لم تعد مراكز الإيواء، التي يُفترض أن تكون الملاذ الأخير للمدنيين في زمن الحرب، بمنأى عن الخطر. فقد أعادت المشاهد الواردة من غزة، حيث تعرّضت أماكن النزوح للقصف أو وُضعت ضمن نطاق الاستهداف، طرح أسئلة جوهرية حول هشاشة المساحات التي يُفترض أن تكون الأكثر أمانًا. وبين الحماية التي يقرّها القانون الدولي للمدنيين، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وما يحدث فعليًا على الأرض، تتسع فجوة قاسية.
فالاتفاقية تميّز بوضوح بين المدنيين والمقاتلين، وتمنح الحماية لكل من لا يشارك مباشرة في الأعمال العدائية، على أن تُغلَّب الصفة المدنية عند الشك، وتمتد هذه الحماية إلى العاملين في الخدمات الطبية وأعمال الإغاثة والصحافيين وأفراد الدفاع المدني. غير أن هذه الضمانات القانونية تبدو، في كثير من الوقائع، عاجزة عن حماية من لجأوا إلى المدارس والمراكز العامة بحثًا عن النجاة. هكذا تتحوّل أماكن النزوح من مساحات أمان إلى مصادر قلق دائم، ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يحمي المدنيين عندما يصبح مركز الإيواء نفسه مهددًا؟
إخلاء تحت الضغط: ارتباك ميداني وغياب التخطيط
في الميدان، تعكس الوقائع حجم التحديات. يقول ح.غ، وهو مسؤول ميداني عن ملف النزوح، إن عمليات إخلاء مراكز الإيواء خلال فترات التهديد اتّسمت بقدر كبير من الارتباك، لا سيما في مناطق مكتظة وأساسية مثل كفرحتا والبسطة في بيروت الغربية. ويشير إلى أن الإخلاء في هاتين المنطقتين فرض ضغطًا كبيرًا على السكان، في ظل غياب خطة واضحة قادرة على استيعاب هذا الحجم من التحركات. ويضيف أن “غياب الجهوزية المسبقة جعل الضغط يقع مباشرة على الناس وعلى الجهات المعنية”.
ولا يقتصر الأمر على هاتين الحالتين. فمع التهديدات التي طالت مناطق الأوزاعي والجناح وبئر حسن، اضطرت الجهات المعنية إلى إخلاء عدد كبير من المدارس التي كانت تُستخدم كمراكز إيواء. ويوضح أن نقل النازحين من الجناح إلى بئر حسن أدّى إلى تضخم الضغط على هذه المنطقة، ما فاقم من صعوبة الاستجابة.
جرى تجهيز نحو 40 مدرسة لاستقبال النازحين، غير أن هذا التوسع السريع لم يكن كافيًا لتجاوز التحديات
في مواجهة ذلك، يشير ح.غ الى أنّ الدولة ووزارة الشؤون الاجتماعية لجأت إلى فتح مدارس إضافية في بيروت الغربية، حيث جرى تجهيز نحو 40 مدرسة لاستقبال النازحين. غير أن هذا التوسع السريع لم يكن كافيًا لتجاوز التحديات، إذ برزت مشكلات تتعلق بالقدرة الاستيعابية، ونقص التجهيزات والمعدات الأساسية، فضلًا عن تفاوت إمكانات المدارس.
ويتابع ح.غ أن “النقص في الأماكن والتجهيزات، إلى جانب اختلاف قدرات المدارس، خلق حالة من الإرباك الميداني”. كما يلفت إلى أن التحرك الرسمي، رغم أهميته، جاء متأخرًا نسبيًا، بعد أن بلغ الوضع مرحلة حرجة، حين اضطر كثير من النازحين إلى النزول إلى الشارع قبل إيجاد حلول بديلة.
ومع تراجع مستوى التهديد بعد أيام، عاد عدد من النازحين إلى المراكز التي كانوا يقيمون فيها، في خطوة تعكس الطابع المؤقت والاضطراري لهذه الإجراءات، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية خطط الإخلاء في حالات الطوارئ.
القانون الدولي: حماية واضحة… وتطبيق غائب
على المستوى القانوني، تؤكد المحامية ميسون إسماعيل، أن حماية المدنيين في أوقات النزاع ليست خيارًا، بل التزامًا أساسيًا يفرضه القانون الدولي الإنساني، وتستند إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل اتفاقيات جنيف والعديد من المواثيق الدولية كما القواعد العرفية الدولية.
وتوضح أن المدنيين، بمن فيهم النازحون/ات المقيمون/ات في مراكز الإيواء، يتمتعون بحماية قانونية مزدوجة، مصدرها كلٌّ من القانون الدولي الإنساني والأشرع الدولية لحقوق الإنسان. وتستند هذه الحماية، بشكل رئيسي، إلى اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تنص في مادتها 13 على شمول الحماية لجميع السكان المدنيين دون أي تمييز.
وتضيف أن هذه الحماية لا تقتصر على الأشخاص، بل تشمل أيضًا الأعيان المدنية، ومنها مراكز الإيواء، لا سيما حين تكون هذه المراكز ضمن مؤسسات تعليمية أو مبانٍ مدنية. وفي هذا السياق، تحظر المادة 53 من الاتفاقية نفسها تدمير الممتلكات المدنية، وهو ما يجعل استهداف مراكز النزوح أو الإضرار بها انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.
التهجير القسري محظور أصلًا بموجب المادة 49 من الاتفاقية،
ما يعزّز من مسؤولية حماية النازحين وتأمين أماكن آمنة لهم
كما تشير إلى أن التهجير القسري محظور أصلًا بموجب المادة 49 من الاتفاقية، ما يعزّز من مسؤولية حماية النازحين وتأمين أماكن آمنة لهم. وتلفت إلى أن أي اعتداء على مراكز الإيواء لا يقتصر أثره على البنية التحتية، بل يشكّل مساسًا مباشرًا بسلامة المدنيين، وهو ما تحظره المادة 32 من الاتفاقية.
وفي هذا الإطار، تندرج هذه الانتهاكات ضمن جرائم الحرب، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما في الحالات التي تشمل استهدافًا متعمدًا للمدنيين أو للأعيان المدنية، أو تنفيذ هجمات غير متناسبة تُلحق أضرارًا مفرطة بالمدنيين. كما يكتسب استهداف المدارس، حتى عند استخدامها كمراكز إيواء، طابعًا أكثر خطورة، نظرًا للحماية الخاصة التي تتمتع بها المؤسسات التعليمية.
وتشير إسماعيل إلى أن عدم انضمام لبنان إلى نظام روما لا يلغي الطابع الجرمي لهذه الأفعال، بل يحدّ فقط من آليات الملاحقة الدولية، التي تبقى مرتبطة بإحالة من مجلس الأمن أو بقبول خاص من الدولة المعنية. ومع ذلك، تؤكد أن هذه الانتهاكات تبقى مصنّفة كجرائم حرب بموجب القانون الدولي، بغض النظر عن آليات المحاسبة.
وفي هذا السياق، لم يعد ما جرى في غزة مجرد حالة بعيدة، بل تحوّل إلى مرآة تعكس مخاوف من تكرار المشهد في لبنان، حيث لا يكفي إعلان المكان”آمنًا” ليكون كذلك فعليًا. وفي ظل غياب خطط استباقية واضحة وبدائل مجهّزة، يبقى المدنيون عالقين في دائرة انتقال قسري من خطر إلى آخر، من دون ضمانات حقيقية للحماية.













