لم يكن العنف الذي عاشته الشابة الجنوبية مريم (اسم مستعار) من بلدة عيناتا والتي لم ترغب بذكر اسمها الحقيقي، جسديًا بالمعنى الظاهر فقط، بل مسّ جسدها وصورتها عن نفسها وحريتها في القرار. بدأت قصتها في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، حين كانت في الثامنة عشرة من عمرها. ارتبطت بخطوبة بدافع الحب، وكانت ترى فيه شريك حياتها، ورجل أحلامها.
لكن الخطوبة التي استمرت نحو خمس سنوات تحولت، بحسب وصفها، إلى “الأسوأ في حياتها”. لم تكن قادرة في تلك المرحلة على فهم ما تعيشه أو التعبير عنه. كانت العلاقة تضيق تدريجيًا حولها عبر إهانات متكررة، وتهديدات مبطّنة، وإقناع دائم بأنها “ملك له”، وأن “المجتمع لن يقبل بها” إذا حاولت الانفصال.
لم تكن هذه العبارات آراء عابرة، بل أدوات لإحكام السيطرة عليها. فقد حوّل العلاقة الجسدية التي حصلت بينهما إلى وسيلة تهديد وابتزاز نفسي، مكررًا عليها أنها “لم تعد عذراء”، وأنها إذا تركته فلن يقبل بها أحد ولن يتزوجها أحد. إلى ذلك كان يتعامل معها كأنها أصبحت ملكًا له، وكأن جسدها صار سببًا لإسكاتها وإبقائها داخل علاقة الخطوبة.
في إطار ذلك، تُظهر الدراسات حول العنف القائم على النوع الاجتماعي أن العنف داخل العلاقات لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل أيضًا الإكراه الجنسي، والإساءة النفسية، والسلوكيات المسيطرة. وتعرّف منظمة الصحة العالمية عنف الشريك الحميم بأنه سلوك داخل علاقة حميمة يسبب أذى جسديًا أو جنسيًا أو نفسيًا، بما في ذلك الإكراه الجنسي والإساءة النفسية والسلوكيات التحكمية.
العنف داخل العلاقات لا يقتصر على الاعتداء الجسدي،
بل يشمل أيضًا الإكراه الجنسي، والإساءة النفسية، والسلوكيات المسيطرة
في حالة (مريم)، كانت السيطرة تعمل عبر نقطة شديدة الحساسية اجتماعيًا: العلاقة الجسدية وما يرتبط بها من عواقب إجتماعية بغض النظر ان كانت مخطوبة أو لا. فالمشكلة لم تكن في العلاقة الجسدية بحد ذاتها، بل في الطريقة التي استُخدمت بها ضدها. جرى تحويلها إلى دليل اتهام دائم، وإلى سبب لإسكاتها، وإلى أداة لانتزاع حقها في القرار.
تتابع (مريم): “كان يقول إنني انتهيت، وأنه لن يقبل بي أحد بعده، وكان يرفع صوته عليّ فأجلس في الزاوية وأغلق أذنيّ”. هذا الوصف يتقاطع مع مفهوم “السيطرة القسرية”، الذي يشير إلى نمط متكرر من السلوكيات الهادفة إلى إخضاع الضحية عبر العزل، والتهديد، والإذلال، وتقليص القدرة على التصرف. وتصف منظمة “ويمينز اييد” Women’s Aid، السيطرة القسرية بأنها “قيود غير مرئية” تخلق خوفًا يمتد إلى مختلف جوانب حياة الناجية، وتحدّ من حريتها وقدرتها على الفعل .
لم تقتصر سلوكيات المعتدي على الكلام، بل شملت أيضًا قطع التواصل معها لفترات طويلة قد تمتد إلى أشهر عند الغضب. ومع الوقت، فقدت تدريجيًا قدرتها على التعبير، إلى حد أنها لم تعد تعرف ما تريد. وتصف تلك المرحلة بأنها كانت كأنها “شخص يعيش في عالم آخر لا يراه أحد”.
تقول (مريم): “تحولت التهديدات إلى خوف داخلي دائم. أخشى إخبار شقيقي أو عائلتي بما أعيشه، لأنني أخاف من الحكم عليي. فالعبارات التي يكررها زرعت في رأسي أن المجتمع لن يرحمني، وأنني إذا غادرت العلاقة سأدان انا بدل أن يُدان هو”.
وقد أشارت بيانات صادرة عن وكالات أممية حول “اختبار العذرية” إلى أن التوقع الاجتماعي بأن تبقى الفتاة أو المرأة “عذراء” يقوم على تصورات نمطية تحدّ من حرية النساء الجنسية داخل الزواج وخارجه، وأن هذه التصورات مؤذية للنساء والفتيات.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسات إلى رقابة داخلية. بدأت تفرض على نفسها الصمت وتقيّد تصرفاتها تفاديًا لأي رد فعل.
تروي (مريم) كيف توقفت عن رؤية صديقاتها، وامتنعت عن زيارة أقاربها، وابتعدت عن أي تواصل اجتماعي. كما فقدت ثقتها بمظهرها، وشعرت بخجل دائم من الظهور أمام الآخرين، حتى باتت تتجنب اللقاءات بالكامل.
