من القصف إلى التجريف: كيف تحوّلت قرى الجنوب إلى أهداف لمحو الحياة
في ٢٠ نيسان ٢٠٢٦، بلدة بيت ليف الجنوبية التي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الحدود مع إسرائيل، لم تكن على هامش الحرب، بل من القرى التي شهدت قصفًا متكرّرًا خاصة خلال الفترة الأخيرة. في ذلك اليوم، تقدّمت الآليات الإسرائيلية إلى أطراف القرية، وبدأت ما يشبه عملية محو بطيئة! جرافات تقتلع البيوت كهدف بحد ذاته.
ما يتعرّض له جنوب لبنان منذ أسابيع يتجاوز مشهد القصف المعتاد. في القرى الحدودية، ومن بينها بيت ليف، لم تعد فقط تحت القصف، بل تحت فعل منظّم يطال البنية نفسها: البيوت، الأراضي وما تبقّى من إمكانية الحياة. ما يجعل تدمير منزل حدثًا سياسيًا بقدر ما هو شخصي.
“ما ضلّ شي”…
“بعتولي إياه على الواتساب. ضلّيت عيد الفيديو… وقّفوا على كل لقطة، عم دوّر على أي إشارة. ما عرفت البيت”يضحك قليلاً، ثم يتنهد ويسكت. عزات – أبو علي غادر لبنان خلال الحرب الأهلية. استقر في ألمانيا، عمل لسنوات طويلة، مثل كثيرين من أبناء جيله. لم يقطع علاقته بالبلد، ولم يتعامل مع الغربة كبديل نهائي. كان هناك دائمًا مشروع مؤجّل: العودة. “كنت إبني البيت وأنا هونيك. كل شي فيه بعرفه. من البلاط للحيطان. كنت قول: هيدا بيتي وأرضي وهويتي”. المنزل في بيت ليف لم يكن استثمارًا بل كان خطة حياة.
العودة التي لم تحصل
حين اقترب من سنّ التقاعد، بدأ أبو علي يحضّر للرجوع. لم يكن القرار مفاجئًا، بل نتيجة سنوات من الانتظار. أولاده يعرفون الحكاية: بيت في الجنوب، أرض، قرية، عائلة وأقارب. “زرعت هالفكرة فيهم. إنو نحنا مش بس مغتربين. عنا مطرح نرجع عليه. ولا مرّة قطعت الصيفية من دون ما نرجع ع لبنان. حتى لو كانت صعبة ماديًا، كنت أصرّ. بدي ياهن يعرفوا من وين هنّي وشو أصلن، ويحبّوا هالبلد متلي”. لكن الجنوب الذي كان ينتظره تغيّر. منذ أواخر ٢٠٢٥، عاد التوتر إلى الحدود، وتحوّل تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة. ومعها، بدأت القرى تُفرغ من سكانها، ثم من بيوتها. “صاروا يقولوا ما في أمان. قلت خلص، مننطر شوي. ما فكرت إنو البيت نفسه ما رح يضل”.
20 نيسان: حين صار البيت ذكرى
في ذلك اليوم، دخلت الآليات إلى بيت ليف. لم يكن منزل أبو علي موقعًا عسكريًا، ولا نقطة اشتباك. كان بيتًا مقفلًا، مثل بيوت كثيرة تركها أصحابها على أمل العودة. “ما في شي يبرر. بس واضح شو عم يعملوا. بدهم ما يضل شي نرجع عليه”. العملية لم تكن سريعة. بحسب ما يروي أبناء البلدة، استمرّ التجريف لساعات. بيت بعد بيت. جدران تسقط، وساحات تُسوّى بالأرض. “حتى الشجرة.. شجرة التين اللي زرعتها، راحت. هيدي أكتر شي وجعني”.
بيوت كثيرة… الحكاية نفسها
في حديثه، لا يميل أبو علي إلى تضخيم خسارته الشخصية. يوسّع الدائرة دائمًا. “مش قصتي لحالي. كل الضيعة هيك. في ناس تعبت أكتر مني، وفي بيوت أقدم، وفي ذكريات أكتر”.
ليست خسارة أبو علي استثناءً في بيت ليف. في البلدة، تتشابه الحكايات أكثر مما تختلف. البيوت أُغلقت على عجل وأصحابها خرجوا على أمل العودة بعد أيام، ليجدوا لاحقًا أن ما تركوه خلفهم لم يعد كما كان. البعض لم يتمكّن حتى من رؤية منزله، وآخرون اكتفوا بصور أو مقاطع فيديو تصلهم من بعيد. في كل مرة، يتكرّر المشهد نفسه: خبر سريع، صمت طويل ومحاولة لفهم خسارة يصعب استيعابها دفعة واحدة.
