يومٌ عاديّ؛ شمسٌ في السماء وصوت فيروز يزيدني حنيناً إلى الشمال. تردد فيروز من مذياع سيارتي: “ليالي الشمال الحزينة”، وأنا أردد معها: “ضلي اذكريني اذكريني”. أقود على الطريق السريع برويّة وهدوء. أقرأ اللافتة المرفوعة على مدخل مدينة الميناء، أولى المدن الطرابلسية التي تستقبلك على الأوتوستراد الجديد: “انتعش أنت في الميناء”. أصعد الجسر لأكمل نحو عمق المدينة، وفجأة يتبدل صفاء الجوّ.
دخانٌ أسود يتصاعد تدريجياً، كلما اقتربتُ أكثر كلما ازداد الدخان. أقترب أيضاً فتنقشع أمامي سحابة سوداء ضخمة وقد غطت كل شيء. للوهلة الأولى ذعرتُ، ثم أطفأتُ المكيّف في السيارة، وتوقفتُ أشاهد الجريمة عن كثب. مرة جديدة تُحرق الإطارات في وضح النهار، على مرأى و”مُتنفس” من الجميع. هي فعلاً “أيام الشمال الحزينة”.
لماذا تُحرق الإطارات؟
ظاهرة حرق الإطارات في طرابلس ليست بجديدة، إذ يزيد عمرها عن 8 سنوات؛ فمنذ العام 2018 بات الطرابلسيون والطرابلسيات ينامون أو يستفيقون على السحابة السوداء نفسها، والروائح القاتلة ذاتها، التي تنشر السموم في هواء مدينتهم ومنها إلى صدورهم. أما المتسبب؟ فمجموعة من الشبان، متعددي الجنسيات (لبنانيون وسوريون وفلسطينيون)، الذين دأبوا على ممارسة هذه العادة بحجة “تأمين لقمة العيش”. فعمدوا إلى لمّ الإطارات المكدسة في أكثر من مكان في المدينة، ثم نقلها إلى بؤر عشوائية، ومن ثم إضرام النار فيها بغية إذابتها واستخراج المعادن والنحاس منها لبيعه مقابل حفنة من المال. إذ مقابل حرق وإذابة 200 إطار فولاذي يحصل الحارق على 50$ فقط، في حين يدفع الطرابلسيون آلاف الدولارات للعلاج من آثار تنشّق الهواء السام الناتج عن عمليات الحرق. وفي المقابل، فإن بلدية طرابلس، بعدما اتخذت القرار بمواجهة هذه الظاهرة أخيراً، باتت تدفع 150$ لإخراج النفايات من المدينة والتخلص منها بطريقة صحية عبر إعادة تدويرها.

أين تُحرق الإطارات؟
أماكن حرق الإطارات موزعة على عدة بؤر منتشرة في شمال شرق المدينة، في منطقة تُسمى بـ “السقي الشمالي”، وتحديداً عند منطقة “المهجر الصحي” بالقرب من مرفأ طرابلس والتي تمتد من شمال شرق المدينة وصولاً إلى منطقة البداوي، وهي منطقة سكنية بامتياز، تحيط بها الأبنية من كل صوب، بالإضافة إلى عدد من المراكز التربوية مثل مدرسة العزم، وعدد من المستشفيات. ناهيك عن أن السحابة السوداء الناتجة عن عمليات الحرق تصل امتداداتها إلى منازل عدد من المسؤولين السياسيين في المدينة، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي والنائب أشرف ريفي ووزير الداخلية السابق بسام مولوي.

المفارقة أنه طيلة هذه السنوات لم تتمكن الأجهزة الأمنية أو شرطة البلدية من توقيف أي من المتورطين بعمليات الحرق، بالرغم من أن بعضهم معروف بالأسماء والوجوه، حتى ذهب بعض أبناء المدينة إلى القول بأن هناك من يغطي الفاعلين ويمنع المحاسبة عنهم.
الطرابلسيون ضحية الجريمة!
وتقول دارين الحلوة، إحدى القاطنات في منطقة “المئتين” التي تقع فيها واحدة من البؤر التي أُشعلت فيها الإطارات أكثر من مرة: “أبلغنا شرطة البلدية، في عهد البلدية السابقة، بمجرد أن شممنا رائحة الدواليب، ولكنهم للأسف تأخروا في الوصول، وكان (يلي ضرب ضرب ويلي هرب هرب)، فكان جلّ ما فعلوه أنهم أطفأوا الحريق”.
