في أحد مباني منطقة الحمراء في المدرسة الإنجيلية في العاصمة بيروت، لا يظهر النزوح فقط كحالة فقدان للمأوى، بل كواقع يومي يختبر قدرة الأجساد على التحمّل. بين الغرف المكتظة والضجيج المستمر، تتضح تحديات إضافية تواجه ذوي الإعاقة. هنا، لا تتعلق المسألة بالأمان فقط، بل بكيفية العيش داخل مساحة تضيق بتفاصيل الحياة اليومية، من النوم والحركة إلى تلبية الحاجات الأساسية.
رعاية مستحيلة
تروي والدة علي عباس، من بلدة حولا، مسار نزوح بدأ من بلدة تولين وانتهى في بيروت، داخل غرفة صغيرة تضم 12 فردًا من العائلة. ابنها، البالغ 21 عامًا، يعاني من شلل دماغي كامل، ما يجعل العناية به مهمة شاقة في الظروف العادية، فكيف داخل مركز إيواء.
أكثر ما يثقل يومها هو العجز عن تأمين النظافة الشخصية له. منذ نحو شهر، لم يتمكن علي من الاستحمام، بسبب ضيق الحمّامات وخطر انزلاقه أثناء حمله، خصوصًا بعد تجربة كاد يسقط فيها من بين يديها. ومع الرطوبة العالية في الغرفة، تدهورت حالته الصحية، وأصبح عرضة للمرض بشكل متكرر.
بين الغرف المكتظة والضجيج المستمر، تتضح تحديات إضافية تواجه ذوي الإعاقة
ورغم تدخل بعض الجمعيات التي وفرت له عربة، جهاز تنفّس، وكرسيًا، تبقى تفاصيل الحياة اليومية هي الأصعب. رحلة النزوح وحدها استغرقت 16 ساعة، في ظروف مرهقة، زادت من هشاشة وضعه. في المنزل، كانت المساحة أوسع، والحمّام مناسبًا، والمطبخ متاحًا لتلبية احتياجاته الغذائية، أما اليوم، فكل شيء بات محكومًا بالضيق والضجيج. تقول والدته:”إن التحدي الأكبر هو أنه لا يستطيع التعبير عن ألمه أو احتياجاته، ما يفرض علينا مراقبته باستمرار لفهم ما يعانيه”.
الأمان والراحة النسبية
على كرسيه المتحرك، يجلس سامي حمود (47 عامًا)، القادم من الضاحية الجنوبية، والذي نزح مع عائلته منذ اليوم الأول للقصف. يعاني سامي من إعاقة حركية تمنعه من التنقل بمفرده، إضافة إلى صعوبة في النطق نتيجة ثقل في اللسان.
رغم ذلك، استطاع أن يعرّف عن نفسه ببضع كلمات مقتضبة، ويحيّي من حوله. وعلى خلاف كثير من الشهادات، يصف وجوده في المركز بأنه “مريح”، مقارنة بما عاشه تحت القصف. بالنسبة له، الأمان النسبي هنا يخفف من وطأة الإعاقة، ولو جزئيًا.
ضجيج يكسر الروتين
حسن ابراهيم، من بلدة الطيبة، يعيش حالة مختلفة. هو من ذوي التثلث الصبغي (Trisomy) ، ويعبّر بطريقته البسيطة عن اشتياقه للجنوب. أكثر ما يقوله بوضوح هو حبه لوالدته، وتعلقه بأحد المنظمين في المدرسة، الذي يناديه باسمه “دوشكا”ويشعره بالألفة.
لا يبدو النزوح محطة مؤقتة فقط، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه بكل ثقله
لكن الضجيج داخل المركز يشكّل عبئًا يوميًا عليه. تقول والدته:”كان معتادًا على النوم في أجواء هادئة، وهو حساس جدًا للأصوات، ما يجعل التكيف مع الاكتظاظ أمرًا صعبًا. قبل النزوح، كان يتابع دراسته في مركز رعاية خاص، حيث كان يتعلم حرفة ويُظهر تفوقًا ملحوظًا. اليوم، يكرر باستمرار أنه مشتاق إلى مدرسته، في تعبير بسيط عن فقدان روتين كان يمنحه شعورًا بالاستقرار”.
بين المرض والعجز
في زاوية أخرى من المركز، تجلس مريم محمود قبيسة (19 عامًا)، القادمة من بلدة انصار. نزحت مع والدتها منذ الأيام الأولى للحرب، قبل أن يلتحق بهما أقارب آخرون. منذ ذلك الحين، تغيّرت حياتها بالكامل.
تعاني مريم من شلل نصفي وضمور في العضلات، وتمشي بصعوبة من دون أن تتمكن من الاعتماد على نفسها. هي بحاجة إلى عملية جراحية، لكن كلفتها غير متوفرة. إلى جانب ذلك، تعاني من اضطراب عصبي ومرض السكري، من دون أن تتمكن من تأمين أدويتها بشكل منتظم.
تقول إنها تشتاق لقريتها، لغرفتها الخاصة، وللجلوس في الطبيعة. أما هنا، فحركتها محدودة، ولا تخرج إلا برفقة أهلها إلى الدكان القريب. تقول:”أكثر ما يزعجني هو الضجيج، الذي يتناقض مع حاجتي الدائمة إلى الهدوء، في ظل وضعي الصحي الهشّ”.
داخل هذا المبنى، تتجاور قصص النزوح، وتتشابه في تفاصيلها اليومية الصعبة، خصوصًا لدى ذوي الإعاقة . هنا، تتحول أبسط الأمور إلى تحديات: الاستحمام، النوم، الحركة، وحتى القدرة على التعبير عن الألم أو الحاجة. لا تقتصر المعاناة على فقدان المنزل، بل تمتد إلى تفاصيل العيش اليومي داخل مساحة مكتظة، حيث تتداخل الظروف الصحية مع ضيق المكان والضجيج المستمر. بالنسبة لكثيرين، لا يبدو النزوح محطة مؤقتة فقط، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه بكل ثقله، من دون أن يترك مساحة كافية للراحة أو الاستقرار.
هذا التقرير بدعم من:
















