لم يعد الآيباد مجرد جهاز في يد طفل.بل تحول إلى باب صغير يُغلق على أصوات الخارج: الطيران، القصف، الأخبار، وخوف الكبار. في الغرفة الواحدة، العائلة في توتر دائم، والآيباد وسيلة مؤقتة كي لا يسمع الطفل كل شيء، ولا يسأل كثيرًا، ولينشغل عن عالم لم يعد مفهومًا بالنسبة إليه.
هكذا تصف زينب بلوط، النازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت، ما حدث مع ابنها مهدي البالغ من العمر سبع سنوات. لم تكن تفضّل أن يقضي وقتًا طويلًا على الآيباد، لكن برأيها الحرب دفعتها إلى خيارات لم تكن تريدها كأم. فمع القصف المتواصل، إقفال المدارس وصعوبة الخروج، صار هذا الجهاز أحيانًا الوسيلة الوحيدة لإلهاء الطفل وتهدئته، ولو مؤقتًا.
تقول بلوط:”مهدي بدأ يقضي ساعات أطول بكثير على الآيباد مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. في البداية، كان الهدف أن يبتعد عن أجواء الخوف والأخبار والتوتر داخل المنزل. لكن مع الوقت، ترك هذا الاستخدام أثره عليه. فعند محاولة سحب الجهاز منه، يصبح أكثر عصبية وتوترًا. ومع ذلك، أشعر أحيانًا بأنني”مجبورة”، في ظل غياب البدائل، والعيش داخل هذه المساحة الضيقة، وأخشى من أن يتحول أي توتر إضافي إلى مشكلة داخل المكان نفسه”
"مهدي بدأ يقضي ساعات أطول بكثير على الآيباد مقارنة بما كان عليه قبل الحرب"
من جهتها، تشارك نرمين فاعور بلوط الحال نفسه، وهي أم لطفلين، ابنها البالغ من العمر ست سنوات كا يستعمل الشاشات بشكل محدود قبل الحرب، ولم يكن متعلقًا بها كما هو الحال اليوم. كان يذهب إلى المدرسة، وفي الصيف إلى النادي الرياضي، وكانت تحاول إبعاده قدر الإمكان عن الهاتف. حتى فكرة امتلاكه “آيباد” كانت ترفضها بشدة. “كان يشاهد التلفاز أحيانًا، لكن ضمن حدود قد وضعتها له” تقول.
مع بدء الحرب، وبعد انتقال العائلة إلى منطقة الحمرا، تغيّر كل شيء. تقول نرمين: “وجدنا أنفسنا في منزل مكتظ، عشرة أشخاص في غرفتين، ومليء بالتوتر والخوف، معنا رجل مسن عمره أكثر من 80 عاماً، والجميع يعيش ضغطاً نفسياً دائماً. لكي أبقي ابني هادئاً، ولا يزعج الموجودين، أو يتأثر أكثر بالأجواء، بدأت أعطيه الهاتف لفترات طويلة، ثم اضطررت لاحقاً إلى شراء آيباد له. شيئاً فشيئاً، أصبح متعلقاً بالألعاب الإلكترونية بشكل أكبر”.
تضيف أنها حاولت شراء ألعاب مناسبة لعمره، مثل الليغو، والألعاب المغناطيسية، والقصص، وغيرها من الأشياء، لكن هذه البدائل كانت تتحول غالباً إلى خلافات بينه وبين أخته، ما كان يزيد الجو المشحون داخل المنزل، من عصبية وتوتر وصراخ.
وتوضح فاعور أن هذه العلامات لم تكن ظاهرة قبل الحرب، حين كان يوم طفلها موزعاً بين المدرسة والنادي واللعب، ولا يترك له الروتين وقتاً طويلاً أمام الشاشة. لكنها بدأت تظهر تدريجياً بعد الاستخدام المتكرر للآيباد خلال الحرب. فعند محاولة أخذ الجهاز منه، تكون ردة فعله الصراخ والبكاء بعصبية شديدة، كما أصبح سريع الانفعال، قليل التركيز، وأكثر توتراً. وحتى ابنتها الصغيرة، التي لم تكن تستخدم الهاتف سابقاً، بدأت تطلبه باستمرار، متأثرة بالأجواء التي تعيشها العائلة خلال الحرب.

