في كفركلا، المنطقة الواقعة جنوب الليطاني اللبنانية، لم تكن الزراعة يوماً مجرد مصدر رزق، بل كانت جزءاً من حياة الناس؛ فأشجار الزيتون كانت تجمع العائلات في مواسم القطاف، وتشكل هوية بلدة بأكملها. لكن هذه الهوية بدأت تندثر؛ ووفق ما صرّح به وزير الزراعة اللبناني الدكتور نزار هاني، فإن نحو 36% من الأراضي الزراعية في منطقة جنوب الليطاني قد تضررت، في مؤشر خطير لا يهدد المزارعين وتربة أراضيهم فحسب، بل يضع الأمن الغذائي اللبناني أمام تحدٍ مباشر وخطير.
"نحو 36% من الأراضي الزراعية في منطقة جنوب الليطاني قد تضررت"
فبعد حرب عام 2024 التي تركت آثاراً ثقيلة، بقي هناك شيء من الأمل بأن تستعيد التربة عافيتها تدريجياً، غير أن هذا الأمل لم يدم طويلاً؛ فمع اندلاع حرب عام 2026 المستمرة، لم تعد الأضرار تقتصر على المحاصيل أو المواسم، بل امتدت لتصيب جوهر الزراعة نفسه: التربة. اليوم، لم يعد المشهد كما كان: أراضٍ مجروفة، وأخرى ملوّثة، وحقول باتت خارج متناول أصحابها. فإلى أي مدى تدهورت تربة كفركلا؟ وما تأثير ذلك في الزراعة والأمن الغذائي في لبنان؟
“خسرتُ 80% من إنتاج زيت الزيتون هذا العام بفعل الحرب”، هذا ما يكشفه المهندس المزارع علي سرحان لمنصة “صلة وصل”. سرحان، الذي يملك كرماً كبيراً من الزيتون في الضيعة، كان يقوم كل عام ببيع مئات “التنكات” من الزيت، أما الآن -بحسب قوله-: “فالوضع مختلف كلياً؛ حيث تراجع موسمي هذا العام حوالي 80% في إنتاج زيت الزيتون المعد للتصدير، وبالتالي تكبدتُ خسائر فادحة أُضيفت إلى خسارتي الأولى في حرب 2024”. ولكنه في المقابل يؤكد أنه ما زالت هناك أراضٍ صالحة للزراعة في بلدة كفركلا. لا يطلب مزارع كفركلا الكثير ليستمر في الزراعة… فقط أن يتمكن من الوصول إلى أرضه. لكنه اليوم نازح في جزين، عاجز حتى عن دخول قريته أو الاطمئنان على أشجاره، تاركاً خلفه موسماً يذبل وأرضاً تنتظر صاحبها.

ما يظهر في كفركلا من دمار ليس سوى جزء من الصورة؛ فالأرض التي بدت للوهلة الأولى مجرد حقول محروقة أو مجروفة، تحمل في داخلها أضراراً أعمق وأعقد، تمتد إلى بنية التربة نفسها. وفي قراءة علمية لهذا الواقع، يشرح رئيس مصلحة زراعة النبطية، المهندس حسين السقا، لمنصة “صلة وصل” أن ما أصاب كفركلا لا يمكن اختصاره بموسم خاسر فقط؛ فالأضرار طالت الزرع نفسه، وطالت ما هو أبعد من ذلك: التربة.
"ما أصاب كفركلا لا يمكن اختصاره بموسم خاسر فقط فالأضرار طالت الزرع نفسه"
المزروعات اختفت تقريباً؛ فبين الحرق والجرف والقطع لم يبقَ شيء يُذكر، حتى أشجار الزيتون لم تسلم، فبعضها سُرق، وأخرى دُمّرت، لتتحول البلدة إلى أرض شبه عارية من أي غطاء نباتي، باستثناء بعض الأشجار التي تم نقلها وإنقاذها. أما التربة، فحملت آثار الحرب بطريقتين؛ الأولى واضحة للعين: حطام، ومعادن، وبقايا صواريخ اختلطت بها وجعلت العمل فيها شبه مستحيل قبل تنظيفها. أما الثانية، فهي أخطر وأبطأ: تلوث كيميائي ناتج بشكل أساسي عن الفسفور.
