مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الإهانة والخوف يلاحقان أمًّا وطفلتيها

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
06/05/202611:53 م

لم تعد آثار العنف في هذا البيت تُقاس بالكدمات. فالضرب، كما تقول الزوجة لانا ابنة ال 32 عاما من بلدة ميس الجبل الجنوبية، قد توقف منذ نحو سنتين، لكن الخوف بقي حاضرًا في الصوت المرتفع، وفي الإهانات اليومية، وفي ضيق العيش، وفي طفلة تنكمش في الزاوية كلما بدأ الصراخ. هنا لا يبدو العنف حادثة عابرة، بل مناخًا كاملًا تعيش داخله أم وطفلتان، حيث تمتزج ذاكرة العنف الجسدي السابق بالضغط الاقتصادي والنزوح وغياب الأمان.

لا تروي هذه الشهادة قصة زواج صعب فحسب، بل تكشف كيف يمكن للعنف أن يغيّر شكله دون أن ينتهي. فحين يتوقف الضرب وتستمر الإهانة، وحين تُمنع المرأة من العمل، وحين يكبر الأطفال داخل الخوف، يتحول البيت من مساحة حماية إلى مكان تسأل فيه طفلة صغيرة أمها سؤالًا موجعًا: لماذا لا نعيش بسلام؟

العنف أمام الأطفال: أثر يتجاوز اللحظة

لم تكن الطفلتان مجرد شاهدتين. تصف الأم كيف أصبحت ابنتها الكبرى غيا، البالغة تسع سنوات، تعاني من خوف دائم:“عندما يصرخ الأب، تنكمش في زاوية الغرفة، تضع يديها على أذنيها، وتبدأ بالارتجاف”.

هذا السلوك، بحسب ما أفادت به مختصات نفسيات استشارتهن الأم، التي كانت تحرص على متابعتهن وطرح الأسئلة، وأحيانًا تصطحب طفلتها إلى العيادة لرؤيتها والتحدث معها، يرتبط مباشرة بما تعيشه الطفلة داخل المنزل.  وقد انعكس ذلك على حياتها المدرسية، حيث تواجه صعوبة في الاندماج، وتخشى التفاعل مع زميلاتها، مكتفية بصديقة واحدة فقط. تقول الأم: “المعلمات لاحظن أن هناك شيئًا في البيت… البنت خائفة من الناس”.

الطفل، لا يختبر العنف فقط من خلال الضرب بل من خلال المناخ الكامل الذي يعيش فيه

تشير تقارير اليونيسيف، إلى أن الأطفال الذين/اللواتي يتعرضون لمشاهد العنف الأسري يعانون من القلق والخوف واضطرابات في السلوك والتعلم، حتى عندما لا يكونون ضحايا مباشرين للعنف.

من العنف اللفظي إلى السيطرة الاقتصادية

مع مرور الوقت، لم يقتصر العنف على الصراخ والإهانة، بل امتد إلى التحكم بتفاصيل حياتها اليومية وقدرتها على العمل. حاولت الأم استعادة عملها كصحفية من المنزل، لكن زوجها رفض ذلك. وتقول إن كل محاولة للعمل كانت تقابل بالضغط النفسي وافتعال المشكلات، إلى أن اضطرت إلى تركه قسرًا.

تروي: “كنت أتقاضى 700 دولار شهريًا، وطلبت منه أن يعوّضني عن هذا الدخل، لكنه لم يكن قادرًا على ذلك، فازداد تعنيفه اللفظي بدلًا من أن يتحمّل المسؤولية”. لم تكن خسارة العمل هنا تفصيلًا مهنيًا فقط، بل تحولت إلى فقدان لمصدر استقلالها الوحيد تقريبًا. فالدخل كان يمنحها قدرة أكبر على الحركة واتخاذ القرار، أما منعه فزاد اعتمادها على علاقة مؤذية، وجعل خياراتها أضيق.

