أربعة وأربعون عامًا على مجزرة صبرا وشاتيلا (16-19 أيلول/سبتمبر 1982)
صباح ومساء الخير للجميع،
صباح ومساء الخير للوطن،
صباح ومساء الخير للأمل،
صباح ومساء الخير للأسرى والجرحى والشهداء.
اليوم أبدأ رحلتي مع علاج السرطان.
اليوم هو أول يوم أتلقى فيه جرعة الكيماوي.
وفي الوقت نفسه تحل ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، المجزرة التي نجوت منها، لكنني لم أخرج منها كما دخلت. تركت المجزرة شيئًا منها في داخلي، وبقيت تفاصيلها محفورة في ذاكرتي، وفي خوفي، وفي قدرتي على التمسك بالحياة.
أجلس هذا الصباح في غرفة داخل المستشفى، أتلقى العلاج والدواء، فيما تعود بي الذاكرة إلى ذلك اليوم الذي بدأت فيه مجزرة هزّت كياني وكيان العالم: صبرا وشاتيلا. اليوم أجلس على كرسي مريح. أعرف أن التعب والإرهاق سيأتيان بعد ساعات، وأن الضعف قد يتسلل إلى جسدي، كأن سجانًا يقف فوق رأسي ويطرق بمطرقته قائلًا:
“لن تنجي”.
لكنني أصرّ على أنني سأنجو..
رغم أنف المرض.
في 16 أيلول 1982 بدأت المجزرة، واستمرت أيامًا دامية امتدت حتى 19 أيلول، تاركة وراءها آلاف الضحايا، وجرحًا لم يندمل في ذاكرة الناجين والناجيات.

حين بدأ القصف على المخيم، كان عنيفًا ومتواصلًا. كانت القذائف تنهال على بيوتنا، وكان الموت يقترب منا من كل جانب، ومع ذلك كنا نتشبث بما تبقى لنا من أمل. واليوم يدخل الكيماوي إلى جسدي. أجلس وأنتظر انتهاء الجرعة، وأنا أعرف أنني قد أخرج من المستشفى أضعف جسديًا، لكنني سأخرج أكثر تمسكًا بالحياة. في ذلك الوقت، كانت القنابل المضيئة تملأ سماء المخيم وهنا، تملأ أضواء المستشفى الغرفة.
في 16 أيلول 1982 بدأت المجزرة، واستمرت أيامًا دامية امتدت حتى 19 أيلول، تاركة وراءها آلاف الضحايا، وجرحًا لم يندمل في ذاكرة الناجين والناجيات
في تلك اللحظات، كان الضوء يعني أن القنابل تبحث عن ضحاياها، وهنا، يعني الضوء أن هناك من يحاول إنقاذي.
في ليلة المجزرة، بدأ الجنود الإسرائيليون دخول أطراف المخيم، ودخلت معهم القوات الانعزالية، الكتائب اللبنانية. كانوا يدخلون إلى المنازل وهم يحملون البلطات، التي أصبحت إحدى أدوات القتل التي حصدت أرواح العديد من الضحايا. وكان ضباط إسرائيليون يوجّهونهم ويشرفون على تحركهم، بينما كانوا ينتقلون من منزل إلى آخر، ويقتلون من يجدونه أمامهم، حتى الحيوانات لم تسلم منهم. كانوا يدخلون البيوت التي احتمى بها الناس، البيوت التي كان يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، فتحولت في تلك الساعات إلى أماكن للموت.
أما اليوم، فأنا في المستشفى، جالسة على سرير مريح، أحمل هاتفي وأتصفح الأخبار بهدوء. لا خوف هنا. الممرضون يشرحون لي ما يحدث، ويخبرونني بالخطوات التالية خلال رحلة العلاج.
في صبرا وشاتيلا، اختبأنا مع جيراننا في غرفة داخل منزلنا، في الطابق الأرضي، خوفًا من القذائف التي كانت تنهال علينا كالمطر.
كانت الغرفة مظلمة.
لم نجرؤ حتى على إشعال شمعة، خشية أن يعرف أحد أننا هناك.
كنا نخاف من الضوء.
اليوم، أنا محاطة بالضوء.
الممرضون والممرضات يرتدون الأبيض، والجميع منشغل بتحضير الأدوية ورعاية المرضى. أما في الأزقة والبيوت، فكنا نجلس في الظلام والصمت يخيّم علينا؛ نسمع أصوات الجيران وصراخهم، ودوي الرصاص وأصوات الأقدام وهي تركض، ثم يعود الصمت يخيم من جديد.
وكنا نفهم معنى ذلك الصمت.. كان يعني أن أحدًا قد قُتل.
اليوم، في المستشفى، لا أسمع إلا أصوات الممرضين وهم يطمئنونني بأنني سأخرج في نهاية النهار سالمة. أما في تلك الأيام، فكان والدي يجلس أمام باب المنزل يحمل مسدسًا وقنبلة يدية صغيرة، ينتظر من قد يقتحم علينا المكان.