ورغم أن هذا التلوث لا يشمل معادن ثقيلة، إلا أن ذلك لا يغيّر كثيراً من الواقع؛ فالأرض اليوم غير منتجة، والمزارع لا يستطيع الاعتماد عليها. ومع غياب الغطاء النباتي، أصبحت التربة أكثر هشاشة وعرضة للانجراف مع كل مطر أو رياح. ويشير السقا إلى مفارقة قاسية: فترك الأرض دون زراعة قد يساعدها على استعادة جزء من عافيتها مع الوقت، لكن في المقابل، هذا الإهمال نفسه يسرّع تدهورها.
ولا تقف المشكلة عند حدود كفركلا؛ فبحسب السقا، فإن الأمن الغذائي في لبنان مرتبط بمناطق زراعية أساسية مثل سهل الوزاني–الماري، الذي يساهم بنسبة كبيرة من الإنتاج. ومع تضرر هذه المناطق، توقفت الزراعة فيها، وبدأ المزارعون بالبحث عن بدائل في أماكن أكثر أماناً. لكن حتى في الأماكن التي لم تُدمَّر بالكامل، لا يعني ذلك أن المزارعين قادرون على العودة إليها؛ فالمشكلة لم تعد فقط في التربة أو المحاصيل، بل في الأرض نفسها التي تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مكان خطر.

في كفركلا، لم تعد كل الأراضي قابلة للوصول؛ فالأراضي التي كانت تهددها الذخائر والألغام المنتشرة منذ سنوات بفعل الحروب، أصبحت اليوم رسمياً في عام 2026 منطقة حدودية مشمولة بـ “الخط الأصفر”، ويُحظَر على سكانها دخولها. ويؤكد خبير عسكري متخصص بالذخائر لمنصة “صلة وصل”، أن هذه المخلفات لا تحرم المزارع من العمل في أرضه خلال الحرب فقط، بل تمتد آثارها إلى ما بعدها؛ فحتى بعد توقف القتال، لا يمكن العودة مباشرة إلى الحقول، إذ تحتاج الأرض إلى ما يُعرف بعمليات “تنظيف ساحة المعركة” (BAC)، أي إزالة الذخائر غير المنفجرة قبل أن تصبح آمنة للاستخدام. المشكلة أن هذه العملية ليست سريعة ولا سهلة؛ فإزالة الألغام المدفونة تختلف عن التعامل مع الذخائر الظاهرة، وتحتاج إلى وقت طويل وإجراءات دقيقة، أما خلال النزاع، فتكاد تكون مستحيلة بسبب المخاطر العالية وعدم استقرار الأوضاع. وبين تربة تحتاج إلى معالجة، وأرض تحتاج إلى تطهير، يبقى المزارع عالقاً خارج حقله… حتى إشعار آخر.
"هذه المخلفات لا تحرم المزارع من العمل في أرضه خلال الحرب فقط، بل تمتد آثارها إلى ما بعده"
ولا تقف الخسارة عند التربة الملوّثة أو الأراضي الخطرة، بل تمتد إلى تفاصيل الموسم الزراعي نفسه، حيث يصبح العمل في الأرض شبه مستحيل، حتى في الفترات المفصلية التي تحدد نجاح المحصول أو فشله. وحسب المهندس الزراعي أنطوني خطار، الذي كان يشرف على مشاريع زراعية (كروم عنب) في منطقة الوزاني (قرب كفركلا)، فإن بعض الأراضي التي رُميت عليها قنابل فسفورية دُمرت بشكل كامل، وبالتالي فُقدت المزروعات فيها.
