دوي المتفجرات الارتجالية المستخدمة في الصيد يدمر الأنظمة البيئية البحرية، ويقضي على المخزون السمكي، ويسمم موائد طعام الملايين.
لطالما كان البحر الأبيض المتوسط بمثابة ملاذ آمن، وشريان حياة اقتصادياً، ووجهاً لطمأنينة سرمدية لشعوب لبنان وسوريا وليبيا. ومع ذلك، تقبع تحت سطحه الفيروزي كارثة بيئية آخذة في التكشف. وبينما أدى التشرذم السياسي، والانهيار الاقتصادي، والنزاعات المسلحة إلى إضعاف تطبيق القانون، فإن الدوافع الجذرية للصيد بالمتفجرات تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد غياب الرقابة الحكومية؛ إذ تتغذى هذه الممارسة التدميرية من تقاطع معقد لعدة عوامل: السعي المحموم وراء لقمة العيش في ظل ظروف اقتصادية خانقة، وسهولة الحصول على المواد الكيميائية ثنائية الاستخدام مثل الأسمدة الزراعية، والتقاليد التاريخية الراسخة. وعندما تتلاقى ضغوط السوق والعادات المحلية مع غياب المراقبة التنظيمية المنتظمة، فإن ذلك يرسخ ثقافة مرنة من الإفلات من العقاب.
"إن الدوافع الجذرية للصيد بالمتفجرات تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد غياب الرقابة الحكومية"
إن الشهادات التي جُمعت من بلدان حوض المتوسط المتأثرة بالنزاعات تكاد تكون متطابقة. فمن الموانئ التاريخية في صور بلبنان، إلى مياه اللاذقية المتدهورة في سوريا، وصولاً إلى الخط الساحلي الممتد لـ 1,770 كيلومتراً في ليبيا، تبدو الشهادات متطابقة تماماً.
في جبلة بسوريا، تنوه “نهى م.”* قائلة: “أصوات التفجيرات القوية تشبه القصف الهائل؛ حيث يهتز منزلنا وتستيقظ عائلتي عليها في كل مرة، وهي تحدث غالباً في الليل للتهرب من الرصد”.
وفي جنوب لبنان، يأسف علي بدر الدين قائلاً: “تحت غطاء الحرب، تبخرت الرقابة تماماً؛ فلا دوريات ولا تطبيق للقانون. قبل النزاع، كنا قد اقتربنا من تسجيل نسبة صفر بالمئة من الصيد بالديناميت داخل المحمية، أما اليوم فقد عادت عقلية الإفلات من العقاب، وضاعت جهود سنوات من العمل البيئي سدى”.
ويكشف صياد من طرابلس في ليبيا، يُدعى “أ. أ.”: “شهدت الفترة التي تلت عام 2011 مباشرة تبخراً كاملاً للأمن الساحلي. وكانت الفترة بين عامي 2012 و2013 بمثابة مهرجان مفتوح وغير منضبط للمتفجرات في أوساط مجتمع الصيد في طرابلس، حيث جرى قصف خلجان بأكملها في وضح النهار”.
ويكشف تحقيقنا الإقليمي عما يلي:
- في ليبيا: ترك الفراغ الأمني الساحل عرضة للمخالفين الذين يستخدمون متفجرات جيلاتينية بدائية ومرتفعة التأثير تُعرف محلياً باسم “الجلاطينة”، إلى جانب مادة الـ TNT العسكرية المستخرجة من مخلفات الحروب. ويظل القانون رقم 5 لعام 1987 هو الإطار القانوني الأساسي، رغم أن عقوباته الجنائية القديمة تفشل في مواجهة حجم التدمير الحديث. وتتركز المناطق الساحلية الأكثر تضرراً في الخلجان الضحلة القريبة من طرابلس، وعبر الرصيف البحري المدروس في بنغازي بليبيا.
- في سوريا: يعد الصيد بالمتفجرات مشروعاً غير قانوني ولكنه يتركز بكثافة على طول الأطراف الساحلية. وتستخدم العمليات مكونات عسكرية غير قانونية والديناميت إلى جانب السموم السامة مثل “اللانيت”. وتمتلك البلاد تشريعاً واضحاً بموجب القانون رقم 48 لعام 1976، والذي يجرم صراحة الصيد بالمتفجرات باعتباره “إبادة جماعية للأحياء البحرية”، ومع ذلك يفشل تطبيق القانون بسبب الفساد الممنهج وغياب المراقبة. والمناطق الأكثر تضرراً هي أطراف اللاذقية والريف المحيط بمدينة جبلة بسوريا.