دارين واحدة من أبناء المدينة الذين بدؤوا يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي، إذ تقول في حديث لـ”صلة وصل”: “لا أستغرب اليوم إن تم تشخيصي بالسرطان، فأنا تفاجأتُ أكثر من مرة بحرق الإطارات وكانت نوافذ شقتي مفتوحة، فدخل دخان كثيف إلى البيت، وما كان أمامي إلا أن أكتم أنفاسي أو أن أتنفس السموم”. وتضيف: “هذا فضلاً عن الغبار وفضلات الحريق التي علقت على الشرفات، واحتجتُ لأكثر من يوم لإزالتها وتنظيف أثرها”.
منذ العام 2018 بات الطرابلسيون والطرابلسيات ينامون أو يستفيقون على السحابة السوداء نفسها، والروائح القاتلة ذاتها
الحسرة نفسها تتردد على لسان كل من في المدينة؛ تقرأ في أعين السكان حزناً ممزوجاً بالاستسلام، وكأنه قدرٌ كُتب لطرابلس كل هذا القهر والإهمال. عمر دياب، وهو ناطور أحد المباني يقول: “مرّ الكثير على هذه المدينة، وأنا ناهزت الـ60 من عمري؛ عشت أسوأ أيام حزب التوحيد والحرب الأهلية، والتفجيرات، وحرب جبل محسن والتبانة، ولكنني أجزم بأن جريمة حرق الإطارات هي أقذر ما شهدته طرابلس”.
يُصرّ الطرابلسيون على استخدام كلمة “جريمة” لوصف ما يحدث، وهو ما يوافقهم عليه المدير التقني لمركز التحاليل والبحوث في جامعة القديس يوسف، البروفيسور شربل عفيف بالقول: “إنها فعلاً جريمة، فمن يدرك حجم السموم التي تخرج جراء عملية الحرق، ومقدار الأذى الذي يتسبب به لنفسه أولاً، ومن ثم لكل من حوله، سيعي أنها جريمة بكل المقاييس”.

ويضيف: “السحابة السوداء التي تنقشع في السماء هي عبارة عن سحابة تلوث موصوف تحمل جزيئات دقيقة لا يستطيع الجسم التخلص منها لصغر حجمها، فتدخل مباشرة إلى الدم ثم إلى الرئتين”، مشيراً إلى أننا “نعيش أصلاً في بيئة ملوثة، ولكن حرق الإطارات ينتج عنه تلوث يزيد 10 مرات عن التلوث اليومي، وهو تلوث أعلى بثلاث مرات من المعدل المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية”.
ويشدد عفيف على أن هذه الملوّثات ترفع معدل الإصابة بالسرطان، خصوصاً عندما يكون التعرض لهذه الجزيئات متكرراً، بالإضافة إلى الإصابة بأمراض الأوعية الدموية وأمراض تصلب الشرايين وأمراض القلب والجهاز التنفسي. ويؤكد أن “من يقوم بحرق الإطارات ربما يعتقد أنه بعيد عن الخطر، إذ إنه لا يتنشق رائحة الحرق، ولكن هذا غير صحيح، فكلما كان الشخص قريباً من الحريق كلما تنشق الجزيئات بشكل أكبر”.
الفاعلون أحرار..
بالرغم من أن وتيرة عمليات حرق الإطارات في المدينة تراجعت بعض الشيء في الآونة الأخيرة، إلا أنها لم تتوقف تماماً. فحتى تاريخ كتابة هذه السطور، شهد يوم الثلاثاء 5 أيار الماضي حرق إطارات في المدينة؛ إذ استغل الشبان هطول المطر الغزير في طرابلس والجوار لارتكاب فعلتهم تحت الجسر بالقرب من مرفأ طرابلس. وفي جولتنا على البؤر في المكان، صادفنا أحدهم.
رجلٌ نحيل القوام، يضع نظارة سوداء على عينيه، ويعصب وجهه بوشاح بني، كان يتنقل تحت الجسر بحثاً عن أسلاك كهربائية قائلاً: “هذه للحرق”. وعند سؤاله عن عدم خوفه من اعتقاله قال: “أحسن، يعتقلونني، بآكل ببلاش”. ساد صمتٌ لبرهة قبل أن يكسره بالقول، وهو يتابع البحث عن الأسلاك المرمية على الأرض: “شوفي يا أختي، لما ولادك يقلولك بدن ياكلوا، مش بس بتحرقي دواليب، بتحرقي الأخضر واليابس”.