أما الضرر الأكبر حسب رأي المهندس فهو ضرر “توقيت الحرب”؛ فمثلاً الأيام التي يُتوقَّع فيها رش العنب بمبيدات حشرية، تكون ضمن توقيت المعارك مما يعيق الوصول إلى المحاصيل، وبالتالي خسارتها بفعل انتشار الآفات والحشرات بها. ومع التقدم في الوقت نحو الأيام الأكثر حراً، تحتاج كروم العنب للري، ومع استمرار النزاعات وصعوبة الوصول إلى الأرض، ستموت المزروعات عطشاً. وهكذا دواليك مع كل موسم زراعي وحرب، لن تعود هناك قدرة مادية لأصحاب المشاريع على الاستمرار، مما سيساهم في توقيف آلاف المزارعين عن العمل، وبالتالي مواجهتهم البطالة الحتمية.
أما من جهة الأراضي التي تعرضت للقصف الفسفوري المباشر، فهنا الكارثة الكبرى، بحيث تصبح استعادة خصوبتها مجدداً شبه مستحيلة، خصوصاً مع المدة الزمنية الطويلة التي تحتاجها الأرض للتخلص من الفسفور. عدا عن ذلك، وحتى بعد المعالجة، فالمزارع لا يحبذ المخاطرة والزراعة في أرض احتوت سابقاً على فسفور خوفاً من ترسباته وضررها المحتمل على المزروعات، وبالتالي خسارتها وخسارة أموال العناية بها. ومع كثرة إهمال الأرض، تنتشر بها النباتات الضارة وتفقد خصوبتها يوماً بعد يوم.
هذا بالنسبة للعنب والخضروات، أما بالنسبة للأشجار، فالخسارة هنا مزدوجة: مالاً ووقتاً، خصوصاً أن كل شجرة مثمرة تحتاج حوالي 10 إلى 15 عاماً للنمو. فبحسب خطار، الأراضي التي تعرضت لرش الفسفور أو “الغليفوزيت”، لن تعود صالحة للزراعة مرة أخرى، وبالتالي فُقدت للأبد. وأخيراً عبّر المهندس الزراعي عن أمله بانتهاء الحرب قريباً، علّ المزارعين يروون ما تبقى من جذوع أشجارهم قبل مجيء الصيف وموتها عطشاً بالكامل.
لم تعد المشكلة في كفركلا تقتصر على دمار الأرض، بل امتدت لتطال الإنسان نفسه؛ فحين تُجرف الحقول وتُحرق المواسم، يمكن التعويض يوماً ما، لكن حين يُجبر المزارع على مغادرة أرضه، تتكسر العلاقة التي تربطه بها. اليوم، تقف كفركلا بلا أهلها، وبلا من يعتني بتربتها أو يخطط لمستقبلها.

هذا الواقع تؤكده سكرتيرة رئيس بلدية كفركلا، إحسان يحيى، التي أوضحت في حديثها لمنصة “صلة وصل” أن الأراضي الزراعية والبنية التحتية تعرضت للجرف بشكل كامل بفعل تلوث التربة بالفسفور، وبالتالي أصبحت في الوقت الحالي -على الأقل- غير صالحة إطلاقاً للزراعة. وعن الخطط المحلية لمساعدة المزارعين وحماية الأراضي أثناء النزاع، أكدت سكرتيرة البلدية أنه لا توجد خطط في الوقت الراهن؛ فبلدتهم مدمرة ولا يزالون نازحين (سكان البلدة، وأعضاء بلديتها، وجميع الأهالي)، ولكن الخطط ستوضع فور العودة. وشددت السيدة “إحسان” على أن البلدة كانت تقوم قبل الحرب بتنفيذ مشاريع زراعية من خلال التعاون مع المنظمات الإنسانية ووزارة الزراعة، حيث أعدوا العديد من الدورات التدريبية، وأعمال التشجير، وتأمين البذور للمزارعين.