- في لبنان وجدنا: يستغل الصيادون التشرذم الحاد في بنية الدولة عبر استخدام عبوات مرتجلة محشوة بالأسمدة الزراعية، وتحديداً نترات الأمونيوم. ويعمل لبنان تحت وطأة ثقب أسود تشريعي؛ فبينما تحظر المادة 25 من قانون عام 1929 المتفجرات حظراً قاطعاً، تلتزم الصمت التام إزاء كمبريسورات الهواء (ضواغط الهواء) المستخدمة لجمع الأسماك الميتة من قاع البحر. وتشمل المناطق الساحلية الأكثر تضرراً المياه الشمالية لطرابلس، والحدود الجنوبية لمحمية شاطئ صور الطبيعية بلبنان.
"يعمل لبنان تحت وطأة ثقب أسود تشريعي"
الجزء الأول: بقايا الفوضى – ندوب لبنان الكيميائية وظلال الحرب
في لبنان، تتشابك قصة الصيد بالديناميت بشكل وثيق مع التآكل التاريخي لهيبة الدولة وندوب النزاعات المسلحة. فمن على شرفة ساحلية، يقوم “زياد”*، وهو صياد ستيني تحمل يداه ندوب أربعين عاماً من التعامل مع المواد الكيميائية، بلف مسحوق ناعم بلون المغرة، وهو طيع كالصلصال، ليحوله إلى كتلة متماسكة. يثقلها بحجر بسيط ويزودها بفتيل مربوط بدقة؛ هذه العبوة المبتكرة، المرعبة ببسالتها، محشوة بنترات الأمونيوم: وهو سماد زراعي سيء السمعة في لبنان بقدرته التدميرية الهائلة على إبادة أسراب كاملة من الأسماك في لمحة عين.
تسارع الصيد بالمتفجرات على الساحل اللبناني
- 1973 الانهيار المدني: هيمنة الميليشيات والمقايضة القسرية بالديناميت.
- أزمة ما بعد 2020 الاقتصادية: قفزة في أسعار أكياس المواد الكيميائية (من 27$ إلى 250$+).
- النزاع المسلح: انقطاع سلاسل التوريد عبر الضاحية الجنوبية لبيروت.
- التهرب من الرادارات: قذف المتفجرات من الشواطئ الصخرية المحاذية للمنازل السكنية.
يتذكر زياد قائلاً وهو يعيد جذور هذه الممارسة إلى بدايات الحرب الأهلية اللبنانية: “بدأ الأمر كله عام 1973، في بداية الأحداث. انتشرت الفوضى، واختفى الأمن، وانهارت النقابات… كانت تلك أيام الفوضى العارمة”. ولكي يتمكن من الاستمرار في كسب عيشه من البحر، لم يكن أمام الشاب اليافع آنذاك من خيار سوى وضع نفسه تحت حماية الميليشيات المحلية التي فرضت سيطرتها على الشاطئ، وحولت مهنة الصبر إلى سباق محموم وراء العائدات العنيفة عبر تزويده بالمتفجرات.
ويصف زياد تلك الحقبة بالقول: “كانت الميليشيات تسيطر على الخط الساحلي، ولللإبحار أو الخروج من الماء، كان عليك المرور عبرهم. كانوا يطلقون النار في الهواء لإخافتنا وسرقة صيدنا. وسواء كنت شرطياً أو مدنياً، كانوا يأخذون ديناميتك وأسماكك بقوة السلاح”.
وعلى الرغم من أن زياد يزعم اليوم أنه توقف عن هذه الممارسة، إلا أنه لا يزال يحتفظ بمخزون صغير “كذكرى”. لكن الواقع الاقتصادي القاسي لحق بآخر “قاصفي البحر”؛ إذ أدت الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد منذ مطلع عام 2020 إلى قفز أسعار المواد الكيميائية بشكل جنوني، فكيس المواد الكيميائية بوزن 50 كيلوغراماً، والذي كان سعره يقارب 27 دولاراً قبل الأزمة، بات يُباع اليوم بأكثر من 250 دولاراً. علاوة على ذلك، فإن طرق التوريد والاستحصال التي كانت تتم غالباً عبر الضاحية الجنوبية لبيروت انقطعت تماماً جراء الغارات الجوية العسكرية، مما جعل تأمين هذه المواد أمراً شبه مستحيل.
ومع ذلك، من على متن فلوكته، يشرح زياد آلية العمل نظرياً: “أرصد أسراب الأسماك في أماكن تجمعها، نُشعل الفتيل، ونقذف العبوة لتغرق ببطء تحت الماء. وعند الانفجار، تخلق الشحنة موجة صدمة هائلة: يطفو كل كائن حي على السطح، بعد أن يُقتل فوراً”.
