مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الشارع بعد التاسعة: كيف أعادت قرارات تقليل الإضاءة رسم حركة النساء في مصر؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
13/04/202610:58 م


تحقيق يرصد كلفة الغلق المبكر وتراجع الإضاءة على الأمان والتنقل في المجال العام

في لحظات الأزمات، تُقدم السياسات الحكومية عادة باعتبارها استجابات ضرورية لإدارة الموارد أو احتواء تداعيات طارئة. غير أن هذه القرارات، رغم ما تبدو عليه من حياد، لا تُطبَّق داخل فراغ، بل تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية وحدود الحركة داخل المجال العام.

وفي هذا السياق، تكشف التجارب الفعلية – خاصة للنساء – عن تفاوت واضح في القدرة على التكيّف مع هذه السياسات، حيث تتحول عناصر مثل الإضاءة، وساعات العمل، ووسائل التنقل إلى محددات مباشرة للشعور بالأمان وإمكانية الوصول.

في شهر مارس الماضي، أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن اتخاذ حزمة من الإجراءات الاستثنائية لترشيد استهلاك الطاقة، بدأ تنفيذها في 28 مارس 2026، بالتزامن مع أزمة اقتصادية متصاعدة تشهدها المنطقة. وشملت هذه الإجراءات تقليص الإضاءة، والغلق المبكر للمحال، وإعادة تنظيم مواعيد العمل، ضمن خطة أوسع لإدارة الموارد.

لا تبدو المواصلات العامة خيارًا محايدًا،
بل مساحة مشروطة بمستويات متفاوتة من الأمان، تزداد هشاشتها مع تقليص الحركة

غير أن هذه القرارات لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الجدوى الاقتصادية، إذ تطرح تساؤلات أعمق حول كلفتها الاجتماعية والجندرية، وكيف تعيد توزيع الإتاحة داخل المجال العام، ومن يتحمل هذه الكلفة فعليًا في الحياة اليومية.

في نهاية عام 2019، ومع بدء تفشي جائحة COVID-19 عالميًا، سارعت الحكومة المصرية، كغيرها من الحكومات، إلى اتخاذ قرارات استثنائية لمواجهة تداعيات الأزمة الصحية والاقتصادية، شملت تعليق الدراسة، وفرض حظر جزئي على الحركة، وتقليص ساعات العمل، والتوسع في العمل عن بُعد، وإغلاق جزئي للأنشطة. ورغم تقديمها كإجراءات ضرورية، فإنها أعادت توزيع الأعباء داخل المجال الخاص بشكل غير متكافئ، حيث تحمّلت النساء أعباء الرعاية والعمل غير المدفوع، إلى جانب هشاشة أوضاع كثير منهن في سوق العمل غير الرسمي.

وخلال ذروة الجائحة وما بعدها، توالت التقارير الحقوقية والدولية التي رصدت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات العنف ضد النساء والفتيات، فيما وصفته UN Women بـ”جائحة الظل“إذ أدت إجراءات الحظر إلى حبس العديد من النساء مع مُعنفيهن، مع تراجع فرص طلب الدعم أو الإبلاغ.

أما الآن، ومع القرارات الجديدة، يسعى هذا التحقيق على منصة “صلة وصل” إلى رصد تصاعد حالة من القلق لا ترتبط فقط بإدارة الأزمة، وإنما بكيفية انعكاس هذه الإجراءات على القدرة على الحركة والتنقل داخل المجال العام، خاصة بالنسبة للنساء، في ظل ارتباط الشعور بالأمان بعوامل مثل الإضاءة وكثافة الحركة، وغياب ضمانات كافية للتنقل الآمن.

شهادات من الشارع: الخوف يعيد تشكيل حركة النساء

لا تبدو المواصلات العامة خيارًا محايدًا، بل مساحة مشروطة بمستويات متفاوتة من الأمان، تزداد هشاشتها مع تقليص الحركة. لذلك، لا يمكن قراءة هذه القرارات باعتبارها إجراءات تقنية بحتة، بل سياسات تعيد توزيع الإتاحة داخل المجال العام، وتطرح سؤالًا حول من يملك القدرة على التحرك بأمان، ومن يُدفع إلى تقليص حضوره في الفضاء العام.

