بين كارثة 2006 وسيناريو بيروت.. هل يواجه لبنان خطر تلوّث نفطي جديد؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
15/06/20269:57 م

“أعتاش يوماً بيوم مما يرزقني الله من البحر… أخاف أن تلوّث الحرب بحرنا فنخسر رزقنا”. بهذه الكلمات يختصر الصياد جاد، الذي يمضي ساعات طويلة قبالة بحر البيال، قلقاً يتجاوز خوفه الشخصي إلى هاجس يطاول مئات الصيادين على الساحل اللبناني؛ فالبحر، مصدر عيشه وعيش عائلته وطفله، قد يتحوّل في أي لحظة إلى مصدر خطر يحرمه تأمين أبسط مقومات الحياة.

ومع استمرار الحرب واستهداف البنى التحتية المدنية، يبرز تخوّف متزايد من احتمال استهداف منشآت النفط الممتدة على الساحل، ولا سيما بين الكرنتينا والضبية. سيناريو كهذا لا يضع الصيادين أمام أزمة معيشية مضاعفة فحسب، بل يفتح الباب أمام كارثة بيئية وصحية تطاول اللبنانيين جميعاً. فما المخاطر والسيناريوهات المحتملة إذا تعرّضت هذه المنشآت للقصف؟

سيناريو بيروت.. تلوّث متعدد الأبعاد

لن يقتصر الأثر على لحظة الانفجار، بل سيتحوّل سريعاً إلى موجة تلوّث تمد عبر الهواء والماء والتربة. وفي هذا السياق، تؤكّد الأستاذة المحاضِرة في قسم الهندسة المدنية والبيئية في جامعة البلمند، الدكتورة ياسمين جبلي، في حديث مع منصة “صلة وصل”، أن أحياءً سكنية قد تتعرّض لانتشار سريع لملوّثات هوائية سامة نتيجة انبعاث غازات خطرة وجسيمات دقيقة تؤثر مباشرة في الجهاز التنفسي.

وتوضح أن هذه الملوّثات قد تشمل أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والمركّبات العضوية المتطايرة مثل البنزين والتولوين، إضافة إلى جسيمات دقيقة PM 2.5 و PM10  قادرة على التغلغل عميقاً في الرئتين والتسبب بمضاعفات صحية فورية.

صورة تظهر التلوث النفطي في البحر

وبحسب جبلي، فإن نواتج الاحتراق غير الكامل قد تصل إلى المياه حاملةً مركّبات سامة مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات ومعادن ثقيلة تهدّد الثروة السمكية وتنتقل عبر السلسلة الغذائية. أما التربة، فقد تتحوّل إلى مخزن طويل الأمد لهذه السموم مع ترسّبها، مما ينعكس على المحاصيل الزراعية ويهدد بتلوّث المياه الجوفية، في مساس مباشر بالأمن الغذائي.

وترتبط شدة التأثيرات بعوامل بيئية متغيّرة، منها كمية الانبعاثات، واتجاه الرياح وسرعتها، والأمطار. صحياً، تحذّر جبلي من حالات اختناق ومشكلات تنفسية حادة، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والقلب، مع احتمال حدوث “نوبة تلوّث حاد” ترتفع خلالها الإصابات خلال وقت قصير، فيما قد تتطور الآثار لاحقاً إلى أمراض مزمنة واختلال في الموارد الطبيعية والسلسلة الغذائية.

أخطر أنواع التلوّث البحري

من جهتها، توضح الأخصائية في الإدارة البيئية سمر خليل أن أي تسرب نفطي إلى البحر، لا سيما من الفيول الثقيل، يُعد من أخطر أشكال التلوث البحري؛ فـ”النفط ينتشر على السطح مشكّلاً طبقة تعزل الضوء والأكسجين، مما يهدد العوالق النباتية والحياة البحرية من أسماك ورخويات وقشريات، ويطال الطيور البحرية أيضاً”.