الثقب الأسود التشريعي والمحميات المخلة
على بعد بضعة كيلومترات شمالاً في طرابلس بلبنان، يتأمل سامر فتفت، الباحث في علم الأحياء البحري ومدير محمية جزر النخل الطبيعية، حجم هذه الكارثة. وبالنسبة له، شكلت الأزمة الاقتصادية عام 2020 نقطة تحول بنيوية.
“على مدى السنوات الخمس الماضية، تراجع المخزون السمكي بنسبة تفوق النصف”، يحذر فتفت. ويشير مباشرة إلى نفاق تشريعي صارخ؛ فبينما تحظر المادة 25 من قانون عام 1929 استخدام المتفجرات حظراً قاطعاً، يلتزم القانون الصمت التام إزاء كمبريسور الهواء. فهذه الأداة، المصممة أساساً لمساعدة الغواصين على البقاء تحت الماء لفترات طويلة، يتم تحوير استخدامها هنا.
ويؤكد فتفت: “الجميع يعلم أنه بعد إلقاء الديناميت، يستخدم الصيادون هذه الكمبريسورات للغوص وجمع الأسماك الميتة التي غرقت في القاع. والسماح باستخدام هذه الأداة دون رقابة مشددة يعد تشجيعاً غير مباشر على هذه المجزرة”.

وإلى الجنوب، يزداد الوضع قتامة؛ إذ تواجه محمية شاطئ صور الطبيعية، وهي أكبر منطقة بحرية محمية في لبنان وتمتد على مساحة 125 كيلومتراً مربعاً، موجة غير مسبوقة من الإفلات من العقاب؛ حيث اضطر مديرها، علي بدر الدين، إلى الفرار شمالاً بسبب القصف العسكري العنيف.
وتؤكد سلام جبور، المهندسة في وزارة الزراعة ورئيسة دائرة التنمية الريفية والثروات الطبيعية في الجنوب، أن مراكز المراقبة الحيوية، ولا سيما مركز صور بلبنان، جرى إخلاؤها بالكامل بسبب الغارات الجوية، في حين تقبع بلدة الناقورة الحدودية تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
ونتيجة لذلك، طور الصيادون الخارجون عن القانون استراتيجيات جديدة للالتفاف على تدقيق الجيش اللبناني في الموانئ وتفتيش رخص الصيد؛ إذ باتوا يقذفون عبواتهم المتفجرة مباشرة من الشواطئ الصخرية المحاذية للمنازل السكنية، مندمجين في المحيط المدني للتهرب من الرادارات العسكرية.
الصحراء المائية
يعرض علي عبر شاشة كمبيوتره مقاطع فيديو صادمة التقطت أثناء الغوص لما يفترض أن يكون مروجاً مزدهرة من عشب البحر (بوسيدونيا) ومستعمرات مرجانية؛ فلا يظهر في المشهد سوى فوهات رمادية قاحلة. ويصف المشهد قائلاً: “انظر، يبدو قاع البحر كأنه صحراء. هذا النظام البيئي هو ملجأ للكائنات، وفيه تولد الأسماك وتتغذى وتكبر. وإعادة إحياء هذه المناطق أمر بالغ الصعوبة؛ فبعض الموائل، مثل أرصفة خطوط الديدان الأنبوبية أو التجمعات المرجانية، تستغرق عقوداً لتتشكل، والديناميت يدمر كل شيء: الأعشاب البحرية، المغاور، والشقوق الصخرية”.
ويكمل سامر فتفت هذه الصورة القاتمة بتفصيل الأثر الفيزيائي للانفجار: “موجة الصدمة لا تقتل الأسماك المستهدفة فحسب، بل تبيد العوالق الحيوانية والنباتية وكل الكائنات الحية الدقيقة. الكائنات خنثوية الحجم، والأسماك الصغيرة الفتية… كل شيء يُسحق تماماً في محيط الانفجار”.
الجزء الثاني: صحراء سوريا المائية، الاختناق التشغيلي، وطريق المساءلة
بالانتقال عبر الحدود إلى سوريا، يمثل البحر الأبيض المتوسط ملاذاً اقتصادياً يهرب إليه المواطنون والمواطنات في ظل الظروف المعيشية الخانقة وقلة فرص العمل. ومع ذلك، حوّل الانتشار العشوائي وغير القانوني للصيد بالديناميت هذا المورد العام المشترك إلى ملكية حصرية محتكرة من قبل أولئك الذين يملكون المتفجرات؛ فالبحر، الذي يبدو للوهلة الأولى مساحة ساكنة ومنعزلة عن الاضطرابات السياسية، يشهد تحولاً بيولوجياً جذرياً وخطراً يقضي على الثروة السمكية بفعل الأنشطة البشرية.