وفي هذا الإطار، تتضاعف هذه المخاطر لدى الفئات الأكثر هشاشة، خاصة النساء العاملات في الورديات المسائية داخل مناطق شعبية. تقول دينا (ح)، عاملة بمصنع ملابس في حي دار السلام، تبدأ ورديتها من الثانية عشرة ظهرًا حتى منتصف الليل، إن القرار أثّر بشكل مباشر على دخلها وحركتها اليومية، بعد أن أصبح المصنع يُغلق في التاسعة مساءً “بالدقيقة”، ما أدى إلى خفض أجرها من 150 إلى 100 جنيه يوميًا.

وتوضح أن الشوارع أصبحت أكثر ظلمة، وتحولت الطرقات إلى تجمعات للشباب بدلًا من المقاهي، ما زاد من المضايقات أثناء تنقلها. وتضيف: “الشوارع الجانبية بقت مظلمة تمامًا، وأنا مروّحة ببقى مرعوبة. الطريق من المصنع للبيت حوالي نص ساعة.”.

وتشير إلى أنها تعرّضت لمحاولة سرقة من سائق “توكتوك” – وسيلة تنقل محلية- أثناء عودتها من العمل، مؤكدة أن الإضاءة المنبعثة من المحال كانت تمنحها حدًا أدنى من الإحساس بالأمان، وهو ما اختفى بعد القرار: “بقينا نسمع صريخ في الشارع ومش عارفين السبب، وبنكتشف تاني يوم إن في تحرش أو محاولة سرقة حصلت”.

الشوارع الجانبية بقت مظلمة تمامًا، وأنا مروّحة ببقى مرعوبة.
الطريق من المصنع للبيت حوالي نص ساعة.

إذا كانت التجربة اليومية تكشف عن هذا القلق المرتبط بالحركة والأمان، فإن السؤال لا يتعلق فقط بنتائج القرارات، بل بكيفية صياغتها. ففي كثير من الأحيان، تُبنى السياسات العامة، خاصة في سياقات ترشيد الاستهلاك وإدارة الأزمات، على تصور ضمني لمستخدم “محايد” للفضاء العام، لا تؤخذ فيه اختلافات الخبرة بين النساء والرجال بعين الاعتبار.

هذا التصور يتجاهل أن الحركة في الشارع واستخدام المواصلات وتوقيتات الخروج والعودة، ليست متاحة بالقدر نفسه للجميع. وبالتالي، حين تُتخذ قرارات مثل تقليص الإضاءة أو تقصير ساعات العمل دون تقييم لأثرها الجندري، فإنها لا تكتفي بإنتاج تفاوت في الأثر، بل تعكس غياب هذا المنظور من مرحلة التصميم نفسها، وليس فقط من نتائج التطبيق.

هذا القلق لا يبدو منفصلًا عن ما تشير إليه الأدبيات الدولية، حيث تؤكد تقارير برنامج “المدن الآمنة” أن الإضاءة تُعد عنصرًا أساسيًا في شعور النساء بالأمان داخل الفضاء العام، وأن ضعفها يؤدي إلى تقليص حركة النساء وتجنبهن لبعض المسارات أو التوقيتات.

وعلى مستوى إعادة تشكيل أنماط الحركة اليومية، تعكس شهادة هبة عادل (35 عامًا – القاهرة)، وهي طالبة في برنامج ماجستير، كيف أثر القرار على أنماط الحركة اليومية، حيث اضطرت إلى تغيير مساراتها والاعتماد على وسائل نقل أكثر تكلفة بعد أن أصبحت الطرق التي اعتادت استخدامها أكثر ظلمة. وتقول: “أول حاجة جت في بالي كانت الخوف. إحنا أصلًا بنتعرض لمضايقات وسرقة وإحنا ماشيين في الشارع وهو منوّر، فما بالك لما الدنيا تقفل بدري والإضاءة تقل؟ أنا برجع بعد الساعة 9، وبقيت أسأل نفسي: هتحرك إزاي؟”.

ولا يقتصر الأثر على الفرد، بل يمتد إلى بنية الأسرة، كما توضح نور محمد ( شبرا- القاهرة) أن القرار فرض تغييرات يومية على نمط حياتها ومسؤولياتها، قائلة: “أنا ساكنة في منطقة شعبية وبشتغل وبدرس، وكمان أم لأولادي من غير أب، فالإحساس بالمسؤولية والخوف بقى مضاعف. القرار خلاني أعيد التفكير في كل تفاصيل يومي حتى حركة أولادي. اضطررنا لتحويل دروس بنتي أونلاين بعد اتفاق بين الأمهات، لأن القلق بقى جماعي مش فردي”.