حين يصبح الجسد وسيلة للامتلاك
في جوهر هذه التجربة، يصبح الجسد ساحة للهيمنة. لا يكتفي المعتدي بإهانتها أو رفع صوته عليها، بل يعيد تعريفها في نظرها: “أنتِ لم تعودي كما كنتِ”،”لا أحد سيقبلكِ”، “أنتِ لي”. هذه العبارات لا تؤذي لحظيًا فقط، بل تعيد تشكيل وعي الضحية بذاتها. تبدأ بالتفكير من داخل اللغة التي فُرضت عليها، وتنسى تدريجيًا أن قيمتها لا يحددها رجل، ولا علاقة، ولا حكم اجتماعي قاسٍ.
الأخطر أن هذا النوع من العنف يستمد قوته من المجتمع نفسه. فلو لم تكن هناك وصمة قاسية مرتبطة بجسد المرأة وعذريتها وحقها في الزواج، لما امتلك هذا التهديد كل هذه القوة. المعتدي لا يهدد وحده؛ هو يستخدم خوفًا اجتماعيًا جاهزًا، ويحوّله إلى قيد شخصي.
وتشير أدبيات العنف المرتبط بمفاهيم “الشرف” إلى أن هذا النوع من العنف يعمل غالبًا كآلية ضبط اجتماعي، تفرض الامتثال للمعايير وتعاقب الخروج عنها.
لذلك، لا يكفي النظر إلى هذه التجربة كعلاقة مؤذية بين شخصين فقط. هي أيضًا مرآة لبنية اجتماعية تمنح المعتدي أدواته: الخوف من الفضيحة، والخوف من فقدان فرص الزواج، والخوف من أن تُحاكم الضحية بدل أن تُحمى.
رحلة التعافي ومعنى الاستقلال
جاءت نقطة التحول خلال دراستها في مرحلة الماجستير، تقول (مريم):”حين ابتعدت نسبيًا عن محيط العلاقة، بدأت أفكر في وضعي بطريقة مختلفة”. في تلك المرحلة، لاحظ بعض أصدقائها حالتها النفسية وقدموا لها الدعم. وبعد خمس سنوات من الصمت، قررت مصارحة شقيقها بكل ما كانت تعيشه.
كان رد فعل شقيقها حاسمًا. لم يحمّلها الذنب، ولم ينظر إليها كما كانت تخشى أن ينظر إليها المجتمع، بل ذكّرها بأن قيمتها لا يحددها ما حدث داخل علاقة مؤذية. قال لها إن من لا يحبها كما هي، ولا يحترمها كما هي، لا يستحقها. عندها بدأت ترى أن الحياة التي فُرضت عليها ليست قدرًا، وأن الخوف الذي أبقاها داخل العلاقة كان جزءًا من السيطرة عليها. ومن هذه اللحظة، استطاعت أن تتحول من الصمت إلى قرار الانفصال.
هذا الدعم لم يكن تفصيلًا جانبيًا. في تجارب العنف والسيطرة، قد تكون العلاقة الأولى التي تصدّق الضحية ولا تدينها نقطة فاصلة بين استمرار الحصار وبداية الخروج منه. الدعم هنا لا يعني فقط التعاطف، بل إعادة تعريف ما حدث: لم تكن هي “ناقصة”، ولم تكن “ملكية” لأحد، ولم يكن بقاؤها معه قدرًا اجتماعيًا محتومًا.
في تجارب العنف والسيطرة، قد تكون العلاقة الأولى التي تصدّق الضحية ولا تدينها نقطة فاصلة بين استمرار الحصار وبداية الخروج منه
بعد الانفصال، خضعت لجلسات علاج نفسي استمرت نحو اثنتي عشرة جلسة. وتصف هذه التجربة بأنها كانت مفصلية، لأنها ساعدتها على مواجهة نفسها، وتقبّل ذاتها، وفهم ما مرت به. وتقول: “الجلسات جعلتني أرى الأمور بوضوح، واستعدت استقلالي”.
وتدعم الدراسات هذا الربط بين العنف النفسي والسيطرة القسرية وبين الأثر النفسي العميق؛ إذ تشير مراجعات بحثية إلى ارتباط السيطرة القسرية والعنف النفسي بأعراض الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة.
لم يكن التعافي مسارًا سريعًا أو خطيًا، بل عملية تراكمية أعادت فيها تعريف علاقتها بذاتها. بدأت تدريجيًا بالاهتمام بنفسها من جديد، واستعادة حضورها الاجتماعي، والانخراط في مسارها الأكاديمي والمهني بثقة أكبر. كما واصلت دراستها العليا، وسافرت، وخاضت تجارب جديدة. وتؤكد أن الدعم الذي تلقته من عائلتها وأصدقائها كان أساسيًا في هذه المرحلة.بالنسبة لها، لم يكن الاستقلال مجرد الانفصال عن علاقة مؤذية، بل القدرة على إعادة بناء الحياة وفق اختياراتها الخاصة، بعيدًا عن الإملاءات أو التهديدات. وهي اليوم تنظر إلى تلك السنوات على أنها تجربة قاسية، لكنها شكّلت نقطة تحول في حياتها. لم تعد تفكر بالزواج بوصفه مخرجًا أو إثباتًا لقيمتها، بل تفكر بعلاقة قائمة على الاحترام والدعم المتبادل. وتؤكد أنها أصبحت “تقدّر نفسها أكثر، وتعوّض ما فقدته خلال تلك السنوات”.
هذا التقرير بدعم من:
