الإطار القانوني والخرق الميداني
ينص المشرّع السوري صراحة على تجريم هذه الآفة البيئية بموجب القانون رقم 48 لعام 1976، الذي يحظر حظراً تاماً الصيد بالمواد المتفجرة (كالديناميت)، أو الصعق الكهربائي، أو السموم، ويعتبر هذا الفعل “إبادة جماعية للأحياء البحرية”. ويواجه المخالفون عقوبات صارمة تشمل السجن، والملاحقة القضائية بتهمة حيازة وتصنيع مواد متفجرة يدوياً، والإحالة على القضاء الجنائي.
ومع ذلك، تصطدم هذه النصوص القانونية بوقائع وممارسات تمنع تنفيذها بفعالية على الأرض؛ إذ لا يزال الصيد بالديناميت قائماً ومستمراً بكثافة، حيث يكثر على أطراف المدن الساحلية بشكل مخفٍ وغير معلن، مستغلاً قلة المراقبة والمتابعة، والقصور الإداري، وشبكات الفساد والمحسوبيات التي تغض الطرف عن المخالفين وتسمح لهم بالتهرب من العقاب.
وفي مدينة جبلة بسوريا، يؤكد الأستاذ محمد الكنج، المسؤول عن جمعية الصيادين، أن المتابعة والرقابة هي في حدودها الدنيا. ويقول: “الصيد بالديناميت لم يتوقف على السواحل السورية، وخاصة على أطراف مدينة اللاذقية بسوريا”، واصفاً قاع البحر بالمدمر والمتدهور جراء الانفجارات العنيفة التي تفتت الصخور وتعدم المغاور التي تشكل الموئل الطبيعي والحاضنة للأسماك الصغيرة الفتية.
ويضيف الكنج: “لا يوجد في طريقة الصيد هذه أسماك مستهدفة؛ فكل الكائنات الحية مشروع قتل وإبادة للبحر”، مشيراً إلى أن المتفجرات تقضي على الأعشاب البحرية والكائنات الدقيقة وتسمم المياه، مما يقتل كل أنواع السمك الصالح للاستهلاك وغير الصالح، مما يهدد وجود فصائل محلية برمتها، مثل: السردين، والبلميدا، والعصفيري، والمرمور، والسلطاني، والكربال.
شهادات من الواقع الساحلي
يعيش سكان المناطق الساحلية والعمال الصادقون وطأة هذه الكارثة يومياً؛ فتتحدث السيدة نهى م.*، وهي تقطن في ريف جبلة بسوريا بالقرب من أماكن الصيد بالديناميت، عن واقع مرير: “أصوات التفجيرات القوية تشبه القصف الهائل؛ حيث يهتز المنزل وتستيقظ عائلتي عليها في كل مرة، وهي تحدث غالباً في الليل للتهرب من الرصد. ولا يمكننا الإبلاغ أو الشكوى خوفاً من الانتقام والتهديدات التي قد تلاحقنا”.
"أصوات التفجيرات القوية تشبه القصف الهائل"
أما الصيادون التقليديون، فيواجهون تحديات معيشية خانقة؛ فيسرد عباس مراد*، وهو صياد قديم على ميناء اللاذقية بسوريا، معاناته قائلاً: “يضيق العمل بالصيد يوماً بعد يوم، ووضع البحر ينحدر تدريجياً مع الزمن بعد تدمير البيئة الحيوية؛ مما أدى إلى هجرة الأسماك وقلة كثافتها وندرة أنواع عديدة. فيمر عليّ أيام قد لا أتمكن فيها من صيد سمكة واحدة، وذلك لأن التفجيرات لا تتوقف حتى في مواسم وضع البيوض والتكاثر الحرجة، كما يصعب الإبلاغ بسبب غياب الحلول الجذري والأمان”.
ويضيف الصياد أ.م أن معاناة الصيادين في الميناء لا تقتصر على غياب السمك، بل تزيدها القوانين الصارمة والعشوائية، وعدم التنظيم في العمل والإدارة، مما يرفع من مستوى اليأس وقلة الإنتاج.
وفي المقابل، يكشف الصياد أ.ص (اسم مستعار)، وهو ممن يلجؤون للصيد بالمتفجرات، عن الدوافع المادية الخانقة وراء هذه الظاهرة: “قلة الإنتاج، وانعدام فرص العمل، والحاجة المادية الملحة هي ما دفعني للمخاطرة والصيد بالمتفجرات لضمان أكبر كمية ممكنة من السمك. أعلم تماماً أنها مخاطرة كبرى؛ سواء بسبب الأذى الجسدي والاحتمالية العالية للتعرض لبتر أو تشوه، أو بسبب التجريم والعقوبة القانونية. وأدرك حجم الضرر البيئي الذي أسببه لمستقبل الثروة السمكية، ولكن لا توجد طريقة أخرى لأعيش وأتحمل نفقات عائلتي. لو توفرت لي فرصة لشراء قارب ومعدات صيد قانونية، وتم تنظيم العمل وتحسين ظروف الصيد، سأتوقف عن الصيد بالديناميت فوراً”.