ومع غياب منظور التمدّن النسوي (Feminist Urbanism) عن التخطيط العمراني، تُصمم الفضاءات العامة على افتراض الحياد، دون مراعاة اختلاف تجارب استخدامها، خاصة بالنسبة للنساء، وهو ما يكشف أن المدينة لا تعكس فقط بنية عمرانية، بل علاقات قوة تتحكم في من يملك حق الحركة داخلها.

وتظهر هذه الفجوة بشكل أوضح لدى النساء، خاصة من الفئات الأقل دخلًا اللاتي يعتمدن على المشي أو المواصلات العامة، في ظل شوارع غير مهيأة أو مضاءة بشكل كافٍ وغياب آليات حماية فعالة، بما يحول التنقل اليومي إلى تجربة مشروطة بالخوف، خاصة في الأوقات المتأخرة أو المناطق المعزولة.

ويتقاطع ذلك مع مفهوم “الحق في المدينة”، وكذلك الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد على ضرورة بناء مدن شاملة وآمنة ومهيأة لاحتياجات جميع السكان، بما يستدعي إعادة النظر في تصميم البيئات العمرانية بما يراعي اختلاف التجارب.

أما على المستوى النفسي والاقتصادي، فتعبّر أميرة (ص) (37 عامًا – الدقهلية) عن الأثر النفسي والاقتصادي للقرارات، حيث ارتبطت لديها بتصاعد الإحساس بعدم الأمان وتزايد تكاليف التنقل. وتقول: “مجرد ما قريت قرارات الحكومة، حسيت بسيل من الأفكار السوداوية. أول حاجة فكرت فيها: التنقل هيبقى إزاي؟ وهل تكلفته هتزيد؟ والإجابة كانت آه”. وتضيف أن تقليل الإضاءة واختفاء الحركة في الشوارع جعلا التنقل الليلي مصدر قلق دائم، إلى جانب الاعتماد المتزايد على التطبيقات والخدمات المدفوعة لتلبية الاحتياجات اليومية، بما يفرض أعباء إضافية.

وفي الحالات المرتبطة بطبيعة العمل أو الظروف الصحية، تشير أسماء مصطفى، المقيمة في الجيزة، إلى أن القرار لم يترك لها مساحة للتكيّف مع ظروفها الصحية، إذ تعتمد على الخروج ليلًا للحركة والعمل. وتقول: “كنت بعتمد على النزول بالليل علشان أشتغل أو أتحرك، لكن مع الغلق وتقليل الإضاءة بقى الموضوع مرعب. أنا ساكنة في منطقة شعبية، والشارع أصلًا فيه تعاطي مخدرات، ففكرة إني أتحرك في وقت متأخر مع قلة النور مخيفة جدًا”.

وتضيف أن الشعور بعدم الأمان لا يقتصر على الشارع، بل يمتد إلى وسائل النقل، مؤكدة أن “العنف ممكن يحصل في أي مساحة عامة، ومفيش ضمان حقيقي يحمي الستات”.

تتماشى هذه الشهادات مع ما تشير إليه دراسات التخطيط العمراني، التي تؤكد أن الإضاءة ليست مجرد عنصر خدمي، بل أحد المحددات الأساسية لإدراك الأمان في الفضاء العام، وهو ما ينعكس مباشرة على قرارات النساء المتعلقة بالحركة والتنقل.

حين تُصمم المدن دون النساء

وفي هذا الإطار، ترى المعمارية آية منير، مؤسِّسة مبادرة “SuperWomen”، أن الإشكالية لا تقتصر على النساء وحدهن، بل تمتد إلى غياب الإنسان عن مركز عملية التخطيط العمراني، وهو غياب ينعكس بحدة أكبر على النساء. فمع اعتماد المدن المتزايد على المواصلات وتراجع مساحات المشي الآمن، أصبح الوصول إلى الخدمات والفرص اليومية مرهونًا بوسائل نقل غير مصممة لتلبية احتياجاتهن، سواء من حيث الأمان أو سهولة الوصول أو التكلفة الاقتصادية.

وتضيف أن التخطيط العمراني الحالي لا يراعي الأدوار الاجتماعية المركبة للنساء، ولا يوفر لهن مساحات عامة آمنة أو خدمات قريبة ومتكاملة، ما يجعل الحياة اليومية أكثر تعقيدًا في ظل تباعد الخدمات واعتمادها الكامل على التنقل، بينما تظل وسائل النقل العامة غير آمنة، وتمثل البدائل الخاصة عبئًا اقتصاديًا إضافيًا.

