لم يعد الأمن الغذائي في جنوب لبنان مسألة تتعلق بالإنتاج المحلي فقط. فلبنان يعتمد أساسًا على الاستيراد لتأمين غذائه، إذ يستورد أكثر من 80% من السعرات الحرارية التي يستهلكها. لذلك، تصبح أزمة الغذاء في ظل الحرب مرتبطة بمنظومة أوسع من الحقول وحدها: قدرة البلد على الاستيراد، قدرة الناس على الشراء، سلامة الطرق وشبكات النقل، ونظافة المياه والتربة. من هنا، لا يمكن فهم الأمن الغذائي في الجنوب بوصفه مسألة إنتاج زراعي فقط، بل كمنظومة مترابطة تتعرض لضغوط متزايدة تحت وطأة الحرب.
الأمن الغذائي: أكثر من إنتاج محلي
يؤكد د. رامي زريق، أستاذ إدارة النظم البيئية في الجامعة الأميركية في بيروت وخبير قضايا الأمن والسيادة الغذائية، أن الأمن الغذائي لا يمكن حصره بالإنتاج المحلي للغذاء. فالمفهوم يقوم على أبعاد متعددة، أولها توفر الغذاء، سواء أتى من مصادر محلية أو خارجية.
يضيف زريق أن البعد الثاني للأمن الغذائي يتمثل في القدرة على الوصول إلى الغذاء، وهي تنقسم إلى شقين: اقتصادي ولوجستي. فمن جهة، يرتبط الوصول بقدرة الناس على شراء الغذاء وتوفر الدخل، ومن جهة أخرى يعتمد على سلامة الطرقات وإمكانية النقل والتوزيع.
الأمن الغذائي لا يمكن حصره بالإنتاج المحلي للغذاء
وقد أثرت الحرب مباشرة على هذين البعدين. فتوقف الأعمال أدى إلى تراجع القدرة الشرائية وذلك بسبب ارتفاع التضخم والذي من المتوقع أن يصل الى 35 %، بينما تسبب القصف وتدمير الطرقات في تعطيل حركة النقل. ويذكر زريق أن تدمير الطرق في مناطق مثل وادي السلوقي في جنوب لبنان يزيد صعوبة إيصال الغذاء ويرفع كلفة نقله، مما يفاقم الأزمة. فالوادي يربط قرى وبلدات في القطاعات الأوسط والشرقي والغربي، ويُعد ممرًا أساسيًا لحركة المنتجات الزراعية والمواد الغذائية بين هذه المناطق .
أما البعد الثالث فيرتبط بسلامة الغذاء، وهي بدورها مرتبطة مباشرة بسلامة المياه. فلا يمكن الحديث عن غذاء آمن في غياب مياه نظيفة، سواء للشرب أو للطهي أو للزراعة. ويؤدي تلوث المياه أو انقطاعها إلى آثار مباشرة على صحة الإنسان، مما يجعل هذا البعد أساسيًا في فهم الأمن الغذائي.
تفكيك ممنهج للمنظومة الغذائية
يرى زريق أن ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز الأضرار المباشرة، ليصل إلى تفكيك ممنهج لركائز الأمن الغذائي. يبدأ هذا التفكيك بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ما يضعف القدرة على الإنتاج، ويمتد إلى ضرب القدرة على الوصول إلى الغذاء اقتصاديًا ولوجستيًا.
كما تتعرض البنية التحتية، خصوصًا المتعلقة بالمياه، للتدمير، ما يحدّ من قدرة الناس على الوصول إلى موارد أساسية. وتؤدي العمليات العسكرية أيضًا إلى تلويث التربة، بما ينعكس على البيئة والزراعة وصحة الإنسان.
لذلك، يتطلب فهم الأمن الغذائي في ظل الحرب النظر إليه كمنظومة متكاملة تتعرض للتفكيك على مستويات متعددة، لا كمسألة إنتاج فقط.
تلوّث التربة: خطر غير فوري لكنه مستمر
ولا يقتصر هذا التفكيك على تعطيل الإنتاج والوصول إلى الغذاء، بل يمتد إلى تغيير الشروط البيئية التي يقوم عليها الغذاء نفسه، وفي مقدمتها التربة والمياه.
في هذا السياق، تكشف نتائج بحثية عن أبعاد بيئية مقلقة. تشير نرمين فاعور، مهندسة زراعية في المختبر البيئي في الجامعة الأميركية في بيروت، ولين ديراني، مهندسة بيئية وطالبة دكتوراه في هندسة البيئة والموارد المائية، إلى أن التربة في المناطق المتأثرة بالحرب تحتوي على ارتفاع في التراكيز الكلية للمعادن الثقيلة، خصوصًا الكادميوم والنيكل، نتيجة بقايا الذخائر والانفجارات.
وتأتي هذه النتائج ضمن مشروع “تيرا ديفاستاتا“: الأثر البيئي للحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان”، المموّل من برنامج التمويل التحفيزي للأبحاث حول الحرب المستمرة على لبنان في الجامعة الأميركية في بيروت.
التربة في المناطق المتأثرة بالحرب تحتوي على ارتفاع في التراكيز الكلية للمعادن الثقيلة، خصوصًا الكادميوم والنيكل، نتيجة بقايا الذخائر والانفجارات
وتوضح فاعور وديراني أن الجزء المتاح حيويًا من هذه المعادن بقي منخفضًا نسبيًا، وهو ما يُعزى إلى طبيعة التربة الكلسية ذات الحموضة المرتفعة ووجود كربونات الكالسيوم، مما يحدّ من ذوبان المعادن وحركتها.