تضييق تشغيلي على الصيادين النظاميين
بينما يتحرك صيادو المتفجرات بحرية في عتمة الليل، يواجه الصيادون النظاميون تضييقاً تشغيلياً كبيراً في ساحل اللاذقية بسوريا؛ إذ تُفرض عليهم قوانين صارمة تحدد كيف ومتى وأين يصيدون، مما يمنعهم من التنقل بحرية على طول الساحل السوري لمتابعة مواسم الصيد.
ويشرح الصياد محمد صهيوني هذه العقبات اللوجستية: “يتحكمون في أوقات سحب الشباك؛ وإذا لم نسحبها ليلاً، نقع في خسائر مادية فادحة نتيجة تمزق الشباك وتلفها بسبب الدلافين القريبة وسمكة البالون (المنفوخ) الغازية التي تأكل المحصول. هذا كله يترافق مع ارتفاع جنوني في أسعار المحروقات التي يعتمد عليها القارب، وغلاء ثمن أدوات الصيد والشباك والمعدات التي يجب تبديلها دورياً، مما يقلص الأرباح إلى حد العدم”. علاوة على ذلك، تم منع الغوص منعاً باتاً، وهو أمر ضروري جداً لتفقد أقفاص الصيد، وصار لزاماً على كل صياد الحصول على تصريح رسمي قبل كل رحلة إبحار.
"يتحكمون في أوقات سحب الشباك وإذا لم نسحبها ليلاً، نقع في خسائر مادية فادحة"
الحلول العلمية وإعادة الهيكلة المؤسسية
من وجهة نظر علمية وأكاديمية، يؤكد الدكتور وسيم غ. من المعهد العالي للبحوث البحرية في جامعة اللاذقية بسوريا، أن الحل الجذري يبدأ بفرض تطبيق القانون بالتساوي وبحزم على الجميع، والتشدد في منع ظواهر الديناميت، والصعق الكهربائي، واللانيت (السموم الكيميائية).
ويشرح الدكتور وسيم غ. قائلاً: “نقترح خطة تتضمن وقف الصيد بكافة أشكاله لفترة سنتين كاملتين، بالتوازي مع تقديم تعويض مادي حقيقي وعادل من قبل الهيئة العامة للثروة السمكية أو وزارة الزراعة لكل مركب عامل في الصيد. وبعد هذه الفترة، يجب الالتزام الصارم بنوعية الشباك المستخدمة بحيث لا يقل قياس فتحات الشباك عن 32 ملم لمدة موسمين متتاليين؛ لنضمن أن كل سمكة تضع بيوضها مرتين على الأقل قبل صيدها ويصبح طولها بحدود 32 ملم. ويترافق ذلك مع منع الصيد منعاً باتاً خلال فترة التكاثر الممتدة من نيسان حتى آب. والنتيجة المستدامة لتعافي البيئة البحرية تظهر واضحة بعد ثلاث سنوات تقريباً”.
ويضيف أن الديناميت يدمر القيعان وكتلة الماء بما تحويه من أحياء، مما يضرب السلسلة الغذائية؛ إذ يقتل بيوض الأسماك، والأسماك التي لم تبلغ جنسياً، والأمهات؛ مما يهدد أنواعاً مستقرة لا تغادر هذه المناطق، ومنها: الكربال، وبراق، ومرلان، واللقز (الهامور)، وأشترب رملي، وأشترب صخري، والسلطان إبراهيم.
وفي ما يتعلق بالخلل في تنفيذ القوانين، يوضح مسؤول في خفر السواحل باللاذقية بسوريا أن القصور يكمن في النواحي اللوجستية والإدارية بعد التغيرات السياسية الأخيرة: “الخلل في التنفيذ على الأرض يعود لضعف الإمكانيات؛ فعدد الكوادر قليل، والخبرات تحتاج إلى وقت لتنظيم العمل والاتصال، والتدريبات للعناصر القائمين على المتابعة هي قيد الإنشاء حالياً.
وبما أن المؤسسات بدأت بإعادة تشكيل نفسها، فإننا نعمل بجهد لتطوير مهارات تخصصية تكشف طرق الصيد غير القانونية، بالتوازي مع إطلاق حملات توعية شاملة للصيادين والتجار لتعريفهم بالمسموح والممنوع وأضرار كل طريقة. ورغم هذه الصعوبات، شهدنا في العام الأخير انخفاضاً ملحوظاً في استخدام الديناميت، وبدأت أعداد المقبوض عليهم بالنزول تدريجياً”.
