مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

استهداف القطاع الصحي يضاعِف الوفيات في لبنان

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/05/20268:41 م

في الحرب، لا يقتل الانفجار وحده. قد يقتل أيضًا الطريق الذي لم تعد سيارة الإسعاف قادرة على عبوره، والمستشفى الذي خرج من الخدمة، والمركز الصحي الذي أُقفل قسرًا، والمسعف الذي أصبح هو نفسه هدفًا. عند هذه النقطة، لا يعود استهداف القطاع الصحي ضررًا جانبيًا للحرب، بل يتحول إلى آلية مضاعفة للوفيات: فالضحية لا تُحرم فقط من السلامة، بل تُحرم من فرصة العلاج، ومن زمن النجاة.

توضح د. سمر الحاج، المديرة المؤسسة لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأبحاث الإصابات المتقدمة في الجامعة الأميركية في بيروت، أن قراءة أرقام الإصابات والوفيات في لبنان لا يمكن فصلها عن انهيار سلاسل الرعاية الطارئة. فالمصاب في الحروب الحديثة لا يحتاج فقط إلى أن ينجو من الضربة الأولى، بل إلى أن يصل سريعًا إلى إسعاف مجهّز، وطريق آمن، ومستشفى قادر على الاستقبال، وفريق طبي لم يُستنزف أو يُستهدف. حين تتعرض هذه السلسلة للضرب، يتحول الجرح القابل للعلاج إلى وفاة محتملة.

من الإصابة إلى الوفاة قبل الوصول

تكمل الحاج أن دراسة وطنية عن الإصابات والوفيات المرتبطة بالحرب على لبنان، والتي نشرتها مع فريقها البحثي بالشراكة مع وزارة الصحة العامة، وقد تم من خلالها تحليل بيانات 149 مستشفى بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وآذار/مارس 2025. شملت البيانات 21,853 حالة، بينها 17,581 إصابة و4,272 وفاة. وتبيّن أن الجنوب والنبطية سجّلا أعلى نسب الإصابات والوفيات، فيما كانت الإصابات الانفجارية الآلية الأبرز للإصابة، تليها إصابات الرصاص أو الشظايا. لكن الرقم الأكثر دلالة، بحسب الحاج، أن 81.46% من الوفيات سُجّلوا كواصلين إلى المستشفى متوفين. هذا الرقم لا يقول فقط إن الإصابات كانت شديدة، بل يفتح سؤالًا مباشرًا حول ما جرى قبل الوصول إلى المستشفى: هل وصلت سيارة الإسعاف؟ هل كان الطريق متاحًا؟ هل بقي المستشفى يعمل؟

تربط الدراسة هذه النسبة المرتفعة من الوفيات عند الوصول بعوامل عدة، منها شدة الإصابات، وتضرر البنية التحتية، وتعطّل مسارات الإحالة الطبية، واستهداف المرافق الصحية والإسعاف. وتشير إلى أن الحروب لا تنتج أثرًا صحيًا مباشرًا فقط، بل تترك آثارًا غير مباشرة وطويلة المدى، من اضطراب الخدمات الأساسية إلى تراجع الرعاية الصحية للأمهات والأطفال، وارتفاع مخاطر الأمراض النفسية وسوء التغذية والأمراض المعدية، كما تبيّن أدبيات الصحة في النزاعات المسلحة.

المستشفى حين يفقد وظيفته

تضيف الحاج أن تقرير وزارة الصحة العامة عن الاعتداءات على القطاع الصحي بين 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و27 كانون الثاني/يناير 2025 يضع هذه الخلاصة في سياق أوضح. فالتقرير يوثق 68 اعتداءً على المستشفيات، طالت 38 مستشفى، وأدت إلى 16 شهيدًا و74 جريحًا و25 آلية متضررة، مع إغلاق قسري لثمانية مستشفيات وعمل سبعة أخرى بصورة جزئية. بعض الأضرار لم تقتصر على الزجاج والواجهات، بل شملت أقسام الطوارئ، وحدات الأطفال، التجهيزات الطبية، شبكات الكهرباء والمياه، الأوكسجين، المولدات، والألواح الشمسية. أي أن الاستهداف لم يمس المبنى وحده، بل قدرة المستشفى على أداء وظيفته.

 اعتداءات على المستشفيات، طالت 38 مستشفى، وأدت إلى 16 شهيدًا و74 جريحًا و25 آلية متضررة

الأثر الأعمق يظهر عند النظر إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية، وهي الحلقة الأقرب إلى الناس في القرى والأحياء. يوثق التقرير 63 اعتداءً على هذه المراكز، بينها 58 مركزًا أُغلقت قسرًا، و10 مراكز دُمّرت كليًا، و50 مركزًا تضررت جزئيًا. هذه المراكز ليست تفصيلًا إداريًا في النظام الصحي؛ هي المكان الذي تُتابَع فيه الأمراض المزمنة، وتُعطى اللقاحات، وتُراقَب صحة النساء الحوامل والأطفال وكبار السن. لذلك، فإن تدميرها يعني تمديد الحرب إلى ما بعد لحظة القصف: في دواء لا يصل، ولقاح يتأخر، ومريض سكري أو ضغط يُترك بلا متابعة.

تتابع الحاج، أما استهداف الإسعاف، فهو استهداف مباشر لزمن النجاة. يسجل تقرير وزارة الصحة 237 اعتداءً على فرق الطوارئ والإسعاف، مع 201 شهيد و253 جريحًا، وتضرر 177 سيارة إسعاف و59 آلية إطفاء و18 آلية إنقاذ. هنا يصبح المسعف جزءًا من دائرة الخطر، وتتحول سيارة الإسعاف من وسيلة إنقاذ إلى هدف محتمل. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: كم شخصًا أُصيب؟ بل: كم شخصًا كان يمكن إنقاذه لو لم تُضرب الطريق إلى العلاج؟

2026 استمرار النمط نفسه

في آذار/مارس 2026، عاد النمط نفسه بصورة أكثر وضوحًا. يشير ملخص وزارة الصحة للفترة الممتدة من 2 آذار/مارس إلى 26 نيسان/أبريل 2026 إلى 10,264 ضحية، بينهم 7,755 جريحًا و2,509 شهيدا، مع 130 هجومًا على الإسعاف، و100 شهيد من العاملين الصحيين، و233 جريحًا في صفوفهم. كما تم تسجيل 16 مستشفى متضررة و4 مستشفيات مغلقة. هذه الأرقام لا تبدو منفصلة عن مسار 2024؛ إنها استمرار لبنية استهداف واحدة، يتراكم فيها الضرر بدل أن ينتهي مع كل جولة قصف.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة استهداف القطاع الصحي بوصفه اعتداءً على مؤسسة خدماتية فقط. هو اعتداء على حق الناس في النجاة بعد الإصابة. فالحرب لا تنتهي عند سقوط القذيفة؛ تستمر في سيارة إسعاف لا تصل، وفي طبيب يُقتل أو يُهجّر، وفي مركز رعاية يُقفل، وفي مستشفى يتحول من ملجأ أخير إلى مبنى متصدع. وحين تُقصف منظومة العلاج، يصبح الموت نتيجة للضربة الأولى، ولما يليها أيضًا: تعطيل النجدة، تعطيل الوصول، وتعطيل الحياة نفسها.

هذا التقرير بدعم من:

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x