مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

المسرح يختصر الحرب: عرض يحوّل النزوح إلى ذاكرة حيّة

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
13/05/20269:35 م


في العتمة، لا يبدأ العرض بضوءٍ فقط، بل بنص، كلمات تتسلّل إلى المشهد، لا تُقرأ بقدر ما تُرى، كأنها جزء من الجسد المسرحي، لا مجرّد مرافقة له. في المسرحية بعنوان “راجعين”، التي عُرضت على خشبة المسرح الوطني اللبناني في بيروت – الحمرا (سينما كوليزيه سابقًا)، من تنظيم الممثل والمخرج قاسم اسطنبولي، لا يقف الجمهور أمام عرض تقليدي، بل يدخل تجربة حسّية تتداخل فيها الصورة والصوت والنص، إلى حدّ يصعب معه الفصل بين ما يُقال وما يُمثَّل.

أمام أكثر من مئة مشاهد، غالبيتهم من العائلات النازحة من الضاحية الجنوبية ومناطق الجنوب، تتحوّل الخشبة إلى مساحة مشتركة للذاكرة والوجع، حيث تنجح المسرحية، بصمتٍ ثقيل، في اختصار معاناة الحرب والنزوح ضمن ساعة واحدة، تجمع فيها مشاهد متفرقة من الألم، لكنها تختزل سنوات من الخسارة الإنسانية.

مشاهد من المسرحية

بداية خادعة.. قبل الانفجار
تبدأ المسرحية بهدوءٍ خادع يكاد يُوهم المشاهد أنه  أمام لحظة عادية، على الخشبة تتشكّل ملامح حياة يومية بسيطة، وجوه تتحرّك بصمت وأجساد تحمل في تفاصيلها توترًا غير مرئي، لا صراخ في البداية بل انتظار كثيف لشيء لا يُقال، قبل أن يتسلّل الصوت تدريجيًا كامتداد للذاكرة، همسات ووقع خطوات تتحوّل إلى أصوات قصف وارتباك، فينكسر الإيقاع وتتحوّل البداية إلى مدخل مباشر إلى عالم الحرب حيث لا عودة.

“فول أو حمص؟”
تفتح المسرحية على مشهد النزوح في لحظة تختصر شعورًا جماعيًا، حيث تدخل الجمعيات لتسأل النازحين عمّا يحتاجونه “فول أو حمص؟”، لكن السؤال لا يُستقبل كمساعدة بل كصدمة، فيخرج الردّ بصوت مثقل بالغضب: نحن لم نترك بيوتنا لنبحث عن الطعام بل تركنا كل شيء خلفنا، بيوتنا وأراضينا وذكرياتنا، وفي لحظة مواجهة صريحة يُطرح السؤال الأقسى: من قال إننا نمدّ أيدينا؟ نحن لا نتسوّل، نحن أصحاب الأرض وسنعود لنعمّر مهما طال الزمن.

الغارة: من الكلام إلى الهروب
لا يترك العرض مساحة لالتقاط الأنفاس، إذ ينكسر المشهد فجأة على صوت غارة، يتغيّر الضوء ويتصاعد الدخان ويعلو الصوت كصدمة تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، فتتحوّل الكلمات إلى حركة والذاكرة إلى فعل، تركض الشخصيات وتتخبّط وكأنها تعيش لحظة الفرار من الموت من جديد، لحظة لا وقت فيها للتفكير بل فقط للهروب وترك كل شيء خلفها، وهنا لا تعود المسرحية تروي النزوح بل تعيد خلقه أمام الجمهور بكل ما فيه من خوف وارتباك واقتلاع مفاجئ من الحياة.

تنتقل المسرحية بين مشاهد إنسانية قاسية تكشف هشاشة الحياة في زمن الحرب


تنتقل المسرحية بين مشاهد إنسانية قاسية تكشف هشاشة الحياة في زمن الحرب، من عيد ميلاد أمّ يتحوّل إلى مأساة بعدما تصبح ضحية صاروخ إسرائيلي أمام أعين أطفالها، إلى مشهد مسعف يجد نفسه مضطرًا لحمل والديه في لحظة ينهار فيها الحد الفاصل بين الواجب المهني والفقد الشخصي، فيما تحضر أصوات القصف والدمار كذاكرة حيّة لا كمؤثرات فقط بل كجزء من التجربة التي تسكن الأجساد وتعيد إنتاج الخوف.