الجزء الثالث: تجميد البنية التحتية في ليبيا بعد 2011، أزمات “الجلاطينة”، والتحولات البيئية
إلى الغرب على طول ساحل شمال أفريقيا، تمتلك ليبيا أطول وأهم ساحل استراتيجي في المنطقة، يمتد لأكثر من 1,770 كيلومتراً. ونظراً لاعتماد اقتصادها بشكل أساسي على قطاع النفط الريعي، فقد تعرض التنوع البيولوجي الغني والثروة السمكية لإهمال منهجي؛ إذ توجّه الاهتمام المالي بالكامل نحو استخراج الوقود الأحفوري. ومنذ الاضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة عام 2011، أدى التشرذم الحكومي المستمر والضغوط الاقتصادية الصعبة إلى شلل قدرة الدولة على إدارة ومراقبة مخزونها السمكي، مما خلق بيئة خصبة لتفشي الجرائم البيئية والفساد.
العجز في البيانات واستئناف العمل في البنية التحتية
استناداً إلى البيانات الشاملة لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لعام 2017، قُدّر حجم صيد ليبيا السنوي من الأسماك بنحو 32 ألف طن، وهو رقم يمثل تراجعاً حاداً بنسبة 50% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2011. جرى تأمين هذا الإنتاج المتناقص عبر أسطول يقدر بنحو 4,534 سفينة (معظمها قوارب صيد تقليدية صغيرة يقل طولها عن 24 متراً ذات قدرات بدائية ومحدودة)، ويعمل في هذا قطاع 50,603 أشخاص في مجال الصيد البحري، إلى جانب 480 شخصاً في مجال الاستزراع المائي.
وتاريخياً، كانت ليبيا قد أدركت الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع؛ حيث بدأت عام 2005 بتنفيذ خطة بنية تحتية طموحة لتطوير وتحديث العديد من الموانئ المخصصة لمصايد الأسماك البحرية. ورغم توقف هذا التقدم العمراني تماماً بين عامي 2011 و2021 بسبب عدم الاستقرار السياسي والنزاعات، تشير البيانات الميدانية المتاحة لعام 2025 إلى أن العمل الفني قد استؤنف مؤخراً لصيانة وتحديث واستكمال عدد من هذه الموانئ المتوقفة، وهو مؤشر مؤسساتي إيجابي على الالتزام بتنشيط قطاع الثروة السمكية.

من قلب طرابلس: مهرجان “الجلاطينة” المدمر
رغم هذه التطورات الموضعية في الموانئ، فإن الواقع اليومي للصيادين التقليديين لا يزال محفوفاً بالتحديات الجسيمة؛ إذ أدى غياب الأمن والرقابة والمساءلة إلى استغلال الصيادين غير القانونيين للوضع عبر استخدام متفجرات شديدة التدمير تُعرف محلياً باسم “الجلاطينة” (وهي متفجرات جيلاتينية مصنعة يدوياً) أو مادة الـ TNT العسكرية المستخرجة من مخلفات الحروب.
ويشارك صياد من طرابلس في أواخر الثلاثينيات من عمره، يُدعى (أ. أ.)، شهادته الحية عن بداية الانهيار بعد عام 2011، قائلاً: “شهدت البلاد انتشاراً واسعاً للمتفجرات في الصيد جراء غياب سلطة القانون؛ حيث تضررت مناطق بحرية بأكملها بلمحة عين. وكانت فترتا 2012 و2013 بمثابة مهرجان مفتوح للمتفجرات في أوساط مجتمع الصيد في طرابلس، حيث جرى قصف الخلجان بكاملها”.
وعلى الرغم من أن زيادة وعي الصيادين وتحسن التواصل بينهم في طرابلس، إلى جانب المراقبة المحلية، قد ساهمت مؤخراً في الحد من كثرة هذه “المهرجانات” العلنية، إلا أن الأضرار البيئية الجسيمة تزامنت مع أزمة تغير المناخ التي يواجهها الساحل الليبي؛ والمتمثلة في ارتفاع درجات حرارة المياه، والعواصف الرملية المتكررة، والجفاف، مما أدى إلى انهيار تدريجي للنظام البيئي البحري برمته.
وينوه الكابتن طلال عثمان من مركز بنغازي للغوص والإنقاذ (وهو مدرب غوص وإنقاذ دولي متخصص وله مشاركات وبحوث عديدة في المجال البحري)، بأن تأثير الجلاطينة على الساحل الليبي ترك أثراً سلبياً حاداً غير مسبوق؛ حيث يوضح من خلال ملاحظاته الميدانية: “أدى الصيد الجائر بالمتفجرات إلى حدوث عزوف وهجرة جماعية للأسماك من موائلها الطبيعية، وتراجع المخزون بشكل مخيف، مما انعكس سلباً وبشكل مباشر على المواطن من ناحية الارتفاع الفاحش في الأسعار في الأسواق وصعوبة الحصول على أنواع عديدة من الأسماك التي كانت تعتبر قوتاً يومياً أساسياً”.