أما أنا، فكنت أحتضن ابن أخي الذي لم يكن يتجاوز عمره خمسة عشر يومًا، وكلما بكى أضع قنينة الحليب في فمه لأحاول إسكات صوته خشية أن يسمعنا أحد. كنت أحمل طفلًا بينما كان الموت يتربص خلف الباب.
اليوم، وأنا أجلس على كرسي العلاج، أشعر بألم مختلف يعيد إليّ أوجاع ذلك الزمن. أشعر بألم أتخيل أن العم «أبو دياب» شعر به عندما أُعدم في الزقاق المؤدي إلى منزله؛ يضرب الألم رأسي كأنها الرصاصة التي وجهها القاتل إلى رأسه.
أحيانًا أشعر أن جسدي يستعيد ذاكرة ذلك المكان، فقاعة الألم في رأسي توقظ في داخلي صور الرصاص، وصور الذين سقطوا، والأبواب التي فُتحت على الموت. لكن الفرق أني أجلس هنا اليوم لأقاوم الألم لا لأستسلم له؛ في تلك الأيام كان الرصاص يعني النهاية، أما اليوم فالألم جزء من طريق التعافي.
الممرضة تبتسم لي وتسألني:
“هل تريدين أن تشربي شيئًا؟”
أطلب منها كوبًا من الشاي مع الحليب.
تفصيل صغير جدًا.
لكنه يعني لي الكثير.
في شاتيلا، كنت أحاول أن أُسكت طفلًا حتى لا يسمعنا الموت واليوم، أطلب كوبًا من الشاي، وأنتظر أن ينتهي الدواء لأعود إلى منزلي. في شاتيلا، كنا ننتظر فرصة للخروج من المنزل سالمين، ولا نعرف إن كنا سننجح، أم سنلقى المصير نفسه الذي لاقاه أقاربنا وجيراننا.
كان مخيما صبرا وشاتيلا مطوّقين بإحكام، وكان القناص المتمركز في منطقة المدينة الرياضية المطلة عليهما يحصد كل من يتحرك. لم نكن نعرف إن كنا سنخرج أحياء، وعشنا كل دقيقة وكأنها الأخيرة. خلال أيام المجزرة الأربعة، سقط آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، وبقيت صبرا وشاتيلا جرحًا مفتوحًا في ذاكرتنا وذاكرة العالم.
كان مخيما صبرا وشاتيلا مطوّقين بإحكام، وكان القناص المتمركز في منطقة المدينة الرياضية المطلة عليهما يحصد كل من يتحرك
بعد أربعة وأربعين عامًا، ما زالت الذكرى حاضرة، والوجوه التي غابت حاضرة، أصوات الذين رحلوا تسكن الذاكرة وما زال الناجون/ات يحملون شهادتهم/ن، لأن الذاكرة لا تموت.

بعد كل تلك السنوات، أجد نفسي مرة أخرى أمام معركة، لكن العدو مختلف هذه المرة. أجلس على كرسي العلاج وأتذكر كرسي المجزرة الذي جلست عليه ذات يوم وأنا أحتضن طفلًا لم يتجاوز عمره خمسة عشر يومًا، منتظرةً أن أعرف إن كنت سأخرج حيّة.
نجوت من صبرا وشاتيلا وسأنجو من السرطان أيضًا.
لقد تعلمت منذ طفولتي أن الموت قد يحاصر الإنسان من كل الجهات، لكن الأمل يستطيع دائمًا أن يجد منفذًا، ربما لهذا السبب لا أخاف اليوم، لقد رأيت الموت من قبل.
وعرفت كيف يكون شكله حين يقف خلف الباب. حين يدخل الدواء إلى جسدي، أعرف أن هذه ليست معركة ضد الحياة، بل معركة من أجلها. أنا اليوم لا أبدأ رحلة نحو الموت، أنا أبدأ رحلة جديدة نحو الحياة.
من كرسي المجزرة إلى كرسي العلاج، من طفلة كانت تختبئ في الظلام إلى امرأة تجلس اليوم تحت الضوء وتواجه مرضها بكل ما تملك من قوة.
سأظل أقول: صباح ومساء الخير لكل إنسان ما زال يقاوم من أجل أن يبقى حيًا. وكما قال الشاعر محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة… كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين”.













