لم تكن ناريمان شريم تتخيّل أن ابنتها ستولد بعيدًا عن البيت الذي أمضت أشهرًا وهي تجهّزه لاستقبالها. خرجت من بلدة حولا في شهرها التاسع، ومعها ذلك النوع من التعب الذي لا يشبه تعب الحوامل فقط، بل تعب امرأة تُقتلع من بيتها في اللحظة التي كانت تستعد فيها لاستقبال حياة جديدة.
تنقّلنا من مطرح لمطرح، لحدّ ما وصلنا على مركز النزوح ببيروت – الحمرا”، تقول ناريمان. “قبل ما يأمّنولنا التخت، كنت نام على الأرض”. بتعرفي شو يعني وحدة حامل بالشهر التاسع تنام على الأرض؟ لا نوم نوم، ولا أكل أكل، ولا شربة شرب “. لم تكن المسألة، بالنسبة إليها نقصًا في المساعدة فقط، بل فقدانًا لكل ما يجعل الولادة ممكنة بكرامة: البيت، والسرير، والحمام، والخصوصية، والأشخاص الذين اعتادت وجودهم حولها في هذه المرحلة.
ذهبت ناريمان إلى المستشفى وهي منهكة، ثم عادت بعد عملية قيصرية إلى مركز النزوح. “مش متل بيتك”. في البيت، كما تقول، تستطيع المرأة أن ترتاح بملابسها، أن تدخل الحمام متى شاءت، أن تنظّف جرحها وتعتني بنفسها من دون أن تفكّر في الباب، والناس، والطابور، ونظرات الآخرين. أما في مركز النزوح، فحتى الذهاب إلى الحمام يحتاج إلى استعداد كامل: ملابس، عباءة، مواد تعقيم، وانتظار.
في تلك التفاصيل الصغيرة، يظهر الوجه الآخر للنزوح. فهذه التجربة لا تقع على الجميع بالثقل نفسه. النساء الحوامل والأمهات، وكبار السن والمرضى، والأشخاص الذين يتعرضون للتمييز أو الأحكام المسبقة بسبب اختلافهم أو هويتهم، يختبرون أشكالًا إضافية من الهشاشة لا تختصرها أرقام النزوح العامة.
فبعد شهر على بدء الحرب، قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره للفترة الممتدة بين 26 آذار/مارس و1 نيسان/أبريل 2026 أن نحو 1.2 مليون شخص نزحوا في لبنان، بينهم حوالى 620 ألف امرأة وفتاة، أي ما يقارب ربع النساء والفتيات في البلاد. كما تشير إلى أن عشرات الآلاف أقاموا في مراكز جماعية، حيث يزيد الاكتظاظ وغياب الخصوصية من مخاطر الحماية، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والتحرش.

ولادة خارج البيت
بعد الولادة، لم يكن على ناريمان أن تعتني بطفلتها فقط، بل أن تتعافى من جرح العملية في مكان لا يشبه المكان الذي تحتاجه امرأة خارجة من المستشفى. تقول إنها كانت تحتاج إلى تعقيم الجرح يومًا بعد يوم، وإلى الاستحمام والراحة، لكن كل شيء كان يمر عبر شروط المركز: الحمام المشترك، الازدحام، الباب المفتوح على أصوات الناس، وعدم القدرة على التصرف بحرية.
تصف الفرق بين البيت ومركز النزوح بوضوح، وتضيف: “في بيتي، كنت أستطيع أن أرتدي ما يريحني، وأن أتحرك بحرية داخل غرفتي ومنزلي. أما هنا، فأنا مضطرة إلى أن أبقى مستعدة طوال الوقت، بملابس محتشمة، لأن الباب قد يُفتح في أي لحظة، ولأن المكان لا يمنحني حرية الحركة كما في البيت”. حتى جسدها، في تلك المرحلة، لم يعد قادرًا على الاستجابة لحاجته إلى الراحة، بل صار مضطرًا إلى التكيّف مع شروط المكان.
وتضيف أن اكتئاب ما بعد الولادة عاد إليها كما في ولادات سابقة، لكنه هذه المرة كان أثقل. “أريد أن أصرخ وأبكي. كل شيء حولي يضغطني. أولادي انحصروا في مكان معيّن، لم يعد هناك أيّ نظام، ولم أعد أعرف الراحة”. كانت تضع طفلتها إلى جانب حماتها وتبكي طويلًا. لم تكن تبكي بسبب الطفلة، بل بسبب كل ما أحاط بها: النزوح، الخوف، الضيق، الجرح، الأطفال، وغياب البيت.
