في كل صباح، كان المزارع حنا حيدر يخرج ليتفقد أرضه في بلدة فيع. يتذكر كيف كانت أشجار الزيتون تمتد خضراء على التلال، وكيف كان الأهالي يتحدثون عن مواسم البلدة وكأنها جزء من هويتها. اليوم، يقف الرجل في المكان نفسه تقريباً، لكن المشهد تغيّر بالكامل.
“حين كنا صغاراً، أخبرنا أهلنا أن أراضي بلدة فيع كانت الأكثر إنتاجاً وجودة، أما اليوم فلم يعد هناك لا إنتاج ولا جودة”، يقول حيدر لمنصة “صلة وصل”. وبينما يتحدث، يشير إلى طبقة الغبار الأبيض التي كانت، لسنوات، تغطي الأشجار القريبة من المقالع ومعامل الترابة. بالنسبة إليه، لم يكن التغيير مفاجئاً، بل بدأ تدريجياً، موسماً بعد آخر، إلى أن تحولت الأرض التي كانت تعطي الزيتون واللوز إلى مساحة مثقلة بالغبار.
الزيتون تحت الغبار
يقول حيدر إن أشجار اللوز اختفت تقريباً من المنطقة، فيما تراجع إنتاج الزيتون من نحو 50 و60 “شنبلاً” في الموسم إلى ما بين 10 و15 شنبلاً فقط. لكن أكثر ما يثقل حديثه ليس خسارة المواسم، بل خسارة أشخاص من عائلته؛ إذ يروي أن أربعة من أفراد العائلة توفوا بسبب السرطان، ويربط ذلك بتلوث الهواء الناتجة عن المعامل القريبة من البلدة.
هذه الرواية لا تبدو استثناء في الكورة؛ فمن فيع إلى كفرحزير وبدبهون، تتكرر الشهادات نفسها تقريباً: أراضٍ تتراجع، وغبار دائم، ومقالع تتمدد شيئاً فشيئاً على حساب الطبيعة والزراعة.
وفي حديث مع أحد سكان المنطقة لمنصة “صلة وصل”، يشير الرجل إلى مقلع يقع فوق مجرى نهر الجرادي، أحد أهم المصادر المائية في الكورة، ويقول إن الأهالي بدؤوا يلاحظون تغيراً في تدفق المياه مع توسع أعمال الحفر، وهو ما انعكس على بلدات مجاورة مثل بدبهون وبرغون. ومع الوقت، تحوّل النهر إلى جزء من النقاش اليومي بين السكان، خصوصاً مع الحديث عن استخدامات صناعية مرتبطة بالفحم الحجري في محيطه.
"الأهالي بدؤوا يلاحظون تغيراً في تدفق المياه مع توسع أعمال الحفر"
على امتداد شكا والكورة، لا تبدو أزمة معامل الترابة مجرد قضية بيئية عابرة، بل جزءاً من حياة يومية يعيشها السكان بين الغبار والضجيج والخوف على الأرض والصحة والمياه؛ فالمقالع التي توسعت خلال السنوات الماضية غيّرت شكل المنطقة تدريجياً، حتى بات كثيرون يشعرون أن القرى الزراعية القديمة تختفي ببطء.

غياب الرقابة
في القرى القريبة من المعامل، يتحدث السكان عن شعور دائم بأن لا أحد يراقب ما يجري فعلياً على الأرض. بالنسبة إليهم، لا تتعلق المسألة فقط بالغبار أو الضجيج، بل بفكرة أن التوسع الصناعي يحدث من دون محاسبة واضحة أو رقابة حقيقية. ويتهم سكان محليون شركات الترابة بتجاوز المعايير البيئية في سبيل توسيع الإنتاج، فيما يطرح ذلك سؤالاً متكرراً حول دور الجهات الرسمية وحدود مسؤوليتها.
وفي محاولة للحصول على إجابات، تم التواصل مع الوزارات المعنية؛ حيث لم تُصدر وزارة البيئة أي رد حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، بينما اكتفت وزارة الصناعة بالإشارة إلى بيان سابق يعتبر أن التراخيص الممنوحة لشركات الإسمنت تندرج ضمن إطار تنظيم واستصلاح المناطق المتأثرة بالمقالع.
في المقابل، تؤكد شركات الترابة أنها تعمل وفق المعايير البيئية الوطنية والدولية، وأنها تلتزم بإجراءات السلامة المطلوبة، لكن هذا الكلام لا يبدد مخاوف السكان، خصوصاً في مناطق مثل كفرحزير، حيث يقع أحد المقالع بالقرب من مدرسة للأطفال، مما يدفع الأهالي إلى التساؤل يومياً عن تأثير الغبار والانبعاثات في صحة أولادهم. ومع مرور السنوات، لم تعد آثار المقالع محصورة بمحيطها المباشر؛ فالتوسع طال الأراضي الزراعية وغابات الزيتون وبعض المناطق الطبيعية، فيما يقول سكان إنهم باتوا يلاحظون تراجعاً في وجود حيوانات كانت جزءاً طبيعياً من بيئة المنطقة، مثل الثعالب والأفاعي.
وسط هذا المشهد، يتكرر السؤال نفسه بين الأهالي: كيف أصبح هذا الواقع طبيعياً إلى هذا الحد؟