الفن في خدمة الناس
في هذا السياق يشير الممثل والمخرج قاسم اسطنبولي إلى أن العمل لا يأتي من باب الترفيه بل من دور المسرح الحقيقي في الوصول إلى الناس وخلق تفاعل إنساني مباشر معهم، موضحًا أن تقديم العرض بشكل مجاني يهدف إلى كسر الحواجز ودفع الناس إلى الحضور والمشاركة، ومؤكدًا أن المسرح يتحوّل إلى مساحة لسماع صوت الناس والتعبير عن معاناتهم وقصصهم، معتبرًا أن هذا هو جوهر دور الثقافة والفنون في خدمة المجتمع خاصة في الظروف الصعبة، كما يهدي العمل إلى أرواح الشهداء والمسعفين والصحافيين الذين حملوا الكاميرا لنقل الحقيقة.

مشاهد من المسرحية

خشبة تجمع لبنان
يتميّز العرض أيضًا بتنوّع المشاركين فيه، حيث يجمع ممثلين من مختلف المناطق اللبنانية وخلفيات متعددة، من الضاحية وعبرا وعين الرمانة وجبيل وحبوش ومناطق جنوبية مختلفة، إلى جانب مشاركين من جنسيات عربية كالسوريين والمصريين، في صورة تعكس واقع النزوح والتشتّت، حيث لم يكن هذا التنوع تفصيلاً عابرًا بل شكّل جزءًا أساسيًا من روح العمل، لتتحوّل الخشبة إلى مساحة جامعة تلتقي فيها تجارب مختلفة تعبّر عن معاناة واحدة.

الفن كوسيلة نجاة
من جهتها تقول لارا، النازحة من الجنوب والمقيمة في الضاحية، إنها اختارت أن تكون جزءًا من هذا العرض لتقدّم رسالتها “بالطريقة التي تعرفها”، معتبرة أن الفن تحوّل بالنسبة لها إلى وسيلة للتعبير عن تجربة النزوح التي تعيشها، أما فريدة الموسوي، ابنة الخامسة عشرة من رياق، والتي جسّدت دور فتاة عالقة تحت الركام، فتشير إلى أن التحضير للمسرحية تم خلال أسبوع واحد فقط، لكن بحماس وطاقة كبيرة من جميع المشاركين، فيما يصف غسان حيدر، الفنان اللبناني من جبيل والمقيم في بيروت، تجربته بأنها كانت جديدة عليه، معتبرًا أن المسرح شكّل مساحة للتعبير والتخفيف وفرصة لنقل ما يعيشه الناس رغم الدمار والحزن.

الجمهور: “هذا ما عشناه”
على مستوى الجمهور، جاءت ردود الفعل لتؤكد قوة التأثير، حيث اعتبرت إحدى الحاضرات أن المسرحية عبّرت عن الواقع بشكل حقيقي ضمن قالب مسرحي، خصوصًا في المشاهد المستوحاة من أحداث واقعية مثل ما حصل في عيد الأم، فيما وصفت مشاهدة أخرى العرض بأنه مؤثر جدًا لأنه اختصر معاناة الناس وتجاربهم، مؤكدة أن ما يجعله قاسيًا هو أنه يعكس فقدان الأهل والبيوت والأحلام بشكل مفاجئ وفي لحظة واحدة.


لا تكتفي مسرحية “راجعين” بسرد الحرب، بل تعيد تشكيلها على الخشبة، حيث تتحوّل المشاهد إلى ذاكرة حيّة، ويصبح الصمت أحيانًا أبلغ من أي كلام، ففي ساعة واحدة لا تنتهي الحرب، لكنها تُصبح مرئية أكثر، أقرب، وأكثر وجعًا، كأن العرض لا يقدّم حكاية بقدر ما يفتح جرحًا جماعيًا أمام الجمهور، جرحًا يعرفه الجميع لكن قلّما يُقال بهذه الكثافة، وهنا تكمن قوة العمل، في قدرته على نقل التجربة من مستوى المشاهدة إلى مستوى الإحساس، حيث لا يخرج المتفرّج كما دخل، بل يحمل معه شيئًا من هذه القصص، من هذا الفقد، من هذا الخوف الذي لم ينتهِ بعد، وفي لحظة تتسارع فيها الأحداث وتُنسى التفاصيل، يأتي المسرح ليعيد تثبيت الذاكرة، لا كأرشيف، بل كحضور حيّ، وكأن هذه المسرحية لا تُعرض فقط، بل تُقاوم النسيان، وتصرّ على أن ما حدث لا يمكن أن يُختصر أو يُمحى، بل يجب أن يُروى… ولو بصمت.

التقرير بدعم من:

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x