حتى الرضاعة الطبيعية تأثرت. حاولت إرضاع طفلتها، لكنها تقول إن نفسيتها لم تكن تساعدها.”حاولت، لكنني لم أكن أشعر أنني بخير. أحسست وكأنّ الحليب قد اختلط بدموعي.”
ولا تبدو تجربة ناريمان معزولة عن السياق الأوسع الذي تعيشه النساء في ظروف النزوح. فقد ربطت دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة “التقارير العلمية” التابعة لمجلة نايتشر، حول اكتئاب ما بعد الولادة لدى اللاجئات والنساء النازحات داخليًا في لبنان، بين النزوح، وتراجع الدعم الاجتماعي، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، وارتفاع مخاطر الاكتئاب بعد الولادة. وتساعد هذه النتائج على قراءة شهادة ناريمان بوصفها جزءًا من واقع أوسع تعيشه نساء يواجهن الحمل والولادة في ظروف الحرب والاقتلاع القسري.
حين يصبح الاختلاف خطرًا
لكن فقدان الخصوصية لا يطال الجسد وحده. ففي مراكز النزوح، يمكن للحياة الخاصة نفسها أن تصبح مكشوفة، وأن يتحول الاختلاف، أو ما يظنه الآخرون اختلافًا، إلى سبب للمراقبة والعزل.
جاد محسن (اسم مستعار)، 19 عامًا، كان في البداية في السكن الجامعي للجامعة اللبنانية. هناك، كما يوضح، كان يتمتع بقدر من الخصوصية ولم يكن مضطرًا إلى شرح حياته الخاصة للآخرين. ويقول إنه يحمل ميولًا عاطفية تجاه الشباب، لكنه لم يكن يعلن ذلك أو يتحدث عنه مع المحيطين به.
عندما انتقل مع عائلته إلى مركز نزوح، تغيّرت الأمور. فمع الاحتكاك اليومي بالناس، بدأت طريقة تعامله الودودة ومظهره وأسلوبه في الكلام تثير الشكوك لدى بعض الموجودين. يقول: “أنا بطبيعتي بقول للناس حبيب قلبي، وبسلّم بحرارة، وطريقة حكيي فيها نعومة.” بالنسبة إليه، لم تكن هذه التصرفات سوى جزء من شخصيته، لكنها دفعت بعض المحيطين به إلى إطلاق أحكام وافتراضات حول ميوله، قبل أن تتحول تلك الانطباعات إلى تعليقات وتنمّر، ثم إلى اتهامات طالت عائلته ومكانه داخل المركز.
تواصل مدير المدرسة التي كانت العائلة تقيم فيها مع والدة جاد، وطرح اتهامات بحقه، من بينها أنه كان يصوّر فتيات داخل المركز. بالنسبة إلى جاد، لم يكن الاتهام منفصلًا عن جوّ الشك الذي سبقه، بل بدا كأنه نتيجة مباشرة للأحكام التي تراكمت حوله. يقول: “حسّيت إن الانطباعات صارت تهمة”.
لاحقًا، حين فُتح السكن الجامعي مجددًا، عاد إليه رغم أن الحرب لم تكن قد انتهت. كانت منطقة الحدث لا تزال تتعرض للتهديد والقصف، لكنه رأى في العودة إلى السكن خيارًا أقل قسوة من البقاء في مكان صار فيه موضع مراقبة واشتباه.

الحمام كمساحة حماية
أما في شهادة فاطمة، النازحة من بلدة الأنصار إلى مركز إيواء في منطقة الحمراء أيضًا، لا يظهر الحمام كتفصيل يومي عابر. يصبح الحمام مقياسًا للخصوصية، ولشعور المرأة بأنها لا تزال قادرة على العناية بنفسها.