تلوث غير مرئي
ما يراه السكان يومياً هو فقط الجزء الظاهر من الأزمة؛ فالغبار الذي يغطي السيارات والأسطح والأشجار يمكن ملاحظته بسهولة، لكن هناك أيضاً ما لا يُرى بالعين المجردة.
بحسب دراسة أجرتها جامعة البلمند في شمال لبنان، تم رصد جزيئات دقيقة جداً عالقة في الهواء تحتوي على معادن ثقيلة مثل الرصاص، والكادميوم، والكروم، والنيكل، والنحاس، والزَّنك، إضافة إلى غبار الكالسيوم الناتج عن المقالع. هذه الجزيئات قادرة، بسبب حجمها الصغير، على الوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي، وقد تنتقل إلى مجرى الدم مع التعرض المستمر. وتشير الدراسة إلى أن النشاط الصناعي في المنطقة يترك أثراً واضحاً في تركيبة الهواء، خصوصاً مع عمليات التفجير والسحق والنقل التي تتكرر يومياً، مما يجعل التلوث جزءاً مستمراً من الحياة اليومية للسكان، حتى عندما لا يكون مرئياً بشكل مباشر.
"تشير الدراسة إلى أن النشاط الصناعي في المنطقة يترك أثراً واضحاً في تركيبة الهواء"
مخاطر صحية مزمنة
من الناحية الصحية، ترتبط هذه الملوثات بزيادة احتمال الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو، والتهاب القصبات، وضيق التنفس، خاصة لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من مناطق النشاط الصناعي.
ويشرح الأخصائي في جراحة الصدر والشرايين الدكتور نزيه بو شاهين لمنصة “صلة وصل” أن التعرض المستمر للغبار الصناعي قد يؤدي إلى أمراض مزمنة في الجهاز التنفسي، وقد يرفع أيضاً من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية نتيجة انتقال الجسيمات الدقيقة إلى مجرى الدم. ويضيف أن بعض المعادن الثقيلة قد تترك آثاراً طويلة الأمد، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن، الذين يُعتبرون الأكثر حساسية لهذا النوع من التلوث. كما يشير إلى أن عمليات حرق الحجر الكلسي في مصانع الإسمنت تطلق غازات وانبعاثات، من بينها ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، مما يجعل وجود أنظمة ترشيح فعالة ومراقبة صارمة أمراً أساسياً.
على مستوى الشهادات الفردية، يروي المربي إدوان زخريا لـ “صلة وصل” تجربة والده الذي عمل في معمل “هولسيم” لمدة تراوحت بين 25 و30 عاماً، ويقول إن والده أمضى سنوات طويلة داخل الأفران وفي ظروف قاسية، قبل أن يُصاب بمرض السرطان ويتوفى بعد أقل من سنة على التشخيص، مضيفاً أن الحديث عن المرض بين العمال والسكان القريبين من المعامل لم يعد أمراً نادراً في المنطقة.

مليارات في الملف
بعيداً عن الجانب البيئي والصحي، يرتبط ملف المقالع والكسارات أيضاً بأرقام مالية ضخمة؛ فبحسب تقديرات تستند إلى دراسة صادرة عن وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد تصل فاتورة التعويضات المستحقة للدولة عن الاستغلال السابق للموارد الطبيعية إلى نحو 2.394 مليار دولار أميركي كحد أدنى، وهي أرقام مرتبطة بالكميات المستخرجة بين عامي 2007 و2018.
في هذا الإطار، تتابع لجنة كفرحزير البيئية الملف من زاوية قانونية وإدارية؛ حيث يقول منسق اللجنة ورئيس جمعية “بلادي خضرا” جورج قسطنطين العيناتي لمنصة “صلة وصل” إن اللجنة تقدمت بإخبار إلى النيابة العامة المالية، مما أدى إلى استدعاء عدد من أصحاب المصانع للتحقيق في شبهات تتعلق بالاعتداء على الأملاك العامة، والينابيع، والوديان، والتهرب الضريبي.
كما يلفت العيناتي إلى مسألة نوعية الإسمنت، معتبراً أن هناك نسباً من الغش قد تتجاوز 25% نتيجة استخدام مواد مثل التراب الأبيض المطحون ورماد الفحم الحجري، وهي اتهامات تبقى موضع نقاش، لكنها تضيف مزيداً من الجدل إلى هذا الملف. ويشير أيضاً إلى أن الأضرار لا تتوقف عند التربة والنبات، بل تمتد إلى التغيرات المناخية المحلية، مثل تراجع معدلات الأمطار نتيجة فقدان الغطاء الأخضر، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بطمر مواد ملوثة وإعادة استخدامها لاحقاً في الزراعة.
وفي سياق أوسع، تشير دراسة صادرة عن جامعة هارفرد إلى وجود علاقة بين محطات الطاقة العاملة بالفحم وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة نتيجة التعرض للجسيمات الدقيقة مثل $PM_{2.5}$ و $PM_{10}$، وهي دراسة تُستخدم لتسليط الضوء على المخاطر العامة للنشاط الصناعي كثيف الانبعاثات.
بين الحلول والواقع
رغم كل ذلك، لا تبدو الصورة مغلقة بالكامل؛ إذ يوضح الدكتور بو شاهين أن تركيب الفلاتر في المداخن يمكن أن يخفف من الانبعاثات بشكل كبير، بشرط أن يكون هناك التزام فعلي بالمراقبة، كما يشير إلى أن التشجير قد يساعد في الحد من جزء من الأثر البيئي.
من جهته، يدعو العيناتي إلى إعادة التفكير في نموذج الإنتاج بالكامل، بما في ذلك خيار استيراد الإسمنت بدلاً من إنتاجه محلياً، ونقل المقالع بعيداً عن التجمعات السكنية، إضافة إلى فرض رسوم بيئية عادلة على الشركات.
لكن بالنسبة إلى كثير من سكان المنطقة، لا يتعلق الأمر فقط بالحلول التقنية أو القوانين، بل بسؤال أكبر عن شكل الحياة التي يريدونها في قراهم؛ فبين الأرض التي كانت خضراء يوماً، والغبار الذي يغطيها اليوم، يشعر كثيرون أن جزءاً من هوية المكان يختفي تدريجياً.