وفيما يتعلق بالقرارات الأخيرة، تشير منير إلى أن التعامل مع الأزمات غالبًا ما يأتي على حساب حق النساء في استخدام الفضاء العام، من خلال الدفع نحو تقليص حركتهن بدلًا من إعادة التفكير في التخطيط أو تعزيز الأمان. وتلفت إلى أن الدعوات التي تصاعدت عقب قرارات الغلق المبكر تعكس هذا النهج، في مقابل غياب بدائل أكثر أمانًا، مثل تحسين الإضاءة بشكل مدروس أو تعزيز نقاط الارتكاز الأمنية في الشوارع.

كما تؤكد أن هذه القرارات لا تقتصر آثارها على الحركة فقط، بل تمتد إلى مضاعفة الأعباء الرعائية على النساء داخل المنازل، خاصة مع إعادة توزيع الأنشطة الاجتماعية داخل المجال الخاص. وتشير كذلك إلى أن أحد أوجه القصور في التخطيط العمراني يتمثل في تجاهل احتياجات فئات مختلفة من النساء، بما في ذلك الأمهات وذوات الإعاقة، في تصميمات لا تراعي الاستخدام اليومي الآمن للأرصفة والسلالم والإضاءة ومسارات الحركة.

 إن التعامل مع الأزمات غالبًا ما يأتي على حساب حق النساء في استخدام الفضاء العام

وتضرب مثالًا بتقلص المساحات العامة المجانية، مثل الحدائق وأماكن التنزه، بما يقلل من قدرة الأسر، خاصة من الطبقات الأقل دخلًا، على استخدام الفضاء العام دون تكلفة، وهو ما يعكس غياب البعد الاجتماعي والاقتصادي في التخطيط الحضري.

وفي سياق الأزمات، تؤكد منير أن قرارات مثل تقليل الإضاءة يجب أن يسبقها سؤال أساسي حول كيفية استخدام النساء للشارع في ظل هذه الظروف، بدلًا من الدفع نحو انسحابهن من المجال العام. وتطرح، في هذا السياق، تساؤلًا حول جدوى هذه القرارات مقارنة بتأثيراتها، خاصة آن التقارير الصادرة عن وزارة الكهرباء والشركة القابضة لكهرباء مصر لعام 2023/2024 إلى أن إنارة الشوارع تمثل ما بين 2.7% إلى 3% فقط من إجمالي استهلاك الكهرباء، بينما يستحوذ القطاع المنزلي على ما بين 37.2% إلى 40%.وتختتم بالتأكيد على أن الأزمات تكشف نمطًا متكررًا من تهميش النساء كحل سريع، بدلًا من إدماج احتياجاتهن في الحلول المطروحة، وهو ما تعكسه الشهادات التي تشير إلى تصاعد مخاوف النساء من الحركة في الشارع بعد تقليل الإضاءة.

تقدم يتراجع..  ومنظور لا يستقر 

وفي مستوى آخر من التحليل، لا يتوقف أثر هذه القرارات عند تصميم الفضاءات العامة، بل يمتد إلى كيفية صياغة السياسات العامة نفسها، ومدى قدرتها على استيعاب الفروق الجندرية في التجربة اليومية.

وفي مستوى آخر من التحليل، تشير رابحة سيف علام، دكتورة في العلوم السياسية ورئيسة برنامج دراسات الإرهاب والتطرف بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أن إدماج المنظور الجندري في السياسات العامة في مصر لا يزال غير مستقر، إذ يشهد تقدمًا في بعض الفترات، يليه تراجع، ثم يعود للظهور مجددًا، وهو ما يعكس – بحسب قولها – عدم تجذّر هذا المنظور داخل رؤية الحكومة، كونه لا يزال حديثًا نسبيًا، فضلًا عن غياب أنصاره في مختلف مستويات صنع القرار.

وتوضح أن تجربة جائحة كورونا شكّلت نموذجًا مختلفًا، حيث شهدت السياسات الحكومية آنذاك استجابة لاحتياجات النساء حظيت بإشادات دولية، لا سيما مع إدخال تعديلات على القوانين المرتبطة بالعنف ضد النساء، وهو ما انعكس في زيادة معدلات الإبلاغ، باعتباره مؤشرًا على ارتفاع الثقة في جهات التحقيق.

