الجامع الكبير في بنت جبيل: ذاكرة مكان لا تُبنى بالحجر وحده

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
18/06/202610:43 م

يُعدّ الجامع الكبير في بنت جبيل واحدًا من أقدم المعالم الدينية والاجتماعية في المدينة، ومن الشواهد العمرانية التي التصقت بذاكرة أهلها، وإن كان تاريخ بنائه الدقيق لا يزال غير محسوم. 

فبحسب د. حبيب صادق، الأستاذ الجامعي ورئيس مؤسسة الجادرجي من أجل العمارة والمجتمع، لا تتوافر حتى الآن مراجع دقيقة وحاسمة يمكن الاستناد إليها لتأريخ جوامع الجنوب بشكل نهائي، إذ ما زال هذا المجال يحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق. غير أنّ هذا المعلم، الذي ظلّ حاضرًا في تاريخ بنت جبيل ونسيجها اليومي، لم يبقَ منه سوى الركام، بعدما تعرّض للجرف والتدمير من قبل الجيش الإسرائيلي خلال الحرب القائمة في جنوب لبنان. لم يكن الجامع مكانًا للصلاة فقط، بل مساحة تجمّعت حولها الأجيال، وتداخلت فيها الشعائر الدينية مع العادات الاجتماعية واللقاءات الشعبية. 

ذاكرة عمرانية تاريخية

يُعدّ الجامع الكبير من أقدم مساجد المدينة. وتُظهر كتابة محفوظة داخل حنية في جداره الجنوبي أن الحاج علي بن أحمد البزي جدّد بناءه سنة 1134هـ/1722–1723م، في عهد قبلان بن حسن بن نصار من آل علي الصغير. غير أن روايات محلية أخرى تشير إلى أن موقع الجامع أقدم من هذا التاريخ، وأن ما يعود إلى عام 1722 هو أول تجديد موثّق، لا بداية البناء الأولى.

وتشير لوحات وروايات محلية أخرى إلى أن الجامع عرف مراحل متعددة من التوسعة والترميم عبر القرون. فقد أعاد الحاج سليمان بزي تشييده سنة 1300هـ/1883م، في عصر العلامة الشيخ موسى شرارة، حيث أُضيفت قبة كبيرة وزيدت مساحة المسجد على يد معماريين من صفد في فلسطين. أما المئذنة الحالية، فينقل أحمد أ. بزي، عبر منشور على فيسبوك نقلًا عن الأستاذ غسان حسن سعيد بزي، أنها أُعيد بناؤها خلال أعمال توسعة وترميم سنة 1948، على يد أبو تيسير وإخوته، وقد نُحتت حجارتها بأيدي أبناء البلدة، وتميّزت بدرج حجري داخلي وطابع معماري جعلها من أبرز معالم المدينة.

و”تشير الروايات نفسها إلى أن الجامع عرف توسعات لاحقة، منها توسيع بيت الصلاة سنة 1349هـ/1932م، وتسوير الصحن الخارجي سنة 1364هـ/1945م، ثم إنشاء رواق بأقواس وأعمدة حجرية من الجهة الشمالية. كما استُحدث الليوان في مرحلة لاحقة، وجرت أعمال ترميم وتوسعة في أواخر الستينيات، ثم أعمال تأهيل عامة بعد عام 2000، قبل أن يتعرض لتدمير جزئي عام 2006، وتُنجز بعد ذلك ورشة ترميم وتوسعة شاملة سنة 2007.

" تشير الروايات نفسها إلى أن الجامع عرف توسعات لاحقة "
صورة من داخل الجامع الكبير في مدينة بنت جبيل

طقوس دينية واجتماعية صنعت المكان

لا تختصر قيمة الجامع بتاريخه المعماري وحده، بالنسبة إلى علي سمير سعد، مسؤول لجنة الجامع الكبير في مدينة بنت جبيل، بل بما كان يؤديه من دور يومي في جمع الناس. يوضح سعد:”الجامع كان يحمل معناه الاجتماعي بقدر ما يحمل معناه الديني، إذ كانت تُقام فيه النشاطات الدينية والاجتماعية بصورة مستمرة، من المجالس الأسبوعية إلى مناسبات ولادات الأئمة ووفياتهم، وصولًا إلى محطتين أساسيتين في حياة البلدة: عاشوراء وشهر رمضان”.

"الجامع كان يحمل معناه الاجتماعي بقدر ما يحمل معناه الديني"

في عاشوراء، كان الجامع يتحول إلى مساحة واسعة للضيافة واللقاء. يروي سعد أن المجلس كان يجمع نحو 450 شخصًا، وأن بعض الأهالي كانوا يأتون منذ الثانية أو الثالثة بعد الظهر، قبل بدء المجلس عند الخامسة، للجلوس في أجواء الجامع وشرب الشاي. وكانت لجنة مؤلفة من نحو عشرة أشخاص تتولى التحضير، فيما كانت الضيافة تشمل الشاي والبسكويت والراحة. ويشرح أن اللجنة كانت تحضّر كميات كبيرة من الشاي لتوزيعها على الحاضرين.