تقول فاطمة إن المسؤولين في المركز لا يقصّرون في النظافة أو تأمين المياه، لكنها ترى أن المشكلة في الزحمة. “في البيت، كنتُ أستطيع دخول الحمام في الوقت الذي أريده، والاستحمام متى احتجت. أمّا هنا، فالأمر مرتبط بالانتظار والازدحام”. خلال الدورة الشهرية، تصبح المسألة أصعب. تحتاج المرأة إلى وقت، وماء، وخصوصية، ومساحة لا تشعر فيها أنها مراقبة أو مضطرة إلى شرح سبب وقوفها أو دخولها أو انتظارها.
ولا تقتصر هذه التحديات على تجربة فاطمة وحدها. فالمعايير الإنسانية الدولية تتعامل مع الخصوصية والنظافة بوصفهما جزءًا من الحماية والكرامة في مراكز الإيواء، وتؤكد أن المرافق الصحية يجب أن تتيح للنساء والفتيات إدارة احتياجات الحيض بكرامة، بما في ذلك التخلص الآمن من المواد الصحية، أو غسلها وتجفيفها بخصوصية.
وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان إلى أن بعض الملاجئ الجماعية تفتقر إلى الخصوصية الكافية، ما يفاقم مخاطر الحماية على النساء والفتيات، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والتحرش، إلى جانب ارتفاع الضائقة النفسية.
المرض والنزوح
أمّا نصيرة عباس، النازحة من حولا، فتختصر حياتها في المركز بجملة واحدة:”كانت حياتنا في بيوتنا أفضل بكثير”. وصلت ليلًا في بداية الحرب، وما زالت تعيش في مدرسة الإنجيلية في منطقة الحمراء.
تعاني نصيرة من السكري، ومن مشاكل في القلب والضغط. في البيت، كانت تعرف كيف تدير يومها ومرضها وحاجتها إلى الحمام والماء الساخن. تقول: “الحمامات ليست مثل حمامات البيت. اليوم استحممت بمياه باردة، ولو توفرت المياه الساخنة لما اضطررت إلى ذلك، لكن دوري لم يصل إلا بعد نفادها”.
لا تتحدث نصيرة عن نفسها وحدها. فأولادها، الذين كانوا يجتمعون في بيت واحد، تفرّقوا اليوم بين الهمّ والضيق ومحاولات التأقلم مع واقع النزوح. أكثر ما تشتاق إليه هو أن تراهم مجتمعين كما كانوا في منزل العائلة. تقول:”هلأ بيوتنا راحت، شبابنا راحت.. ما عاد عنا حدا يعيلنا ولا شي”.
"هلأ بيوتنا راحت شبابنا راحت ما عاد عنا حدا يعيلنا ولا شي"
حياة خاصة مكشوفة
لكن انكشاف الخصوصية لا يبقى محصورًا في الجسد أو في استخدام الحمام. في مراكز النزوح، يمكن أيضًا للعلاقات الشخصية، والأسرار، وما يحاول الإنسان أن يبقيه ضمن دائرته الضيقة، أن ينتقل سريعًا إلى الممرات وغرف الإدارة وأحاديث الناس.
ريان فتوني (الإسم مستعار)، النازحة إلى حمانا، تروي تجربة أخرى عن انكشاف الحياة الخاصة داخل مبنى خُصّص لإيواء النازحين. لم تكن تقيم في مدرسة جماعية، بل في بناية منحت العائلات قدرًا من الخصوصية داخل الغرف، غير أن هذه الخصوصية بقيت محدودة. فالممرات مشتركة، والحركة اليومية مكشوفة، والعائلات تعيش على تماس دائم، ما يجعل أي خلاف شخصي قابلًا للانتقال سريعًا من غرفة إلى أخرى.
تقول ريان إن أحدًا من عائلتها لا يعرف كامل وضعها، باستثناء أختها التوأم التي تعرف بعض التفاصيل، لكنها لا تتفهم الأمر بالكامل. كانت مخطوبة، كما تقول، لأن المجتمع يدفع الفتيات غالبًا إلى هذا المسار، خصوصًا في البيئات المحافظة.
خلال الخطوبة، بدأت مشكلاتها مع خطيبها تتكشف تدريجيًا. فقد لاحظ من أسئلتها المتكررة وإشاراتها المتواصلة أنها لا تنجذب إلى الرجال وحدهم، بل تميل أيضًا إلى النساء. ومع الوقت تحولت هذه المسألة إلى مصدر توتر بينهما.