وعن رأي البلدية في مستقبل التربة والمواسم الزراعية في بلدة كفركلا في حال استمرار النزاع، أجابت السيدة إحسان بحسرة كبيرة بأن مستقبل التربة والمواسم الزراعية أصبح ضبابياً لغاية هذه اللحظة، بعدما كانت تتميز البلدة بزيادة زراعة الزيتون وإنتاج الزيت الفاخر وبيعه كمصدر رزق أساسي لأهالي البلدة.
في خضم هذا الواقع، لا تقتصر الصورة على الدمار فقط، بل تمتد إلى محاولات البحث عن حلول؛ حيث تشير الباحثة في استوديو “أشغال عامة”، المهندس يارا عبد الخالق، إلى مجموعة توصيات وُضعت بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي”، بعد سلسلة لقاءات ضمّت ممثلين عن الوزارات اللبنانية، من بينهم وزارة الزراعة، إلى جانب بلدية كفركلا وأهاليها.
هذه التوصيات لم تأتِ من فراغ، بل من متابعة يومية لما تتعرض له البلدة منذ الثامن من تشرين الأول عام 2024، ومحاولة للإجابة عن سؤال بسيط: كيف يمكن للحياة أن تعود؟
وبحسب ما أوردت عبد الخالق عبر ورقتها البحثية، هذه هي أهم التوصيات:
- ضمان العودة للأهالي ودعم العائدين: من خلال إزالة الركام والمخلفات الحربية، تأهيل البنى التحتية، تأمين باحات خدمات مؤقتة، وتأمين الوصول إلى الأراضي الزراعية.
- إعادة التأهيل البيئي والزراعي: عبر تنسيق أعمال المسح وتحديثها عبر جهة مركزية، وضع معالجة آثار الإبادة البيئية على سلم أولويات اللجنة الحكومية، تنفيذ خطة لمعالجة الأضرار البيئية استناداً إلى نتائج المسوحات، وتنفيذ استراتيجية لرصد الفرز وإعادة تدوير الأنقاض.
- دعم المزارعين: باعتبارهم من أكثر الفئات تضرراً، وذلك من خلال الدعم المادي والعيني، تأمين أراضٍ للزراعة في مناطق النزوح، الإرشاد حول التعامل مع الأراضي والمحاصيل الملوثة والمواشي، وتحفيز تأسيس ودعم التعاونيات الزراعية وإرشادها.
- التوثيق والمساءلة القضائية والإدارية: عبر توثيق جرائم الحرب وتشكيل ملف ضد إسرائيل، وضع استراتيجية للتقاضي ومقاضاتها، وتفعيل الدبلوماسية اللبنانية في المنتديات الدولية المعنية بالبيئة والمناخ.
- إرساء إطار دامج للتعافي البيئي: عبر ضمان الشفافية والمشاركة في عمل الجهات الرسمية وغير الرسمية، إنشاء إطار وطني للتعافي البيئي والزراعي، وتأمين موارد مستدامة ومتنوعة للتعافي البيئي.
- وضع رؤية وطنية تعزز الميزة الطبيعية والسكنية للمناطق الحدودية: عبر تطبيق الخطة الشاملة وتوجيهاتها في إعادة إعمار القرى الحدودية، اعتماد تشريعات للحد من بيع الأراضي وتمكين الناس من إعادة البناء في المواقع التي كانوا يعيشون فيها، ووضع خطط وبرامج للحد من التشتّت الاجتماعي والاقتصادي لأهالي القرى الحدودية.
في كفركلا، لم تعد الخسارة مجرد مواسم ضاعت، بل أرضٌ ابتعد عنها أصحابها قسراً، وتربة تنتظر من يحييها من جديد. ويبقى السؤال: هل يكفي أن تنتهي الحرب لتعود الحياة إلى تلك البلدة، أم إن حرب عام 2026 قد شيّعتها إلى مثواها الأخير؟













