في ظلِّ احتدام غيمة الحرب فوق لبنان، وموجات التهجير التي تشهدها المدن المستقبلة للعائلات النازحة، لا سيما مدينة صيدا. لم تغب روح الإنسانية عن مواكبة أحوال النازحين/ات في كل مكان. فقد تحوّلت هذه المرحلة الصعبة إلى اختبار حقيقي لقيم التضامن والتكاتف الاجتماعي.
مع ازدياد أعداد النازحين، التي بلغت نحو 816 ألف نازح في مختلف المناطق اللبنانية وفق وزارة الشؤون الاجتماعية، برزت الحاجة الملحّة إلى تأمين مقومات الحياة الأساسية، خاصة مع وجود حوالي 126 ألف شخص في 589 مركز إيواء، وتوزّع نحو 112,525 نازحًا على 514 مركزًا فعّالًا، إضافة إلى تسجيل نحو 26,000 عائلة نازحة رسميًا، فيما تراوح عدد مراكز الإيواء المفتوحة بين 514 و678 مركزًا بحسب تطوّر الأحداث. وقد زادت هذه الأرقام مع حجم التحديات، ما دفع المجتمع المحلي إلى التحرّك السريع لتأمين الغذاء والمياه النظيفة والملابس والأغطية والمستلزمات الصحية والدوائية، لا سيما للأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، حيث لم يتأخر في مدّ يد العون لكل النازحين.
همّت أعداد كبيرة من الأفراد والمبادرات الفردية الشبابية للعمل على توفير احتياجات النازحين بشكل مستقل، في المقابل، تساهم العديد من المنظمات الدولية والجمعيات المحلية في دعم النازحين، حيث تشرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) على تسجيل النازحين وإدارة برامج الحماية والإغاثة، وقدّرت مساهمتها بنحو 45% من مجمل الدعم الإنساني في مراكز الإيواء. كما يوفّر برنامج الأغذية العالمي (WFP) بطاقات غذائية وخدمات تموينية لنحو 70% من العائلات في المراكز، فيما تهتم منظمة اليونيسف (UNICEF) بتأمين المياه والصرف الصحي وتنظيم الأنشطة التعليمية للأطفال في نحو 200 مركز.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن الحرب لا تحمل فقط صور الدمار والمأساة
على الصعيد المحلي، تعمل الهيئة العليا للإغاثة على تنسيق توزيع المواد الغذائية والبطانيات في مختلف المناطق، فيما قدّم الصليب الأحمر اللبناني الخدمات الطبية والإسعافات الأولية من خلال أكثر من 60 نقطة صحية متنقلة في مناطق النزوح، كما ساهمت جمعيات محلية مثل “بيتكم بيتنا” و”العطاء بلا حدود” في دعم ما بين 15% و20% من فرص الإيواء والخدمات اللوجستية. وتشهد مدينة صيدا وغيرها من المدن التي استضافت أعدادًا هائلة من النازحين، سواء من المناطق الجنوبية أو غيرها من المناطق التي تعرّضت للتهديدات المتكررة، موقفًا إنسانيًا عنوانه العون دون مقابل، ودون الالتفات إلى الفروقات الطائفية أو الاختلافات السياسية.
تعمل المجموعات الشبابية والمبادرات الفردية المستقلة على تجميع التبرعات المالية والعينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التحويل المالي، بهدف سدّ ثغرات الحاجة المتزايدة. وتشمل هذه المساعدات مواد غذائية أساسية كالأرز، والسكر، والزيت، والمعلبات، إضافة إلى مستلزمات الأطفال مثل الحفاضات وحليب الأطفال، والمواد الصحية والمعقمات وأدوات النظافة الشخصية، فضلًا عن الفرش والبطانيات ووسائل التدفئة.
كما وتلعب المواقع الإخبارية المستقلة دورًا بارزًا في هذه المرحلة، حيث لم تعد ترتكز فقط على نقل الوقائع والأحداث، بل إلى نشر دعوات إنسانية تجمع المتبرعين وتنسّق جهود المساعدة. وأصبحت مصدرًا مهمًا لتحديد احتياجات مراكز الإيواء والمدارس التي تحوّلت إلى أماكن لاستقبال النازحين/ات. ك بالتعاون مع صيدليات ومطاعم ومؤسسات محلية قدّمت جزءًا من منتجاتها دعمًا للنازحين/ات.
“نحن بفترة صعبة جدًا ونقف في ظهر إخواننا النازحين الذين يحتاجون إلى من يقف بجانبهم، وكان تجاوبهم معنا، خاصة في شهر رمضان الذي تزامن مع الأيام الأولى للحرب، إيجابية جدًا من ناحية الاحترام والتنظيم وغيرها”، هكذا يقول أمجد ضحى، الذي كان واحدًا من المساهمين الشباب في هذه المبادرات الإنسانية المستقلة، حيث واكب احتياجات النازحين خلال الشهر رمضان الفائت، وعمل إلى جانب متطوعين آخرين.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن الحرب لا تحمل فقط صور الدمار والمأساة، بل تبرز أيضًا مواقف إنسانية تعيد نبض الوطن. فالمجتمع الذي ينهض في أصعب الظروف، ويقدّم العون دون مقابل، يؤكد أن روح التضامن لا تزال حاضرة بصلابة متجذّرة كأرز الوطن.













