مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

“استشهدت ماما”.. الحرب التي نعيشها من بعيد

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
15/04/20262:17 م

“استشهدت ماما”، أدركت أنّ صديقتي خسرت والدتها وعجزت عن قول أي شيء. مع تصاعد المواجهات في لبنان في آذار 2026، دخلت المنطقة في مرحلة طويلة من التوتر الأمني. هذا التصعيد أدّى إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح آلاف العائلات من القرى الحدودية، فيما بقي آخرون في منازلهم رغم الخطر.

الغربة لا تعني النجاة

في لحظات كهذه، يصبح البعد عبئاً حقيقياً. نحن الذين نعيش خارج لبنان، ولنا عائلات في الجنوب وفي المناطق التي تتعرض للقصف، نفترض أننا في مكان “آمن” نوعاً ما، لكن هذا الأمان يبدو هشّاً؛ فنحن لا نحتمي من الأخبار، ولا من الخسارات التي تصلنا تباعاً. صديقتي لم تستطع أن تكون إلى جانب والدتها في لحظاتها الأخيرة، ولم تستطع حتى أن تودّعها. فكرة الوداع المؤجّل أو المستحيل، هي واحدة من أكثر الأمور التي تثقل هذا النوع من الفقد. في الغربة، نحاول أن نعوّض هذا البعد بالحضور عبر الهاتف، عبر الرسائل، عبر البقاء متصلين لساعات. لكننا نعرف في داخلنا أن هذا لا يكفي!

خبر بعد آخر

بعد أيام جاء خبر آخر، “ستوري” لأحد أقارب صديقتي تحمل اسم أخيها وكلمة “استشهد”. هكذا عرفت. احتجتُ لحظات لأربط الاسم بها، ثم أدركت. لم تكن هناك مكالمة هذه المرة ولا تمهيد.

هذا النوع من الأخبار يصلنا اليوم بطريقة مختلفة؛ عبر “ستوري” عابرة بين صور يومية عادية أو منشورات أخرى لا علاقة لها بالحرب. في لحظة تكون تتابع فيها تفاصيل عادية، وفي اللحظة التالية تصادف خبراً يغيّر كل شيء! ربما ما يجعل هذه الوسيلة قاسية هو سرعتها ومباشرتها؛ تصلنا الأخبار فور حدوثها، دون انتظار ودون حواجز. لكن هذه السرعة نفسها تحرمنا من أي وقت للاستعداد. لا نختار كيف أو متى نعرف، ولا نملك فرصة لفهم ما حدث قبل أن نجد أنفسنا جزءاً منه.

وفي المقابل، هي الوسيلة نفسها التي تجعلنا أقرب؛ نعرف، نتابع ونبقى على تواصل مع من نحب، حتى ونحن بعيدون. لكن هذا القرب لا يلغي الصدمة، بل أحياناً يجعلها أكثر حضوراً. هكذا يصبح تلقي الفقد جزءاً من “التمرير” اليومي على الهاتف. خبر ثقيل، يمر بين أخبار أخرى، لكنه لا يمر فعلياً؛ يبقى معك، ويتركك أمام سؤال بسيط: كيف يمكن أن تبدأ الحديث مع شخص خسر أخاه؟

أحياناً يكون الحضور هو الأهم: أن تبقى على الخط، أن تستمع، 
أن تترك للشخص مساحة ليعبّر عن حزنه

إلى جانب الحزن، هناك خوف دائم. ليس خوفاً لحظياً، بل شعور مستمر يرافق التفاصيل اليومية. الخوف من أن يكون الاتصال القادم مختلفاً، من أن تحمل الرسالة القادمة اسماً من عائلتك، من أن يتحول القلق الذي تعيشه إلى واقع. هذا التفكير لا يتوقف بسهولة، حتى في الأيام “الهادئة”، يبقى حاضراً في الخلفية. يجعل من الصعب عليك أن تشعر بالاستقرار أو أن تخطط بثقة، أو حتى أن تستمتع بلحظات بسيطة دون أن يتسلل القلق إليها.

في مواجهة هذا كله، نحاول أن نكون سنداً لبعضنا البعض. لكن المواساة في هذه الحالات معقدة؛ فلا توجد كلمات كافية، ولا توجد عبارات يمكن أن تخفف من خسارة أم أو أخ. ومع ذلك، نحاول. أحياناً يكون الحضور هو الأهم: أن تبقى على الخط، أن تستمع، أن تترك للشخص مساحة ليعبّر عن حزنه دون مقاطعة أو محاولة لتقديم حلول. جمل بسيطة مثل “أنا هنا” أو “أنا معك” قد تبدو قليلة، لكنها في لحظات الانهيار تصبح ضرورية.

الحياة تستمر.. لكن ليس كما نعرفها

في الغربة، أحاول أن أعيش كأن الأمور طبيعية. أذهب إلى العمل، أقوم بواجباتي المنزلية، أهتم بأطفالي، ألتقي بالأصدقاء، أتحدث عن أمور الحياة اليومية. من الخارج، قد يبدو كل شيء عادياً.

لكن في داخلي، هناك شيء مختلف. قلبي وعقلي مشدودان إلى لبنان، إلى جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، إلى العائلة، إلى الأخبار التي تصلنا باستمرار. أراقب كل خبر، كل رسالة، وأتساءل: هل سيكون الدور القادم لأحد أحبائي؟ هكذا نعيش شعوراً مزدوجاً: نمارس حياتنا في الغربة، لكن جزءاً كبيراً منا مشغول بالخوف والقلق على من نحب، وكأننا لا نغادر لبنان أبداً.

ما يحدث في لبنان لا يبقى محصوراً داخله، فتأثيره يمتد إلى كل من يرتبط به، حتى لو كان يعيش في بلد آخر. الحرب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضاً بما تتركه من أثر في نفوس الناس: القلق، الحزن، الترقب، والشعور بعدم الأمان. هذه التجربة يعيشها الكثيرون والكثيرات بصمت؛ يحاولون الاستمرار في حياتهم، وفي الوقت نفسه يحملون هذا الثقل يومياً، إضافةً إلى الإحساس بالذنب المستمر.

الحرب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض،
بل أيضاً بما تتركه من أثر في نفوس الناس

أحياناً أحاول أن آخذ مسافة؛ أن أتوقف عن متابعة الأخبار، أن أضع الهاتف جانباً، ولو لساعات. أقنع نفسي أنّ ذلك ضروري لأستطيع الاستمرار، لكن هذه المحاولة لا تدوم طويلاً. أعود لفتح الأخبار من جديد، أبحث وأتابع، كأنني أخشى أن يفوتني شيء، وكأن عدم المعرفة أسهل من أن أعرف متأخرة.

رغم كل شيء، تستمر الحياة. ليس لأن الأمور بخير، بل لأن التوقف ليس خياراً. نحاول أن نكون إلى جانب أصدقائنا، أن نخفف عنهم قدر الإمكان وأن نحافظ على تواصلنا مع من نحب. قد لا نملك القدرة على تغيير ما يحدث، لكننا نملك القدرة على أن نبقى حاضرين لبعضنا البعض. في ظل واقع كهذا، يصبح هذا الحضور، مهما كان بسيطاً، أحد الأشياء القليلة التي يمكن الاعتماد عليها.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x