وحول مدة التعافي، تشير إلى أنها “ترتبط بحجم التسرب ونوع النفط وسرعة الاستجابة وحالة البحر؛ فالاحتواء السريع عبر الحواجز العائمة وعمليات الشفط يخفف الانتشار، لكن ملوثات غير مرئية قد تترسّب في القاع وتبقى لسنوات، خصوصاً في بحر شبه مغلق كالمتوسط”.

"النفط ينتشر على السطح مشكّلاً طبقة تعزل الضوء والأكسجين"

أما امتداد خزانات الوقود بين الكرنتينا والدورة، فيرفع مستوى المخاطر البيئية بسبب تركز المنشآت على الساحل؛ فأي خلل في الخزانات أو الأنابيب أو أنظمة الضخ والصيانة قد يؤدي إلى تسربات، حتى لو كانت صغيرة ومتكررة، تتراكم بمرور الوقت وتؤدي إلى تلوّث مزمن في القاع البحري.

وفي سياق العدالة البيئية، تبدو الفجوة واضحة بحسب خليل: فالمناطق القريبة من الخزانات والمرافئ، ولا سيما الصيادين، ستكون “الأكثر تضرراً صحياً واقتصادياً”، مع محدودية قدرتهم على تحمّل كلفة العلاج أو خسارة مصدر رزقهم، كما تتراجع الأنشطة السياحية على الساحل، مما ينعكس على العاملين فيها.

القبطان شعبان: “نحن أمام مصيبة في حال كارثة كبيرة”

تبيّن الدراسات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن الخطر البيئي والصحي لا ينبع فقط من قوة الانفجار المباشرة، بل يعود إلى الجسيمات الدقيقة السامة المنبعثة والتي تنتشر في الهواء وتستقر في التربة والمياه.

وفي قراءة لواقع الجهوزية اللبنانية، يوضح الاستشاري والمدقق المعتمد من المنظمة البحرية الدولية القبطان هيثم شعبان أن “لبنان كان قد أعدّ خطة وطنية لمواجهة التسرب النفطي عام 2016 عبر هيئة إدارة قطاع البترول في وزارة الطاقة، إلا أنها لم تُقرّ رسمياً حتى اليوم”.

ويقول شعبان إن “هذه الخطة كانت تهدف إلى الاستجابة السريعة للتسرّب النفطي، وحماية الحياة البحرية والبشرية، والحد من الأضرار على القطاع السياحي، إضافة إلى تنظيم تدريبات دورية لإدارة الأزمات البحرية”.

صورة تظهر منشآت النفط في منطقة الكرنتينا في بيروت

لكن غياب الإقرار الرسمي، وفق شعبان، يعني “غياب الغطاء القانوني والتجهيزات اللازمة، مما يحدّ من قدرة لبنان على الاستجابة الفعالة”. ويضيف: “يمكن للقوات البحرية في الجيش اللبناني التعامل مع تسرّب صغير أو متوسط، لكن في حال كارثة كبيرة مثل 2006، نحن أمام مصيبة، وسنحتاج إلى مساعدات دولية”. ويشير إلى أن لبنان يفتقر إلى سفن متخصصة لمعالجة التلوث النفطي، مما يزيد من تعقيد أي استجابة محتملة.

خطر يتجاوز الشاطئ

يحذّر شعبان أيضاً من تداعيات إضافية في حال استهداف خزانات الكرنتينا؛ إذ قد تتأثر حركة الملاحة في مرفأ بيروت نتيجة تلوّث هياكل السفن بالمواد النفطية، مما قد يعيق دخولها وخروجها.

أما من ناحية التيارات البحرية، فيوضح أن حركة المياه على الساحل اللبناني تتجه شمالاً، مع رياح غربية، مما يعني أن أي تسرّب نفطي قد ينتشر بسرعة إلى مناطق أخرى، كما حصل عام 2006 حين وصل التلوث إلى السواحل السورية، وامتد جزئياً نحو تركيا.

في المحصّلة، يعيد الحديث عن استهداف خزانات الوقود في بيروت فتح ملف الجهوزية البيئية في لبنان، ويكشف عن فجوة واضحة بين المخاطر المحتملة والإمكانات المتاحة.