التهديدات الثلاثية: التلوث، خسارة الموائل، والأنواع الغازية
يختنق الساحل الليبي المعاصر اليوم تحت وطأة ثلاثة ضغوط بيئية متداخلة تؤثر سلباً في تدفق النظام البيئي وصحته:
- مياه الصرف الصحي المكشوفة وغير المعالجة: تُضخ كميات هائلة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة في مياه البحر عبر الشبكات المكشوفة، مما يؤدي إلى اختلال حاد في النظام البيئي، ونقص مستويات الأكسجين المذاب، والتأثير السلبي على نمو الطحالب والعوالق، فضلًا عن تدهور المراعي البحرية التي تشكل أساس السلسلة الغذائية. هذا التأثير دفع الأسماك إلى الفرار نحو الأعماق السحيقة؛ فبعدما كان الصيد يمارس على أعماق لا تتجاوز 35 متراً، اضطر الصيادون للإبحار والصيد على أعماق تصل إلى 200 متر، مما يرفع كلفة الوقود والمعدات. وكما قال أحد الصيادين: “يزداد الوضع سوءاً عاماً بعد عام، لقد أصبح الصيد محبطاً ومكلفاً للغاية في ظل الغلاء”.
- الأبادة التامة للمكونات الهيكلية لقاع البحر: لا يقتصر التدهور على انخفاض الأعداد، بل يعكس انهياراً للمكونات الهيكلية؛ حيث انخفضت أعداد قنافذ البحر بشكل ملحوظ، وتدهورت الشعاب المرجانية، واختفى المرجان الأحمر تماماً (وهو المؤشر الرئيسي على صحة البيئة البحرية في المتوسط)، إلى جانب اختفاء مساحات شاسعة من أحواض أحياء الأعشاب البحرية الكبيرة التي تخزن الكربون وتوفر الموائل الطبيعية مثل مروج عشب البحر.
- تحول الموازين البيولوجية: مع تغير التيارات البحرية وارتفاع حرارة المياه، تلاشت أسماك محلية شهيرة مثل “المناني” (اللقز/الهامور) وبعض الرخويات، وانكمش الحجم المتوسط لأسماك الكارب المحلية. وفي المقابل، اجتاحت الساحل موجة من الأنواع الغازية المرتبطة بالمناخ والقادمة عبر قناة السويس: مثل أسماك الواهو، والسمك السام، وأسماك الأسد، والسرطان الأزرق، وسمك الفرانكولين النمري، مما غيّر تماماً شكل الحياة تحت السطح.
التوصيات التشريعية والأمنية للساحل الليبي
لإنقاذ ما تبقى من الثروة البحرية، تجمع المقابلات والآراء المهنية على ضرورة الإسراع في تعديل القانون رقم 5 لعام 1987 المتخصص بتنظيم الصيد البحري وتجريم الصيد الجائر بالمتفجرات والجلاطينة. وقد جرى تقديم تعديل تشريعي هام بين عامي 2023 و2024 لمعالجة هذه الأزمة بشكل مباشر، ومع ذلك، يشدد الخبراء على وجوب تحديث الإطار القانوني الأوسع؛ نظراً لأن العقوبات المالية والجنائية التاريخية أصبحت قديمة وغير رادعة أمام حجم التخريب الحالي.
ويشدد المصلحون على وجوب فرض عقوبات صارمة وتكثيف الجهود الأمنية عبر نشر وتسيير دوريات مشتركة من القوات البحرية والأجهزة المختصة حول بؤر الصيد بالجلاطينة المنتشرة في عدة أماكن من الساحل الليبي، لفرض هيبة القانون وحماية الأمن الغذائي القومي للبلاد.
الجزء الرابع: المائدة المسمومة وطريق الإنقاذ والتعافي
لا تتوقف تداعيات هذه الأزمة الإقليمية عند حدود تدمير قاع البحر، بل تحولت إلى تهديد مباشر يمس الصحة العامة؛ ففي لبنان، كشفت التحاليل المخبرية التي أجراها فريق الباحث سامر فتفت عن خطر كيميائي غير مرئي يقبع داخل لحوم هذه الأسماك، إذ تمتص أنسجتها كميات هائلة من النترات جراء الانفجار.