لكن انخفاض الإتاحة الحيوية لا يعني غياب الخطر. فهو يشير إلى أن المعادن قد تبقى مثبتة في التربة، مع احتمال تراكمها تدريجيًا في النباتات، خصوصًا في بعض المحاصيل القادرة على امتصاص الكادميوم بكفاءة عالية. وقد يؤدي هذا التراكم إلى انتقال المعادن إلى الإنسان عبر التعرض المزمن. ويرتبط الكادميوم بتلف الكلى والعظام ويُعد مادة مسرطنة، فيما قد يسبب النيكل مشكلات تنفسية وتحسسية، وقد تكون له آثار مسرطنة على المدى الطويل.
التحقق العلمي بمساهمة المجتمع
تضيف فاعور وديراني أنه في بداية الدراسة عام 2023، ومع تعذر الرصد المهني بسبب القصف، تم اعتماد نهج تشاركي يقوم على إشراك المجتمع المحلي في جمع العينات وفق بروتوكولات معيارية.
وقد استندت عملية أخذ العينات إلى تصميم دائري حول مواقع الانفجار وعلى أعماق سطحية بين 0 و15 سم. وأتاح ذلك جمع نحو 200 عينة موثقة، وإنتاج أول خريطة لتلوث التربة قائمة على مساهمة مجتمعية، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية.
الفوسفور الأبيض: أثر فوري وخطر بيئي لاحق
أما بالنسبة إلى الفوسفور الأبيض، فتشير النتائج، بحسب فاعور وديراني، إلى ارتفاع مستويات الفوسفور الكلي والمتاح في التربة. ولا يظهر سلوكه كملوّث سام مباشر، بل يشبه تأثير الإفراط في التسميد. غير أن الأثر الأبرز للفوسفور الأبيض يتمثل في الحرائق الشديدة التي يؤدي إليها، والتي تسبب تدميرًا سريعًا للغطاء النباتي. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي تسرب الفوسفور الزائد إلى المسطحات المائية إلى ظاهرة التخثث، بما يسبب اختلالًا في النظم البيئية المائية.
مخاطر مؤجلة لا تلغي التهديد
تشير فاعور وديراني في خلاصة نتائجهما إلى أن المعادن الثقيلة والفوسفور تميل إلى البقاء مثبتة في التربة في هذه الظروف، ما يقلل من خطورتها الفورية، لكنه لا يلغي المخاطر البيئية والصحية التراكمية على المدى الطويل.
وتضيف كل من فاعور وديراني، وفقا لقراءتنا للدراسات السابقة يؤكد الباحثون أن الحد من آثار التلوّث الناتج عن الحرب ممكن عبر إجراءات قابلة للتطبيق، أبرزها المراقبة المستمرة للتربة والمحاصيل، وتعديل الممارسات الزراعية، واعتماد تقنيات طبيعية تُسهم في تثبيت الملوّثات داخل التربة والحد من انتقالها إلى النبات. كما يُنصح بالحد من زراعة المحاصيل الحسّاسة، مثل التبغ في المناطق المتضررة، مقابل التوجّه نحو محاصيل أكثر تحمّلًا كأشجار الزيتون، مع إجراء فحوصات دورية لضمان جودة الإنتاج.
من نتائج مخبرية إلى قرارات ميدانية
وفي هذا الإطار، يعمل مشروع “تيرا ديفاستاتا” على إعادة النتائج إلى المجتمعات المحلية بشكل شفاف، حيث سيتم قريباً مشاركة نتائج التحاليل مع المزارعين والبلديات من خلال لقاءات ميدانية وتقارير مبسّطة. وسيحصل المزارعون على إرشادات واضحة تساعدهم في اتخاذ القرارات المناسبة: ففي حال كانت مستويات المعادن آمنة يمكن متابعة الزراعة بشكل طبيعي، أما في حال وجود تلوث متوسط فيُنصح باستخدام مُحسّنات التربة مثل المادة العضوية والكمبوست وتجنّب زراعة المحاصيل الجذرية، وفي حال التلوث المرتفع يُفضّل التوقف مؤقتاً عن زراعة المحاصيل الغذائية والتركيز على النباتات الغطائية وإعادة تأهيل التربة. ويهدف هذا التواصل المباشر إلى تحويل النتائج من مجرد بيانات إلى ممارسات عملية تعزز الوعي والثقة والمسؤولية البيئية.
وفي هذا السياق تضيف كل من فاعور وديراني، أنّ دور الوزارات المعنية يبرز هنا، وعلى رأسها وزارة الزراعة ووزارة البيئة ووزارة الصحة، في وضع وتنفيذ خطط وطنية فعالة، تشمل رسم خرائط دقيقة للمناطق المتأثرة، وإطلاق برامج مراقبة دورية، وتقديم إرشادات واضحة للمزارعين حول الزراعة الآمنة. كما يتطلب الأمر دعم الفحوصات المخبرية وتعزيز الرقابة على المنتجات الزراعية في الأسواق لضمان سلامتها.
هذا التقرير بدعم من:
















