مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الطلاق بوصفه عقوبة: الأم الخليجية بين قانون الحضانة وابتزاز الصمت

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
11/05/20268:16 م

في سياق التحولات التشريعية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي، تبرز قوانين الحضانة بوصفها أحد أكثر الملفات القانونية تأثيراً في حياة المرأة المطلقة وأطفالها، وأقلها حظاً من النقاش العام والمراجعة السياساتية؛ فعلى الرغم من أن هذه القوانين تتبنى خطاباً تشريعياً يُقرّ بمبدأ “مصلحة الطفل الفضلى“، فإن البنية المؤسسية لتطبيقها تُفرز واقعاً مغايراً؛ إذ تتحوّل الحضانة في كثير من الحالات من حقٍّ أمومي مكفول إلى أداة ضغط وابتزاز قانوني يُكبّل المرأة المطلقة ويُثنيها عن المطالبة بحقوقها المشروعة. يسعى هذا المقال إلى تحليل هذه الفجوة البنيوية بين النص والتطبيق في ثلاثة أنظمة تشريعية خليجية، في ضوء الإطار الدولي لحقوق الطفل.

أولاً: الإطار القانوني الدولي ومحدودية انعكاسه الإقليمي

تُعدّ اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 نقطة تحوّل في منظومة حقوق الطفل دولياً، إذ جاء في المادة الثالثة منها أن “في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو المحاكم، أو السلطات الإدارية، أو الهيئات التشريعية، يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى”.[1] وقد صادقت دول الخليج على هذه الاتفاقية؛ فقد التزمت الإمارات بها منذ عام 1996، وهي اتفاقية تعتبر مصلحة الطفل الفضلى واجبة الرعاية والاعتبار في جميع القرارات المتعلقة به.[2] غير أن الالتزام بالتصديق الشكلي على الاتفاقية لا يُرادف استيعاب مضمونها في التطبيق القضائي اليومي، لا سيما حين تتقاطع قرارات الحضانة مع منطق الولاية الذكورية المُقنَّن في صلب التشريعات الوطنية.

ثانياً: التناقض البنيوي بين حضانة الأم وولاية الأب

تكشف المقارنة بين ثلاثة أنظمة تشريعية خليجية عن نمط هيكلي مُتكرر، يجمع بين منح الأم حق الحضانة المادية واحتفاظ الأب بصلاحيات الولاية الشاملة في آنٍ واحد، ففي المملكة العربية السعودية، تنتهي الحضانة وفق المادة 135 من نظام الأحوال الشخصية عند بلوغ المحضون سن الخامسة عشرة، حيث يُمنح الحق في اختيار الإقامة مع من يشاء من والديه.[3]

هل يكفي تعديل النص القانوني لتغيير المنطق البطريركي الذي يُحرّك تطبيقه؟

وفي الإمارات، تنص المادة 112 من قانون الأحوال الشخصية على أن “الحضانة هي حفظ الولد وتربيته ورعايته والقيام على مصلحته بما لا يتعارض مع حق الولي في الولاية”.[4]هذه الصياغة التشريعية ذات دلالة بالغة؛ إذ تجعل الحضانة الأمومية ممارسةً مشروطة بحدود الولاية الأبوية لا استقلالاً قانونياً متكاملاً. أما في قطر، فقد ألزم قانون الأسرة رقم 22 لسنة 2006 الحاضنةَ بأن “تمكّن الولي أو العاصب من القيام بما يوجبه حق الولاية على المحضون من الإشراف على تنشئته تنشئة صالحة وتوفير أفضل العلاج له وتعليمه وإعداده للمستقبل”، مما يُقيّد فعلياً صلاحيات الأم في القرارات المصيرية كالتعليم والرعاية الصحية والسفر.[5]

ثالثاً: الحضانة كأداة إكراه وابتزاز الصمت

تتجلى الفجوة الأشد حدةً بين النص والتطبيق في ظاهرة يمكن وصفها بـ”الإكراه القانوني الهيكلي”؛ حيث يُشكّل خطر فقدان الحضانة رادعاً فعلياً يدفع كثيراً من النساء المطلقات إلى التنازل عن حقوق قانونية مشروعة كالنفقة والحماية من الأذى. فوفق النظام السعودي، تسقط حضانة الأم إذا تزوجت من رجل أجنبي عن المحضون في حين لا يواجه الأب شرطاً مماثلاً عند زواجه، مما يُرسي معيارية مزدوجة مجحفة فضلاً عن ذلك، يسقط الحق في الحضانة في حال سكوت مستحق الحضانة عن المطالبة بها مدة تزيد على سنة من غير عذر ودون مبرر.[6] وهو نص يبدو حيادياً في ظاهره، لكنه يُفرز أثراً تمييزياً في سياقات يكون فيها الصمت ليس اختياراً بل استجابةً لضغوط غير مُعلنة في هذا الإطار، تغدو المطالبة بالنفقة أو السعي للحماية القانونية محسوبة الأثمان، إذ كل اشتباك قانوني مع الطرف الأقوى قد يُحرّك آليات إسقاط الحضانة.

رابعاً: حدود الإصلاح التشريعي

تُشير المستجدات التشريعية إلى توجهات إصلاحية نسبية؛ فقد نصّ قانون الأحوال الشخصية الجديد في السعودية على انتقال الوصاية مباشرةً إلى الأم فور وفاة الأب بدلاً من انتقالها إلى الجد كما كان سائداً، كما حدّد آليات دقيقة للزيارة تُراعي مصلحة الطفل. [7] بيد أن هذه الإصلاحات تصطدم بسقف بنيوي؛ فطالما تظل الولاية الأبوية الإطار الناظم للقرارات المصيرية، يبقى تعديل سن الحضانة أو ترتيب أولوياتها تحسيناً هامشياً لا إعادة هيكلة جوهرية؛ تُؤثّر التقاليد والعادات المحلية تأثيراً عميقاً على قرارات الحضانة، مما يعني أن القضاة يعملون داخل منظومة ثقافية تُرجّح سلطة الأب قبل أن يفتحوا كتاب القانون، ويطرح هذا الواقع تساؤلاً سياساتياً جوهرياً: هل يكفي تعديل النص القانوني لتغيير المنطق البطريركي الذي يُحرّك تطبيقه؟

تُظهر هذه القراءة التحليلية المقارنة أن قوانين الحضانة في دول الخليج تحمل في طياتها تناقضاً جوهرياً: فهي تعترف بحق الأم في الحضانة بيد واحدة، وتُفرغ هذا الحق من مضمونه الفعلي باليد الأخرى عبر آليات الولاية الأبوية وشروط الإسقاط التعسفية. ولن يكتمل أي إصلاح تشريعي حقيقي ما لم يرتكز على ثلاثة محاور متكاملة: تفعيل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” معياراً قضائياً عملياً لا شعاراً تشريعياً، ومراجعة شروط إسقاط الحضانة الماسّة بكرامة الأم، وإرساء استقلالية فعلية للمرأة في قرارات الولاية التعليمية والصحية إن الطلاق لا ينبغي أن يكون مدخلاً للعقوبة، ولا الحضانة أداةً للابتزاز.

هذا التقرير بدعم من:


الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x