غياب المدرسة وتمدّد وقت الشاشة
هذا التبدل في علاقة الأطفال بالشاشات تعيشه زهراء فقيه، الأم لثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً، بعد انتقال العائلة خلال الحرب من الضاحية إلى منطقة فردان. تقول إن حياة أولادها قبل الحرب كانت تقوم على نظام يومي واضح: نوم باكر، استيقاظ مبكر، مدرسة، فروض دراسية، ثم وقت محدود للهاتف. “إذا استعملوا الهاتف، فكان لساعات ضئيلة ومضبوطة” تقول.
تشرح فقيه أن أبناءها كانوا يدخلون إلى الصف الدراسي أونلاين، ثم يعودون مباشرة إلى اللعب، فيما كان وجود أولاد خالاتهم في المكان نفسه يزيد تعلقهم بالألعاب الجماعية الإلكترونية، إذ يشجعون بعضهم بعضاً على اللعب لساعات طويلة.
تقول:”الحرب دفعتني، مثل كثير من الأهالي، إلى التساهل أكثر مع استخدام الأجهزة الإلكترونية. “نحن نسأل أنفسنا: كيف نشغلهم حتى لا يشعروا بالخوف؟”، تقول، مشيرة إلى أن الأجهزة دخلت أيضاً إلى حياتهم تحت عنوان الدراسة والتعليم عن بعد، لكنها تحولت عملياً إلى مساحة واسعة للتشتت الذهني وللألعاب الإلكترونية.
عالم داخل اللعبة
وتلاحظ فقيه أن أبناءها أصبحوا أكثر تعلقاً بالألعاب مع الوقت، إلى درجة أن بعضهم صار شديد الارتباط بحسابه داخل اللعبة وما يحققه فيه من مراحل ونقاط. “سألتهم يوماً إن كانوا مستعدين لبيع حساباتهم مقابل مبالغ مالية، لكنهم رفضوا، لأنهم يشعرون أنهم وصلوا إلى مرحلة مهمة داخل اللعبة ولا يريدون خسارتها” تضيف.
“أشعر بصعوبة في التعامل مع هذه المسألة داخل البيت، إن التشدد الزائد قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة عكسية، لأن ابني قد لا يفهم المنع بوصفه خوفاً عليه، بل قد يشعر أنني أقف ضده. لذلك أحاول أن توازن بين التنبيه المستمر وعدم تحويل الهاتف إلى سبب دائم للتوتر في علاقتي معه”.
“تشعرني الحرب أن هذه الموازنة تزداد صعوبة، نحن أيضا كأهل نعيش ضغطاً نفسياً وتوتراً دائماً”. لذلك لا ترى أن الحل يكون فقط بمنع الهاتف، بل بمحاولة فهم كل الظروف التي تحيط بالطفل: ضيق المكان، غياب البدائل، قلة الحركة، القلق، والفراغ الطويل. “إذا أخذنا الهاتف وحده من حياة الأطفال، فهذا لا يعني أنهم سيعودون مثاليين مئة بالمئة”.
الألعاب كتعويض نفسي
هذه التحولات، يفسرها الدكتور محمد نمر، المختص في التربية والإرشاد الأسري، وهي ترتبط بشكل مباشر بواقع الحرب وما تفرضه على الأطفال من فقدان للاستقرار والأمان والروتين. يوضح نمر أن الطفل خلال ظروف كهذه يفقد عناصر أساسية في حياته اليومية: المدرسة، الحركة، النوم المنتظم، اللعب الطبيعي، وحتى انتظام الطعام أحيانًا.
ومع غياب هذا الإيقاع، يبدأ الطفل بالبحث عن بديل يمنحه شعورًا مؤقتًا بالراحة أو الإنجاز، فتتحول الألعاب الإلكترونية إلى مساحة تعويض نفسي، تحل تدريجيًا محل اللعب الحر والخيال والتفاعل المباشر مع البيئة المحيطة.
ويرى نمر أن الحرب تجعل الأطفال أكثر قابلية للتعلق بالألعاب الإلكترونية، لأنهم يعيشون الخوف والفراغ والقلق يوميًا. ومع الوقت، لا يعود الطفل يلعب فقط للتسلية، بل لأنه يشعر داخل اللعبة بالإنجاز والسيطرة والتقدير، خاصة مع نظام النقاط والمراحل والجوائز الذي تعتمد عليه كثير من الألعاب عبر الإنترنت.