خطة 2006… استجابة تحت الضغط

في 13 و15 تموز/يوليو 2006، أدى استهداف خزانات الوقود في معمل الجيّة إلى تسرّب ما بين 12 و15 ألف طن من الفيول الثقيل إلى البحر، ممتداً على نحو 150 كيلومتراً من الساحل اللبناني.

تحرّكت وزارة البيئة ضمن إمكانيات محدودة وأطلقت نداءً دولياً واسعاً، ونسّقت مع المركز الإقليمي للاستجابة الطارئة للتلوث البحري في البحر المتوسط (REMPEC)، بمشاركة جمعيات محلية في أعمال التنظيف.

  • المرحلة الأولى (آب 2006 – آذار 2007): تَدخُّل سريع لتنظيف نحو 70 موقعاً متضرراً على الساحل.
  • المرحلة الثانية (ابتداءً من نيسان 2007): مسح شامل ووضع خرائط دقيقة ودراسات ميدانية وتحت مائية أظهرت ترسّبات نفطية استدعت متابعة طويلة الأمد.

ورغم أهمية هذه الاستجابة، اعتمد لبنان بشكل أساسي على الدعم الدولي لمعالجة الكارثة.

صورة تظهر أثار التلوث النفطي في البحر

الخطة موجودة لكن الاعتبار في التنفيذ

إذاً، الحل لا يكون فقط بالحديث عن التلوث، بل بالتنفيذ الفعلي لـ “الخطة الوطنية لمكافحة التسرب النفطي في لبنان”، التي أُطلقت ضمن التحذيرات لدخول لبنان في قطاع النفط والغاز عام 2017، ومن أبرز الخطوات الّتي ضمّتها الخطّة إنشاء غرفة عمليات وطنية.

أمام كل ما سبق من تداعيات محتملة، تصبح الحاجة إلى خطة طوارئ مُعدّة سلفاً واستجابة فورية مسألة حاسمة. تنطلق الخطة من اعتبار أي تسرب نفطي تهديداً خطيراً للبيئة البحرية والساحلية، مما يفرض التحرّك السريع للحد من انتشار التلوّث والسيطرة عليه في أقصر وقت.

وهنا، لا بد من شرح أبرز نقاط الخطة الوطنية اللبنانية لمكافحة التسرب النفطي، الّتي تعتمد على مبدأ الاستجابة المتدرجة وفق ثلاثة مستويات:

  • المستوى الأول: تسرّب محدود تعالجه إمكانيات المرفأ أو المنشأة نفسها.
  • المستوى الثاني: يتطلّب دعماً من المحافظات أو أجهزة الدولة.
  • المستوى الثالث: كارثة واسعة تستدعي تدخلاً وطنياً وربما دولياً.
منشآت النفط في بيروت

وعند حصول تسرّب كبير، يُفترض تفعيل غرفة العمليات البحرية المشتركة وغرفة إدارة الكوارث الوطنية، لتنسيق الاتصالات وتوزيع المهام وإدارة الدعم المحلي والدولي. كما تنصّ الآلية على تعيين قائد وطني لحادثة التسرّب النفطي، تقوده فرق متخصصة في التخطيط والعمليات واللوجستيات والسلامة والإعلام، بما يضمن إدارة احترافية للأزمة.

ميدانياً، تركّز الإجراءات على احتواء النفط عبر استخدام الحواجز العائمة، وتجهيز قوارب الطوارئ ومعدات المكافحة، والمراقبة المستمرة خلال عمليات التفريغ، إضافة إلى تجهيز وسائل فصل النفط عن المياه ومنع وصوله إلى البحر.

بعد الاحتواء، تنتقل الأولوية إلى حماية البيئة والشواطئ: تنظيف المناطق الحساسة، إدارة النفايات النفطية الناتجة، مراقبة الأضرار البيئية، وتوثيق كل ما يلزم للمطالبة بالتعويضات وحفظ السجلات القانونية.

ورغم بنود هذه الخطّة، يبقى السؤال: هل تكون هذه الخطة جاهزة للتطبيق عند اللحظة الحرجة؟

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x