ويشير سعد إلى أن هذه الضيافة كانت امتدادًا لعادات قديمة حافظ عليها الجامع مع تبدّل الزمن. ففي السابق، كان الأهالي يساهمون عينيًا؛ فيحضر أحدهم السكر، وآخر الشاي، وثالث ما تيسّر من مستلزمات المجلس. أما لاحقًا، فتغيّرت طريقة الدعم، وصار الناس يقدّمون المال، فيما تتولى اللجنة شراء الحاجات وتنظيم الضيافة.

وفي مناسبات ولادات الأئمة، كانت تُقام التواشيح والموالد في ديوانية الجامع، مع توزيع الشاي والحلوى العربية المعروفة في بنت جبيل مثل النمورة والمرشوشة. أما في شهر رمضان، فكان للجامع طقس خاص، إذ كانت اللجنة تبدأ بتحضير الزينة قبل بداية الشهر بأسبوع تقريبًا، ويتولى سعد ومجموعة من الشباب تعليقها وتنظيمها. ويقول إن زينة الجامع في السنوات الأخيرة كانت لافتة إلى درجة أن الناس كانوا يأتون لتصويرها، وأن البعض طلب توثيقها لجمالها وخصوصيتها.

تصوير علي سعد

ولم تقتصر مكانة الجامع، بحسب سعد، على أبناء بنت جبيل. فقد كان يُزار كمعلم سياحي، وكان زوار يأتون إليه أيام الأحد من بيروت والأشرفية ومناطق أخرى للتعرّف إليه. وكان سعد يستقبلهم ويقدّم لهم معلومات عن الجامع، كما كان يوفّر أغطية للرأس للزائرات احترامًا لحرمة المكان. ويشير إلى أن زوارًا مسيحيين/ات من مختلف المناطق كالأشرفية وغيرها كانوا يدخلون الجامع لزيارته، ما جعله مساحة للتعرّف إلى تراث المدينة، لا مكانًا دينيًا مغلقًا على أهله فقط. ويختصر سعد الخسارة بالقول: “لو تعمّر حجرًا حجرًا ورجع كما كان، فلن تعود الروح التي كانت فيه.”

“حاكورة نص الضيعة”

في قلب بنت جبيل، كان الجامع الكبير واحدًا من المعالم التي التصقت بصورة المدينة وذاكرتها اليومية. تصفه زهراء السيد، وهي معلمة أدب عربي وكاتبة من بنت جبيل، بأنه “حاكورة نص الضيعة”، أي المكان الذي يعرفه الأهالي بوصفه جزءًا من حياتهم لا من عمرانهم فقط.

تقول السيد إن علاقتها بالجامع بدأت منذ الطفولة، خصوصًا بعد التحرير، حين كان الأهل يصطحبون أبناءهم إليه في المناسبات الدينية، ولا سيما في شهر رمضان وليالي القدر. وتروي أنها كانت تقصده منذ كانت في السادسة أو السابعة من عمرها، ثم كبرت وهي تحمل هذا التعلّق به، قبل أن تنقله لاحقًا إلى أبنائها.

بالنسبة إليها، لم يكن الجامع معلمًا دينيًا أو تراثيًا فحسب، بل “قطعة من الروح”، ومكانًا تربّت عليه أجيال متعاقبة: جيل الآباء، ثم جيلها، ثم الأطفال الذين نشأوا على حبّه. وتشير إلى أن موقعه في وسط بنت جبيل جعله قريبًا من معظم أحياء المدينة، بحيث كان الناس يقصدونه سيرًا من البركة أو السوق أو الأحياء المجاورة.

وتستعيد السيد أجواء رمضان وعاشوراء، حين كان الأهالي ينتظرون زينة الجامع ويقصدونه لقراءة دعاء الافتتاح وحضور المجالس. وتقول إن الزينة كانت مميزة إلى درجة أن أبناء البلدة كانوا “يرون أنفسهم فيها”. كما تصفه بأنه مساحة ألفة ولقاء، حيث كان الناس يلتقون بمن لم يروهم منذ زمن، فيتحول المكان إلى صلة وصل بين أبناء المدينة.

وترى السيد أن خسارة الجامع لا يمكن قياسها ماديًا فقط، لأن قيمته تمتد في الذاكرة والوجدان. فوجوده، كما تقول، كان جزءًا من نشأة الأجيال دينيًا واجتماعيًا، ومن تعلقهم بالمناسبات الدينية وبالجماعة. ولذلك يصعب عليها تخيّل بنت جبيل من دون الجامع وصوته وحضوره.

بهذا المعنى، لا يُختصر الجامع الكبير في بنت جبيل بوصفه معلمًا دينيًا أو أثرًا عمرانيًا فقط، بل بوصفه جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والعمرانية لمدينة ظلّ حاضرًا في تفاصيلها اليومية عبر أجيال متعاقبة. لذلك، فإن خسارته في الحرب الأخيرة لا تُقرأ كخسارة مبنى أو معلم تاريخي فحسب، بل كمحوٍ لجزء من المكان الذي تشكّلت فيه العلاقات والعادات والهوية  الجماعية.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x