في الظروف العادية، قد يبقى هذا الخلاف داخل العلاقة أو ضمن دائرة ضيقة. لكن النزوح جعل الدوائر أضيق وأكثر تداخلًا؛ فالأشخاص أنفسهم يلتقون يوميًا في الممرات، وعلى مداخل الغرف، وفي أماكن توزيع المساعدات والخدمات. ومع انتقال تفاصيل الخلاف من خطيبها إلى إحدى صديقاته، ثم من شخص إلى آخر، وصلت القصة إلى إدارة مبنى النزوح. عندها شعرت ريان بأن حياتها الخاصة لم تعد ملكًا لها، وأن ما كان يفترض أن يبقى داخل علاقة شخصية صار موضوعًا متداولًا في محيط لا يتيح لصاحبه الانسحاب أو الابتعاد.
تقول إنها لم تؤذِ أحدًا، ولم تتجاوز حدود أحد، بل كشفت جانبًا من مشاعرها للشخص الذي اعتبرته الأقرب إليها. لكن هذا الكشف، في بيئة محافظة ومكتظة، تحوّل إلى عبء إضافي عليها.

الابتزاز داخل الهشاشة
إذا كان النزوح يجعل الحياة الخاصة قابلة للانكشاف، فإنّ شهادة حيدر مهتدي (الإسم مستعار)، البالغ من العمر 26 عامًا، شهادة أكثر قسوة عن الكيفية التي يمكن أن تتحول فيها المعرفة الخاصة بحياة شخص ما إلى أداة ابتزاز. قبل الحرب، كان قد تعرّف إلى مجموعة من الشباب والفتيات في نادٍ رياضي مختلط في فرن الشباك. هناك بدأ يكتشف جوانب من ميوله، وتعرّف إلى أشخاص يشبهونه، ولم يكن يشعر بالخجل من ذلك، لأنهم ينتمون إلى بيئات مختلفة عن بيئته الأصلية.
لكن النزوح أعاد خلط العوالم. فقد انتقل مع عائلته إلى مركز إيواء في مبنى كان سابقًا فندقًا في منطقة جوار الحوز. وهناك، صادف شخصًا كان يعرفه من النادي، ويعمل ضمن الطاقم البلدي الموجود في محيط المركز. لم تكن المشكلة، كما يروي حيدر، في صفته الوظيفية بحد ذاتها، بل في استغلاله معرفة شخصية سابقة بحياته الخاصة. بدأ هذا الشخص يلمّح إلى معرفته بتفاصيل حساسة عنه، ثم صار يطلب منه المال مقابل الصمت.
يقول حيدر إنه كان خائفًا من أن يصل الأمر إلى عائلته، لا سيما والديه. كان يخشى أن يسبب لهما صدمة أو أذى نفسيًا إذا عرفا بتلك التفاصيل، لذلك دفع المال لفترة، إلى أن طالت الحرب ولم يعد قادرًا على الاستمرار. عندها، بحسب روايته، بدأ الكلام ينتشر داخل مركز الإيواء.
تغيّر كل شيء بعد ذلك. شبان كانوا يجلسون معه توقفوا عن الحديث إليه، وأطفال كان يساعدهم في الدراسة ابتعدوا عنه بعدما منعهم أهلهم من الاختلاط به. كما بدأت التعليقات الجارحة تلاحقه في الممرات، من شبان وفتيات على حد سواء. يقول: “شعرت أنني أصبحت وحيدًا، ولا أعرف بابًا أطرقه لأقول إنني أتأذى فعلًا.”
في شهادته، لا يتوقف الألم عند التنمر، بل يصل إلى الإحساس بأنه لا توجد جهة يمكن أن تسمعه أو تحميه. ويقول إن الناس، بدل أن يمدّوا له يد المساعدة، زادوا عليه الضغط والعزلة. ويضيف: “تضرر بيتنا في الضاحية، لكن الدمار النفسي الذي أصابني كان أقسى من دمار البيت. فالبيت يمكن أن يُعاد بناؤه، أما ما تهدّم في داخلي فكان أصعب.”