مسؤولية اعتقال المسؤولين عن عمليات الحرق هي من واجب الأجهزة الأمنية، وأنهم يفرون غالباً قبل وصول العناصر الأمنية أو شرطة البلدية
رئيس اتحاد بلديات طرابلس وائل زمرلي يُصرّ على أن “مسؤولية اعتقال المسؤولين عن عمليات الحرق هي من واجب الأجهزة الأمنية، وأنهم يفرون غالباً قبل وصول العناصر الأمنية أو شرطة البلدية”، مشيراً إلى أن “الحرق تراجع بقدر كبير مقارنة بالفترات السابقة، ونحن نقوم بمجهود كبير لمنع حدوثه؛ فقد عمدنا بداية إلى جمع الإطارات من أماكن تجمعها، بالإضافة إلى جمعها من محلات الإطارات، وكنا في السابق ننقلها عبر شاحنات إلى منطقة جون الجنوبية لإعادة تدويرها، وكانت تكلفنا عملية نقل كل شحنة حوالي الـ150 دولاراً، ولكن بسبب الحرب أقفل معمل إعادة تدوير ومعالجة الإطارات في جون، فبتنا ننقلها إلى معمل آخر في منطقة الهرمل للتخلص منها بطريقة صحية وحماية أهل المدينة”.
المستشفيات ضحية أيضاً!
بالرغم من أن مواقع الحرق بعيدة نسبياً عن وسط المدينة، إلا أن السحابة السوداء تنشر سمومها في كل مكان، خصوصاً عندما تكون حركة الهواء عكسية، فتنقل جزءاً كبيراً من الغبار المحمّل بالملوّثات إلى قلب المدينة، وإلى عمق المستشفيات حيث يتوزع المرضى ومنهم المصابون أصلاً بأمراض تنفسية وسرطانية.
عليه، يوضح الدكتور في المستشفى الإسلامي في طرابلس، سامر منقارة لـ”صلة وصل” أن “حالات الإصابة بمرض الربو والمشاكل الرئوية الأخرى في ازدياد بالمدينة، بالرغم من أنه لا يمكن ربطها فقط بحرق الإطارات، إذ تضاف عوامل أخرى، أبرزها ارتفاع معدلات التدخين بكثافة، لا سيما في صفوف الشباب”. ويضيف: “ما ننصح به السكان عند تعرضهم لملوّثات حرق الإطارات هو أولاً إغلاق النوافذ والأبواب بإحكام، ومن ثم وضع قماشة مبللة بالمياه على أنوفهم، وهي من شأنها أن تحد من تنشق الهواء السام ودخول الجزيئات الملوثة إلى أجسادهم. أما المصابون أصلاً بأمراض تنفسية فعليهم بتناول الأدوية مباشرة، وإن شعروا بأي مضاعفات، فعليهم التوجه مباشرة إلى المستشفى”.

ليست أزمة حرق الإطارات في طرابلس حادثة عابرة، بل صورة متكرّرة لمدينة تُترك وحيدة في مواجهة التلوث والفقر والإهمال. هنا، لا يختنق الناس بالدخان فقط، بل بسياسات غائبة تعتبر صحة السكان تفصيلاً هامشياً يمكن تجاهله عاماً بعد عام. وبينما تتحول السماء إلى سحابة سوداء محمّلة بالسموم، يبقى السؤال معلّقاً: لماذا يُطلب من أبناء طرابلس دائماً أن يدفعوا ثمن الأزمات من رئاتهم وأعمارهم؟
في بلد يُفترض أن تكون فيه البيئة حقاً للجميع، تبدو العدالة البيئية امتيازاً لا يصل إلى المدن المهمّشة. فحين تُترك الأحياء الشعبية مكشوفة أمام الحرائق والملوّثات، وحين يغيب الردع والمحاسبة والحلول الجدية، يصبح التلوث شكلاً آخر من أشكال الظلم الاجتماعي. وما يجري في طرابلس اليوم ليس فقط كارثة بيئية، بل دليل إضافي على دولة تتعامل مع بعض المناطق كأنها خارج أولويات الحياة نفسها.













