في ظل تزايد أعداد النازحين/ات وتوزّعهم/ن بين خيم مؤقتة، أبنية مهجورة، ومساحات غير مهيّأة، يبرز تحدٍّ من نوع آخر لا يقل خطورة عن النزوح نفسه: الواقع الصحي. فغياب المياه النظيفة، ونقص المرافق الصحية، والاكتظاظ في أماكن السكن المؤقتة، لا يضع النازحين/ات أمام معاناة يومية فحسب، بل يفتح الباب أمام مخاطر متزايدة لانتشار الأمراض. وفي هذا المشهد، تتحوّل تفاصيل بسيطة، كاستخدام الحمّام أو تأمين مياه الشرب، إلى عوامل حاسمة في تحديد مستوى الخطر الصحي، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الوقائية.
“منتحمّل بس لنرجع على لجنوب”
يروي علي نعنوع، طفل يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، من بلدة طيردبا الجنوبية، تفاصيل نزوحه مع عائلته إلى أحد الفنادق المهجورة في منطقة عين المريسة، حيث يعيشون في ظروف قاسية تفتقر إلى الكهرباء والخدمات الأساسية. ويصف علي يومياته بأنها مليئة بالتحديات، إذ لم تعد أبسط الأمور متاحة، حتى استخدام الحمام، حيث يضطر للذهاب إلى أماكن قريبة، “منروح على الماكدونالدز لنفوت عالحمام، وأوقات ما بيخلّونا”، يقول، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية.
ويضيف أن الليل يحمل صعوبة إضافية، حيث ينام على فرشة بسيطة، ويتجنّب شرب الماء أحيانًا خوفًا من الحاجة إلى استخدام الحمام في وقت تكون فيه الأماكن مقفلة، “بالليل ما بنشرب مي، أحسن ما يصير بدنا نفوت عالحمام”، ورغم كل ذلك، لا يغيب الأمل عن كلماته، إذ يختصر كل ما يعيشه برغبة واحدة: “المهم نرجع عالجنوب… أنا اشتقت كتير للجنوب”.
"منروح على الماكدونالدز لنفوت عالحمام، وأوقات ما بيخلّونا"
تروي سكنة، وهي امرأة مسنّة نازحة من الغبيري، أنها تعيش منذ نحو أربعين يومًا على كورنيش عين المريسة، حيث تنام على قطعة كرتون في العراء، في ظل غياب أي مأوى أو بديل.
وتوضح أن الظروف المناخية تزيد من صعوبة وضعها، إذ تضطر إلى التنقّل للاحتماء من المطر، قبل أن تعود إلى مكانها مع تحسّن الطقس. وتضيف أنها تعاني من آلام في يديها وظهرها، تفاقمت مع النوم في الهواء الطلق وغياب أي رعاية صحية.
مياه محدودة… ومخاطر صحية متزايدة
تروي مريم، وهي امرأة مسنّة نازحة من منطقة الجاموس، أنها تنقّلت بين أكثر من موقع بعد القصف، من مدرسة في بعبدا إلى خيم مؤقتة في البيال، وصولًا إلى محيط المدينة الرياضية، قبل أن تعود مجددًا إلى الخيم.
وتشير إلى أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء، حيث طُرح إسكان نحو 30 شخصًا في غرفة واحدة، دفعها إلى البحث عن بدائل، رغم صعوبتها. ومع الاستقرار في الخيم، برزت تحديات صحية يومية، أبرزها محدودية الوصول إلى المياه والحمّامات، ما اضطرها إلى استخدام مرافق عامة كالمساجد أو بعض المطاعم، وسط ازدحام وضغط شديدين.
وتضيف أنها، خلال شهر رمضان، كانت تضطر إلى تقليل شرب المياه لساعات طويلة لتفادي الحاجة إلى استخدام الحمّام، مشيرة إلى أنهم أحيانًا لا يأكلون أو يشربون بشكل كافٍ لهذا السبب، ما ينعكس مباشرة على صحتهم وقدرتهم على التحمّل.
كما كانت تعتمد على مرافق محدودة للاستحمام وغسل الملابس، في ظروف من البرد وسوء التهوية. ولا تقتصر المعاناة على المياه، إذ تلفت إلى مشكلات في نوعية الطعام المقدّم، ما دفعها إلى شراء موقد صغير لإعداد الطعام بنفسها، في ظل مخاوف من عدم سلامة بعض الوجبات.
بيئة خصبة لانتقال الأمراض
يحذّر الدكتور يوسف شبلي، المختص في الصحة العامة، من أن التجمعات السكنية الكثيفة الناتجة عن النزوح، في ظل ظروف معيشية قاسية وغياب النظافة الشخصية والعامة، تشكّل بيئة خصبة لانتقال الأمراض.
ويوضح أن عدم توفّر الشروط البيئية الأساسية، من مياه نظيفة إلى مرافق صحية كافية، ينعكس مباشرة على الصحة العامة. ويشير إلى أن عدم الاستحمام لفترات طويلة قد يؤدي إلى أمراض جلدية، مثل الجرب، التي قد تتحوّل إلى أمراض معدية في حال غياب المعالجة.
ويضيف أن غياب النظافة، خصوصًا عدم غسل اليدين، يزيد من خطر الإصابة بالتهابات معوية، فيما يشكّل تلوّث مياه الشرب عاملًا إضافيًا لانتشار أمراض في الجهاز الهضمي، إضافة إلى التهابات جلدية وبولية.
وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد شبلي ضرورة تكثيف الجولات الطبية في أماكن النزوح، بهدف الكشف المبكر، ونشر التوعية، والحدّ من تفاقم الأوضاع الصحية.
تفاوت في الواقع وضغط متزايد
من جهة أخرى، يكشف مصدر مقرب من وزارة الشؤون الاجتماعية عن تعقيدات إضافية تواجه ملف النزوح، مشيرًا إلى أن بعض العائلات ترفض الانتقال إلى مراكز الإيواء الرسمية، رغم توفر الخدمات الأساسية فيها. وذلك بسبب الاكتظاظ وغياب الخصوصية، إلى جانب عوامل اجتماعية ونفسية تجعل بعض النازحين يفضّلون البقاء في الخيم.
في المقابل، تشير معطيات صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن جزءًا من النازحين يفضّل عدم الانتقال إلى مراكز الإيواء، رغم توفرها، متمسّكًا بالبقاء في مواقع قريبة من مناطق سكنه السابقة. ويلفت المصدر إلى تفاوت أوضاع النازحين، حيث تختلف الظروف بين العائلات اللبنانية والسورية والفلسطينية، في ظل محدودية الخيارات المتاحة لبعض الفئات، ما يزيد من تعقيد المشهد.
ويؤكد أن استمرار النزوح من دون حلول شاملة يفاقم الضغط على المناطق المستضيفة، ويجعل إدارة هذا الملف أكثر صعوبة، في ظل الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الجهات الرسمية والجمعيات. وفي هذا السياق، لم يكن هناك أي استجابة لبلدية بيروت للحصول على تصريح حول الوضع،واذا كان هناك أي خطو إغاثة للنازحين في الخيم.













