق سقف، حتى صار يتسع لعائلة كبيرة كانت تكبر هي الأخرى.

كبر البيت من تعب أبي وأمي. لم يولد واسعًا كما عرفناه لاحقًا، بل صنعته سنوات من العمل والانتظار والحرمان. وحين أصبح أخيرًا بيت الأحلام الذي أراداه، كانت الحروب والاحتلال والسفر قد بدأت تفرق أبناءه في جهات الأرض.أحيانًا أشعر أن البيت انتظرنا طويلًا. وحين اتسع لنا جميعًا، ضاقت بنا البلاد.

تظهر الصورة منزل نور في بلدة عيناتا قبل قصفه

ومن بين كل ما كان يحفظه ذلك البيت، أذكر مكتبة أبي أكثر من أي شيء آخر. كانت تضم آلاف الكتب التي جمعها خلال سنوات طويلة: كتبًا نادرة، ومذكرات، ورسومات، ونقوشًا على الحجارة. من تلك المكتبة بدأت حكايتي مع الكلمات. كنت في الثالثة عشرة حين عرفت ميخائيل نعيمة للمرة الأولى، وحين تعلّقت بـ”الطلاسم” لإيليا أبو ماضي. كنت أمدّ يدي إلى رفوف أبي كأنني أمدّها إلى عالم آخر، أوسع من البيت والقرية والحرب. هناك بدأت أكتب خواطري الأولى على دفاتر المدرسة، وأحلم أن أصبح كاتبة، وأن أجمع يومًا ما تلك القصاصات الصغيرة في كتاب.

لم يكن ميخائيل نعيمة بالنسبة إليّ اسمًا على غلاف كتاب فقط. كان رفيقًا خفيًا يقف على أوراقي، يطلّ من بين كلماتي، ويمنحني إحساسًا بأن الكتابة يمكن أن تكون بيتًا آخر. لم أره يومًا، لكنني لمست شوقي إليه وإلى أدبه بين دفاتري، كأن تلك المكتبة الصغيرة داخل مكتبة أبي كانت تفتح لي بابًا إلى نفسي.

وأذكر أيضًا حجارتي الصغيرة التي حملتها من أماكن كثيرة؛ من قبرص، ومن ضهر البيدر، ومن إيطاليا، ومن طرقات بعيدة. كانت أمي تضحك وتسألني لماذا أعود دائمًا بالحجارة إلى البيت، بينما كنت أراها قطعًا من الزمن نفسه.

وأذكر قوارير العطر الفارغة التي احتفظت بها لسنوات. لم تكن القوارير تعنيني بقدر ما كانت تعنيني الروائح التي بقيت فيها. كنت أفتحها بعد سنوات طويلة فأستعيد مكانًا أو شخصًا أو لحظة ظننت أنني نسيتها. كان البيت يحتفظ بكل ذلك.

  " لم تكن القوارير تعنيني بقدر ما كانت تعنيني الروائح التي بقيت فيها "

وكان يحتفظ أيضًا بأشياء أقدم مني: فساتين أمي، آلة الحساب القديمة التي حملتها معها من الكويت، راديو أبي، أواني الهريسة التي هرمت معنا، وأدوات العمل التي حملت آثار يديه وتعبه.

كنت أحلم أن أجمع هذه الأشياء يومًا في مقهى صغير يشبه متحفًا للذاكرة. مكان يضم الكتب القديمة والأدوات والصور والمقتنيات التي لا يعرف قيمتها إلا أصحابها. لكن الأرشيف كله اختفى دفعة واحدة.

وأنا أكتب الآن، أشعر أنني أعتذر من أبي أكثر مما أرثي البيت. أعتذر لأننا لم نستطع أن نحفظ مكتبته. لأن كتبه ومذكراته ومقتنياته التي اعتنى بها سنوات طويلة تحولت إلى رماد. وأعتذر لأن بيتًا بناه هو وأمي بصبر العمر كله لم يبق منه إلا ما نحمله في ذاكرتنا.

في بيت آخر، كانت صديقتي فاطمة خنافر  تبني أرشيفًا مختلفًا. لم تكن تجمع الكتب أو الحجارة. كانت تجمع الحياة نفسها.

احتفظت بفستان زفافها، ووردة من العرس، ورسائل كتبها الأصدقاء والأقارب في يوم الزواج. كانت تحتفظ بصور ابنتها زينب شهرًا بعد شهر منذ ولادتها، وبالهدايا الصغيرة، وبالأشياء التي تبدو عادية لمن يراها من الخارج.