إلا أنها تشير في المقابل إلى أن سياسات الترشيد أو إدارة الأزمات والطوارئ لا تعكس بالضرورة هذا المستوى من الاستجابة، حيث يغيب عنها التفكير الشامل لاحتياجات النساء، وهو ما يترتب عليه أضرار واضحة. وتضرب مثالًا باضطرار بعض النساء إلى تقليص ساعات العمل، بما يؤثر على دخولهن، خاصة النساء المعيلات، إلى جانب التكدس في وسائل المواصلات قبل مواعيد الإغلاق، في ظل غياب بدائل نقل آمنة أو كافية. وتؤكد أن هذه التأثيرات، رغم أنها تمس الجميع، إلا أن النساء يتأثرن بها بشكل مضاعف في أوقات الأزمات، خاصة مع استمرار تحميلهن مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة.

وفيما يتعلق بقرارات تقليل الإضاءة، تلفت علام إلى أن الوفر المتوقع منها قد لا يكون كبيرًا، بينما قد تكون كلفتها الاجتماعية والأمنية أعلى. وتشير إلى ما يُعرف في السياسات الأمنية بـ”نظرية النافذة المكسورة” (Broken Window Theory)، التي تفترض أن ترك مظاهر الإهمال دون معالجة قد يشجع على وقوع جرائم، وهو ما قد ينطبق على تقليل الإضاءة، باعتباره يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لارتكاب الجرائم، سواء بدافع السرقة أو العنف، بما في ذلك العنف ضد النساء والفتيات والأطفال.

وترى أن ما قد يتحقق من وفر اقتصادي نتيجة هذه السياسات قد يقابله تكلفة مضاعفة إذا ما أُخذت في الاعتبار تكلفة الجرائم المحتملة في ظل هذه الظروف. وفي سياق متصل، تعتبر علام أن مفهوم “السياسة المحايدة” هو في حد ذاته إشكالي، إذ إن أي سياسة لا تأخذ في الاعتبار المنظور الجندري تُعد بالضرورة غير عادلة للنساء، مؤكدة أن إدماج هذا المنظور لم يعد ترفًا، بل ضرورة، خاصة أن تجاهله قد يؤدي إلى آثار سلبية تستلزم لاحقًا إنفاق موارد أكبر لتداركها.

وتشير إلى غياب وضوح بشأن وجود تمثيل للنساء أو لمؤسسات معنية، مثل المجلس القومي للمرأة، داخل لجان اتخاذ القرار، مؤكدة أن السياسات العامة يفترض أن تستند إلى تقييم مسبق للجدوى والأثر، إلا أن هذا الأمر قد لا يتم بشكل منظم تحت ضغط الأزمات. كما تطرح تساؤلات حول طبيعة الكوادر الفنية التي تقدم هذا التقييم، ومدى قدرتها على استخدام بيانات مفهرسة بحسب النوع والعمر (segregated data)، وهو ما لا يتحقق في كثير من الأحيان.

وتضيف أن السياسات المستجيبة لاحتياجات النساء غالبًا ما تغيب في مرحلة ما قبل الأزمة، حيث يتم التعامل بمنطق رد الفعل، بدلًا من تبني سياسات وقائية أو استباقية. وفيما يتعلق بآليات دمج المنظور الجندري، تؤكد علام أن الأمر لا يقتصر على وجود النساء داخل دوائر صنع القرار، بل يتطلب مشاركة فعالة تستند إلى بيانات دقيقة تراعي النوع والعمر والتنوع، بما يسمح بفهم أوضاع الفئات المختلفة، مثل النساء العاملات في القطاع غير المنتظم، اللاتي يضطررن للعمل لساعات متأخرة، دون توفر بدائل آمنة أو مصادر دخل بديلة.

إن السياسات المستجيبة لاحتياجات النساء غالبًا ما تغيب في مرحلة ما قبل الأزمة،
حيث يتم التعامل بمنطق رد الفعل، بدلًا من تبني سياسات وقائية أو استباقية.

وتشير إلى أن هذه الفئات تُعد الأكثر هشاشة، والأكثر تأثرًا بسياسات الإغلاق والترشيد، في ظل صعوبة انتقالهن إلى أنماط عمل بديلة مثل العمل عن بُعد، وهو ما يجعل تكلفة هذه السياسات تقع عليهن بشكل أكبر، في غياب إجراءات واضحة للحماية الاجتماعية أو التعويض.