ويحذر فتفت قائلاً: “أظهرت نتائج العينات أن مستويات النترات في بعض الأسماك المقتولة بالديناميت كانت أعلى بـ 5 إلى 10 مرات من الحد الأقصى المسموح به للاستهلاك البشري. هذا بمثابة سم مباشر للجهاز الهضمي والبلعوم، ويحمل مخاطر عالية للإصابة بأمراض سرطانية على المدى الطويل”.
وينعكس هذا الموت العنيف على المظهر الخارجي للأسماك، وهو ما تشرحه مهندسة وزارة الزراعة سلام جبور لإرشاد المستهلكين في الأسواق المحلية: “السمك المصطاد بالديناميت يظهر غالباً بظهر مكسور (عمود فقري مهشم)، وعيون محتقنة بالدم، أو أحشاء داخلية ممزقة ومسحوقة تماماً. وإذا كانت اللحوم طرية بشكل غير طبيعي والعظم المركزي مكسوراً، يجب الامتناع عن الشراء فوراً؛ فإيقاف طلب المستهلكين وتوعية التجار هو السلاح الأقوى لقطع دابر هذه التجارة”.

صياغة الحلول المستدامة
رغم الحروب المستمرة والتحديات الاقتصادية، يرفض علماء البحار والناشطون البيئيون الاستسلام في الدول الثلاث؛ إذ يطرحون إطاراً علمياً يعتمد على تفعيل “المناطق البحرية المحمية” (MPAs) لتحقيق ما يُعرف علمياً بـ “أثر الارتداد أو الفائض” (Spillover Effect)، وهو مكون حيوي في الاستراتيجيات الإقليمية المتوافقة مع أهداف حماية المحيطات العالمية “30×30” لحماية 30% من محيطات العالم بحلول عام 2030.
من خلال الفرض الصارم لمنع الصيد في مناطق ملاذات آمنة (غالباً في نطاق 500 متر من الساحل)، تُعطى الأسماك الفرصة الكاملة للنمو والتكاثر بسلام. ومع ارتفاع كثافتها، تخرج أعداد كبيرة منها طبيعياً خارج حدود المحمية لتعيد استيطان مناطق الصيد المسموحة، مما يخلق دورة إنتاج مستدامة للصيادين.
ويبقى التحدي الأكبر حجر أساسه “الإنسان”؛ لتغيير العقلية والتمييز بين “الصياد المسؤول” الذي يفكر في الأجيال القادمة واستدامة المخزون، وبين “الصياد المفترس”. ويؤكد علي بدر الدين على أهمية احتواء المخالفين في الحوار: “الصياد الذي يستخدم الديناميت قد يجني أموالاً كثيرة اليوم، لكنه غداً لن يجد شيئاً يصطاده، وعلينا إفهامهم أنهم الخاسر الأكبر في هذه الكارثة”.
وتوازياً مع ذلك، بدأت البرامج الدولية لتقديم بدائل عملية؛ إذ أطلقت وزارة الزراعة اللبنانية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مبادرة لتبديل المعدات، يقضي بتسليم الصيادين شباكهم الضيقة وغير القانونية مقابل الحصول على شباك ومعدات قانونية مطابقة للمواصفات الدولية تحمي صغار الأسماك وتضمن ديمومة البحر.
وعلى وقع أمواج نيسان الباردة، يمسك “زياد” بمقود فلوكته تاركاً وراءه تاريخه مع المتفجرات، ليعيش ما تبقى من عمره بسلام مع البحر: “عندما أكون تحت الماء، أنسى من أنا… تحت الماء أنسى نفسي، وأنسى العالم كله؛ أنسى أعدائي، وأنسى ذكرياتي، وأنسى كل شيء”.
*أُعيدت صياغة الأسماء أو حُجبت لأسباب تتعلق بسلامة وأمن المتحدثين.
المراجع وتوجيهات المصادر الرقمية:
- منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) – مستودع المعارف المفتوح: لمراجعة بيانات إنتاج المصايد الإقليمية في البحر المتوسط، وإحصاءات العمالة، ومعايير برامج تبديل الشباك، يمكنكم مراجعة قاعدة بيانات قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية التابعة للفاو.
- الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) – البوابات الرقمية: للاطلاع على السياق العلمي والتشريعي للتنوع البيولوجي البحري، وقوانين عام 1929 التاريخية، والخرائط المساحية للمناطق البحرية المحمية، يمكنكم مراجعة تقارير صون الطبيعة الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
- المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية (NCBI) – مستودع المجلات الطبية: لتوثيق الأدلة العلمية حول أثر مياه الصرف الصحي على السواحل، وظاهرة هجرة الأسماك نحو الأعماق السحيقة، والدراسات المقارنة حول التراكم الكيميائي السام في الأحياء البحرية، يمكنكم مراجعة أرشيف المعارف البيئية في مستودع PMC.