كل شيء كان محفوظًا في مكانه. كانت تقول إن البيت لم يكن فخمًا، لكنه كان يحمل راحة تشبه أصحابه. كل من يدخله يشعر بأنه بيت حقيقي، لا مجرد مساحة للسكن. لكن أكثر ما يؤلمها اليوم ليس ما احتفظت به لنفسها، بل ما كانت تحتفظ به للمستقبل.

للأبناء. للأيام التي لم تأتِ بعد. كانت تتخيل أنها ستجلس يومًا مع ابنتها وتفتح لها تلك الصناديق الصغيرة؛ الصور، والرسائل، والأشياء التي صنعت حياتها. ثم اختفى البيت. وتقول إن ابنتها كانت تسأل خلال النزوح: “لماذا لا ننام في بيتنا مثل بقية الناس ؟” سؤال طفلة صغيرة كان أكبر من عمرها بكثير.

حتى حسين طفلها الذي ولد في زمن الحرب، وقف لاحقًا أمام الركام الذي لم يعرفه إلا من الحكايات. كتب والده عنه أنه وقف “أمام الباب الذي لم يعبره”، وكأن شيئًا من ذاكرة البيت وصل إليه قبل أن يراه.

تظهر الصورة منزل فاطمة خنافر بعد جرفه في بلدة عيناتا

هكذا تكتشف أن البيوت لا تحفظ ذاكرة من عاشوا فيها فقط، بل تحفظ أيضًا ذاكرة الذين كانوا سيأتون بعدها. أما نور نمر من عيناتا، فكانت أشبه بحارسة للذكريات الصغيرة. تضحك أحيانًا وهي تتحدث عن نفسها، ثم تقول جملة تختصر كل شيء:”أنا صندوق.”

كانت تحتفظ بكل شيء تقريبًا .الألعاب القديمة، الصور، دفاتر المدرسة، الرسائل، الأساور الصغيرة، والأوراق التي يتركها الأصدقاء في نهاية العام الدراسي. كانت تحتفظ حتى بأغلفة الشوكولا إذا ارتبطت بذكرى تحبها.

وحين تتحدث عن البيت، لا تتحدث عن الجدران أولًا. تتحدث عن الصالون الذي حولته إلى عالمها الخاص. هناك كانت الروايات، والدفاتر، والرسومات، والألوان، والأشعار التي كتبتها خلال سنوات طويلة.

تقول إنها كانت تعود في كل زيارة إلى لبنان لتتفقد الصناديق التي خزنت فيها ذكرياتها منذ الطفولة. كانت تريد أن تحتفظ بها كلها. ثم تأتي الجمل التي تتكرر في حديثها بأشكال مختلفة:

“كنت أريد أن اسلمها لابنتي.

أن أريها أين كبرت أمها.

أن أعطيها ألعابها القديمة.

أن ألبسها بعض الأشياء التي احتفظت بها من طفولتها.

أن أفتح لها الألبومات والصور.

لكن البيت اختفى قبل أن يحدث ذلك”.

تقول نور: “لم يسقط بيتي وحده، بل سقط قلبي معه .”

ثم تضيف ما يشبه الخلاصة التي تتردد في بيوت كثيرة فقدت أرشيفها دفعة واحدة:

“يمكن بناء بيت جديد، يمكن تعويض الحجر. لكن لا أحد يستطيع أن يعيد صورة واحدة لطفلة كانت يومًا ما أنت.. أفكر اليوم في البيوت التي خسرناها.

في بيت أبي وأمي، في بيت فاطمة.. وفي بيت نور.

ثلاثة بيوت مختلفة، وثلاثة أرشيفات مختلفة، لكن الخسارة واحدة. فالبيت ليس الجدران التي تحيط بنا فقط. البيت هو المكان الذي تتراكم فيه الحياة بهدوء، عامًا بعد عام، من دون أن نشعر. وحين يُجرف البيت، لا تختفي الحجارة وحدها.

يختفي معها جزء من الذاكرة.

جزء من الطفولة.

وجزء من الذين كناهم يومًا.

ويبقى السؤال نفسه معلقًا فوق الركام:

كيف يمكن لأرشيف عمر كامل أن يختفي في لحظة واحدة؟ وكيف نحفظ ذاكرتنا عندما يختفي المكان الذي كان يحفظها؟”

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x