وتختتم بالإشارة إلى أن التكيف المجتمعي مع هذه القرارات قد يستغرق وقتًا، لكن حتى يحدث ذلك، تظل الفئات الأكثر هشاشة – وعلى رأسها النساء – هي الأكثر تحمّلًا لتبعاتها، خاصة في ظل بيئة حضرية قد تصبح أقل أمانًا مع تراجع الإضاءة وتقليص الحركة في الشوارع.

يكشف هذا الطرح أن الإشكالية لا تكمن فقط في آثار السياسات، بل في غياب المنظور الجندري من مرحلة صياغتها، حيث تُتخذ قرارات تقنية دون إدماج اختلافات التجربة بين النساء والرجال.

ذاكرة الخوف: لماذا تستجيب النساء بهذه الطريقة؟

في امتداد لهذه التأثيرات، يبرز البعد النفسي بوصفه أحد أكثر المستويات تعقيدًا، حيث لا تتوقف آثار هذه القرارات عند الحركة أو التخطيط، بل تمتد إلى إدراك النساء للأمان ذاته.

توضح هاجر رمضان، استشارية الطب النفسي وعلاج الإدمان بمستشفى العباسية للصحة النفسية، أن تصاعد الخوف لدى النساء لا يمكن فصله عن الخبرات التراكمية التي تشكّل وعيهن اليومي، إذ يرتبط بما يمكن وصفه بالخبرات المعيشة المشتركة، أي تراكم التجارب المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالمضايقات أو العنف في المجال العام. وتضيف أن هذه الخبرات تُفعّل ما يشبه “الذاكرة الجمعية”، بحيث تصبح استجابة الخوف متوقعة حتى لدى من لم تتعرض بشكل مباشر، نتيجة استيعاب تجارب أخريات وتداولها.

كما يسهم الخطاب المجتمعي، الذي يدعو النساء إلى تقليص حركتهن لتجنب المخاطر، في ترسيخ هذا النمط، خاصة في ظل بيئة لا توفر إحساسًا كافيًا بالأمان، بل وتعيد إنتاج لوم الضحية من خلال مساءلة النساء عن سلوكهن وتوقيت تحركهن بدلًا من مساءلة السياق غير الآمن.

وتشير رمضان إلى وجود ارتباط نفسي مباشر بين الظلام والخطر، حيث يبني العقل ما يشبه الربط الشرطي بين غياب الإضاءة واحتمالية التعرض للأذى، فيُنظر إلى الظلام وتراجع الحركة كمؤشرات على الخطر، في مقابل ما تمنحه الإضاءة وكثافة الوجود البشري من إحساس نسبي بإمكانية طلب المساعدة، حتى وإن لم يكن الأمان الفعلي متحققًا بالكامل. ويؤدي تقليل الإضاءة وهدوء الشوارع إلى تعزيز الشعور بالعزلة، ما يضع النساء في حالة إدراك دائم للخطر دون منافذ واضحة للدعم.

وفيما يتعلق بالتفكير في أسوأ السيناريوهات، تؤكد أن هذا النمط لا يُعد مبالغة، بل استجابة منطقية لسياق يتسم بتصاعد وقائع العنف وغياب آليات الحماية، حيث يصبح ما يبدو كـ “تفكير مفرط” انعكاسًا لبيئة مشبعة بالقلق تدفع إلى توقع المخاطر كآلية دفاعية.

كما يتضاعف هذا القلق لدى النساء اللاتي يتحملن مسؤوليات أسرية، خاصة الأمهات، حيث لا يقتصر الخوف على الذات، بل يمتد ليشمل الأبناء والأسرة، في ظل الحاجة المستمرة للحركة والعمل، أحيانًا في توقيتات متأخرة. وتشير إلى أن هذا النمط يعكس حالة من القلق الجمعي، تُعززها التغطيات المكثفة لوقائع العنف وتداولها عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يرفع من الإحساس العام بالخطر.

وتحذر من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق وربما تطوره إلى اضطرابات نفسية، خاصة في ظل صعوبة الشعور بالأمان داخل المجال العام. وتختتم بالتأكيد على ضرورة تبني سياسات تراعي الفروق الجندرية، وتعزز إجراءات الأمان في الشوارع، إلى جانب توفير دعم نفسي مناسب لمواجهة هذه الآثار.

هذا التقرير بدعم من:

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x