يتقاطع هذا النمط مع مفهوم العنف الاقتصادي، الذي يشمل التحكم في قدرة الشريك على اكتساب المال أو استخدامه أو الحفاظ عليه. وتشير الأدبيات البحثية إلى أن العنف الاقتصادي قد يتخذ شكل منع العمل، أو تخريب فرص التوظيف، أو التحكم في الموارد المالية، بما يؤدي إلى تقليص الاستقلال ودفع الضحية نحو التبعية داخل العلاقة.

في هذه الحالة، لم يكن العنف اللفظي منفصلًا عن السيطرة الاقتصادية، بل كان جزءًا منها. فقدان الدخل لم يؤدِ فقط إلى تدهور الوضع المعيشي، بل إلى تضييق خياراتها، وزيادة صعوبة الخروج من العلاقة، خصوصًا في ظل النزوح والسكن مع عائلة الزوج ووجود طفلتين تحتاجان إلى استقرار مادي ونفسي.

حين يسأل الأطفال: أين الأمان؟

أكثر ما يثقل كاهل الأم ليس العنف الذي تتعرض له وحدها، بل أثره المتراكم على طفلتيها. تقول إن من أصعب اللحظات بالنسبة إليها أن تسمع ابنتها تسألها لماذا لا تترك هذا الواقع، ولماذا لا تستطيع الأسرة أن تعيش بسلام. في هذا السؤال لا يظهر خوف الطفلة فقط، بل يظهر أيضًا وعي مبكر بأن البيت لم يعد مساحة أمان. في ظل غياب الاستقرار، تعيش الطفلتان حرمانًا ماديًا ونفسيًا في آن. وتنقل الأم عن ابنتها قولها إن الثلاجة فارغة، مشيرة إلى أنهم كانوا يضطرون أحيانًا إلى الصعود إلى منزل الجد لتناول الطعام. وحتى التفاصيل الصغيرة تحولت إلى مؤشرات على الاختلال.

هذه الأسئلة، على بساطتها، تكشف عمق الإحساس بعدم الأمان. فالطفل، كما تشير دراسة حديثة حول تجارب الطفولة الضارة لا يختبر العنف فقط من خلال الضرب أو الصراخ المباشر، بل من خلال المناخ الكامل الذي يعيش فيه: التوتر، الخوف، غياب الخصوصية، نقص الطعام، وانعدام القدرة على التنبؤ بما سيحدث في البيت. لذلك يتحول المنزل من مساحة يفترض أن تحمي الطفل إلى مصدر قلق يومي ينعكس على شعوره بالثقة، وعلى علاقته بالآخرين، وعلى قدرته على التعلم والاندماج.

ويشير تقرير لليونيسف  إلى أن التعرض للعنف داخل المنزل، حتى حين لا يكون الطفل هو الضحية المباشرة، قد يسبب ضيقًا نفسيًا شديدًا، ويؤثر في التعلم، والثقة بالنفس، والنمو العاطفي والمعرفي. كما تؤكد أن مشاهدة العنف يمكن أن تترك أثرًا عميقًا في إحساس الطفل بالأمان.

عنف غير مرئي… لكنه مستمر

لم يعد العنف في هذه الحالة مرتبطًا بالفعل الجسدي، بل بات يتخذ شكلًا يوميًا من الضغط اللفظي، والعجز الاقتصادي، والتوتر النفسي، في دائرة يصعب كسرها. ورغم أن الزوج كان قد خضع سابقًا لجلسات علاج نفسي، إلا أن تدهور وضعه المادي دفعه إلى التوقف، ما انعكس سلبًا على سلوكه داخل المنزل، بحسب ما تقول الزوجة. تكشف هذه الشهادة كيف يمكن للعنف أن يتبدّل في شكله دون أن ينتهي، وكيف يتحوّل الضغط الاقتصادي إلى عامل يفاقم السيطرة داخل العلاقة، لا سيما حين يتقاطع مع العنف اللفظي والعزلة.

هذا التقرير بدعم من:

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x