“يرى نمر أن الحرب تجعل الأطفال أكثر قابلية للتعلق بالألعاب الإلكترونية”
لا يقتصر تأثير ذلك على التعليم فقط. يحذر نمر من أن الجلوس الطويل أمام الألعاب ينعكس على شخصية الطفل وسلوكه، إذ يصبح أكثر عصبية، وأقل تواصلًا مع الآخرين، وأضعف قدرة على التعبير عن مشاعره بالكلمات. كما تظهر مشكلات في النوم والتركيز والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى تراجع النشاط الحركي بسبب الجلوس الطويل أمام الشاشة.
أما الحلول، فيرى نمر أنها لا تبدأ من الطفل فقط، بل من الأهل أيضاً. فالكثير من العائلات تنزعج من تعلّق أبنائها بالأجهزة الإلكترونية، لكنها في الوقت نفسه قد لا تكون مستعدة لخوض العمل التربوي الطويل الذي يتطلبه تغيير هذا السلوك. ويشدد على أن معالجة الإدمان الإلكتروني ليست قراراً يُتخذ ليوم أو يومين، بل عملية مستمرة تحتاج إلى صبر ومتابعة وإرادة حقيقية من الأهل، لأن الآثار التي خلّفتها الحرب والنزوح لن تختفي بسرعة.
ويؤكد نمر أن الخطوة الأولى تتمثل في فهم الأسباب التي دفعت الطفل إلى هذا التعلق، فالحرب، والخوف، والنزوح، وغياب الاستقرار، كلها عوامل دفعت الأطفال إلى الاحتماء بالشاشات. لذلك لا يكفي سحب الهاتف من أيديهم، بل لا بد من توفير بدائل تمنحهم ما فقدوه: الشعور بالأمان، والاهتمام، والروتين، والعلاقة اليومية مع الأهل.
ويضيف أن الطفل يحتاج إلى حوار مستمر يطمئنه ويمنحه مساحة للتعبير عن مخاوفه. فبدلاً من تجاهل الخوف أو إنكاره، ينبغي الاعتراف به ومساعدة الطفل على فهمه. “الخوف في الحرب أمر طبيعي”، يقول نمر، “لكن المهم ألا يتحول إلى عنصر يشلّ حياة الطفل أو يجعله يعيش في أوهام وأسوأ السيناريوهات طوال الوقت”. لذلك يدعو إلى الاستماع إلى الأطفال، وتصحيح أفكارهم، وطمأنتهم بأن مكان النزوح أو السكن الحالي أكثر أمناً من المكان الذي غادروه.
كما يشدد على أهمية إعادة بناء الروتين اليومي قدر الإمكان، من خلال تنظيم الوقت بين الدراسة، والقراءة، واللعب، والحركة، ووقت محدود للألعاب الإلكترونية من دون حرمان كامل أو إفراط. ويقترح إدخال ما يسميه “اللعب الهادف” أو “اللعب الفعّال”، مثل الألعاب الجماعية، والأشغال اليدوية، والرسم، والقصص، والأنشطة التي تنمّي الذكاء الاجتماعي والعاطفي لدى الطفل، إضافة إلى الرياضة والألعاب الحركية مثل الركض والغميضة وغيرها من الأنشطة التي تُخرج الطفل من حالة الخمول والجلوس الطويل أمام الشاشة.
ويحذر نمر من أن بعض الأهل يحاولون تقليل استخدام أطفالهم للأجهزة فيما هم أنفسهم يقضون ساعات طويلة أمام هواتفهم. لذلك يرى أن القدوة عنصر أساسي في أي محاولة للعلاج، لأن الطفل يصعب أن يقتنع بضرورة التقليل من استخدام الهاتف إذا كان يرى والديه منشغلين به طوال الوقت.
ويختم بالتأكيد أن التعامل مع آثار الحرب لا يحتمل منطق “المرحلة المؤقتة”. فالكثير من العائلات تعتقد أنها ستعالج هذه المشكلات عندما تنتهي الحرب أو تعود إلى منازلها، بينما تمر الأشهر والسنوات ويكبر الأطفال داخل هذه الظروف. لذلك يدعو الأهل إلى التعامل مع هذه التحديات منذ الآن، والعمل على حماية أطفالهم تدريجياً، لأن ما يُترك اليوم قد يصبح أكثر صعوبة في المعالجة لاحقاً.