"الدمار النفسي الذي أصابني كان أقسى من دمار البيت"
إدارة الهشاشة
أمام هذا النوع من الهشاشة، لا تعود إدارة مركز النزوح مسألة تنظيمية فقط، بل تصبح جزءًا من الحماية. فقد واجه العاملون في بعض مراكز النزوح حالات معقدة ارتبطت بالخوف من انكشاف الحياة الخاصة. ويقول حسن قبلان، الخبير الاجتماعي والتربوي الذي يعمل على إدارة ملف النزوح في منطقة الجبل، إن بعض هذه الحالات كانت تتطلب تدخلًا هادئًا وحساسًا، لا لمنحها حكمًا أو توصيفًا، بل لمنع تحوّل الكلام والشكوك إلى أذى مباشر داخل بيئة مكتظة ومتوترة.
يوضح قبلان أن التعامل مع هذه الحالات كان يقوم على حماية الأشخاص واحتواء التوتر، لا على الإدانة أو الإقصاء. ففي بعض المواقف، كما يقول، كان الخطر الحقيقي يكمن في ردود فعل المحيط وفي سرعة انتشار الكلام، أكثر مما يكمن في الحالة نفسها.
ويشير إلى أن فريق العمل حاول، كلما أمكن، تأمين مساحات آمنة للحوار، وتهدئة التوتر داخل المركز، والدفاع عن الأشخاص حين كان الخطر عليهم يزداد بسبب التنمر أو سوء الفهم.
ويضيف: “في ظروف النزوح، يكون الناس أصلًا تحت ضغط هائل. لذلك فإن أي نبذ إضافي يمكن أن يتحول إلى عبء نفسي خطير. دورنا كان أن نخفف هذا العبء، لا أن نزيده”.
ومن زاوية نفسية، ترى حنان ناصر، المعالجة النفسية من خلال تجربتها، أن كثيرًا من المعاناة داخل مراكز النزوح يرتبط بفقدان السيطرة على تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تمنح الناس شعورًا بالاستقرار، خصوصًا النساء اللواتي كنّ يدِرن إيقاع البيت والأطفال والنظافة والراحة. فالمرأة التي كانت تنظّم أوقات نوم أطفالها وطعامهم ودراستهم تجد نفسها فجأة في مكان مشترك لا تملك فيه القرار نفسه في أبسط التفاصيل، من الاستحمام وغسل الملابس إلى الراحة والنوم والعناية بالأطفال.
وتوضح ناصر أن الحمامات المشتركة، والازدحام، وغياب الخصوصية، لا تُفهم فقط كمشكلات خدمية، بل كضغوط نفسية يومية. ففقدان البيت، بالنسبة إلى كثيرات، يعني أيضًا فقدان الدور، والنظام، والقدرة على حماية الجسد والحياة الخاصة. وهذا الضغط، كما تقول، لا يبقى محصورًا بالنساء، بل ينتقل داخل العائلة، خصوصًا إلى الأطفال الذين يعيشون بدورهم الازدحام وفقدان الروتين اليومي.
أكثر من سقف
لا تلغي هذه الشهادات وجود المساعدة. معظم من تحدثوا أشاروا إلى أن هناك من لم يقصّر معهم، وأن المسؤولين أو الأهالي أو الأقارب قدموا ما استطاعوا. لكن المساعدة لا تمحو دائمًا الفجوة بين النجاة والحياة الكريمة. فقد ينجو الإنسان من القصف، لكنه يدخل في امتحان آخر: كيف ينام، كيف يستحم، كيف يعتني بجرحه، كيف يحمي سره، كيف يربي أطفاله، وكيف يبقى قادرًا على الاحتمال.
بعد أشهر من ولادة طفلتها، ما زالت ناريمان تعود إلى العبارة نفسها: “كنت أتمنى أن أولد في ظروف أفضل”. ليست الجملة اعتراضًا على من ساعدها، بل وصفًا لما لا تستطيع المساعدات وحدها تعويضه. البيت ليس جدرانًا فقط. هو الحمام الذي لا تنتظرين دورك فيه، والسرير الذي تعرفينه، والباب الذي تغلقينه حين تتعبين.
في مراكز النزوح، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة هي جوهر الحماية. وحين تغيب، لا يفقد النازحون بيوتهم فقط، بل يفقدون شيئًا من قدرتهم على امتلاك يومهم وأجسادهم وحكاياتهم الخاصة.
*ملاحظة: للحفاظ على خصوصية الأفراد وسلامتهم الشخصية استخدمنا أسماء مستعارة.