في طرف آخر من بيت ليف، خسارة مشابهة تُروى بصوت مختلف. سميحة – أم حسن، التي كانت تقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت، اعتادت العودة إلى بيتها في البلدة كل صيف؛ المنزل بالنسبة لها لم يكن إقامة دائمة، بل امتدادًا لحياة لم تنقطع يومًا. تقول: “كنا نرجع كل سنة حتى وقت الحرب، ما قطعنا. البيت كان ناطرنا دايمًا”. قبل أسابيع، وصلها الخبر كما يصل إلى كثيرين: اتصال سريع، ثم فيديو. لم تحاول مشاهدته أكثر من مرة. من أول مرة فهمت. معش في شي”.
"كنا نرجع كل سنة حتى وقت الحرب، ما قطعنا، البيت كان ناطرنا دايمًا"
تتوقف قليلًا قبل أن تضيف: “مش بس البيت. كل شي فيه… الصور، الأغراض وتفاصيل صغيرة ما بتنشرى”. مثل أبو علي، لا تتحدث أم حسن عن خسارة فردية فقط. بالنسبة لها، ما حدث يتجاوز منزلها: “الضيعة كلها تغيّرت. مش بس بيوتنا راحت… إحساس إنو في محل نرجع عليه، هو اللي عم يضيع”.
هذا ما يبدو اليوم في جنوب لبنان: خسائر فردية تتراكم لتصير مشهدًا عامًا. فبحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تضرّر أو دُمّر أكثر من 62 ألف منزل خلال أسابيع قليلة فقط. البيوت التي تُهدم ليست فقط أماكن للسكن، بل نقاط تثبيت لعلاقة الناس بأرضهم. ومع كل بيت يُزال، تصبح العودة أصعب، وأقل واقعية.
لا يزال يفكّر بالعودة، من دون تردّد فعلي. يقول ببساطة: “أكيد. وين بدي روح؟”. بالنسبة له، السؤال ليس مطروحًا أصلًا. البيت لم يعد موجودًا، هذا صحيح، لكنه لا يرى في ذلك نهاية. “يمكن ما في بيت هلّق، بس الأرض بعدها. منرجع منبلّش”. كلامه يخرج بهدوء، كأنه يحاول تثبيت فكرة أكثر مما يحاول إقناع أحد. في الجنوب، البيوت ليست تفصيلًا عابرًا. تُبنى غالبًا على سنوات طويلة من العمل، وكثيرًا ما تكون ثمرة اغتراب أو تعب يومي، تُشيَّد تدريجيًا، جزءًا بعد جزء، مع كل زيارة وكل موسم. حتى في ظل التوتر الدائم على الحدود، لم يتوقف الناس عن البناء، كأنهم يتمسّكون بما تبقّى لهم: الأرض.
هذا التمسّك لا يظهر في الكلام فقط، بل في الفعل نفسه. في الإصرار على ترميم ما تهدّم، وعلى العودة كلما سنحت لهم الفرصة، وعلى إبقاء البيت قائمًا، حتى لو كان ذلك مؤقتًا أو ناقصًا. كأن البيت، في النهاية، ليس مجرد مكان، بل طريقة للبقاء والتمسّك بأرض الجنوب.
يشير تقرير Lebanon Economic Monitor الصادر عن البنك الدولي إلى ارتفاع حاد في الأسعار في لبنان نتيجة الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019، ما انعكس على مختلف السلع، بما فيها المواد المرتبطة بقطاع البناء. إذ أن إعمار هذه البيوت ليس أمرًا بسيطًا. فقد ارتفعت كلفة البناء بشكل كبير في لبنان خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الأولية. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن سعر طن الحديد، ارتفع من نحو 500 دولار قبل أزمة انهيار الليرة وارتفاع كلفة الاستيراد إلى ما يقارب 1000 دولار، ما انعكس مباشرة على كلفة البناء وجعل إعادة الإعمار عبئًا ثقيلًا على الأهالي. وما يُهدم في لحظة قد يكون احتاج سنوات. لذلك، لا تبدو الخسارة مجرد جدران سقطت، بل انهيار لجهد طويل، وخطة حياة كاملة.
بين ألمانيا التي أمضى فيها عمره، وبيت ليف التي خسر فيها بيته، وما هو أكبر بكثير من بيت، يبقى أبو علي متمسّكًا بفكرة واحدة: أنّ ما خسره لا يلغي ما بناه. وأنّ العودة حتى الآن، لا تزال ممكنة. في جنوب لبنان، حيث تُهدم البيوت وتفرغ القرى، لا يزال هناك من يصرّ على التمسّك بأرضه، حتى لو خسر البيت نفسه.













