مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

صحافيون/ات تحت النار: كيف يصبح لنقل الخبر كلفة شخصية

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
05/06/20262:12 م

لا يشبه خروج بلال غازية من الجنوب إلى بيروت انتقال صحافي إلى مهمة عادية. الطريق نفسها جزء من الخطر. أحيانًا يبدّل مساره في اللحظة الأخيرة، وأحيانًا يقطع المسافة وهو يعرف أن الاستهدافات الإسرائيلية لا تترك هامشًا واسعًا للخطأ. لا يرافقه فريق، ولا تقف خلفه مؤسسة تتكفّل بما قد يحدث له. هو صحافي حر، يتقاضى أجره بحسب المواد التي ينجزها، وبين كلفة البنزين والتنقّل والمعدات واحتمال الإصابة، تبدو التغطية بالنسبة إليه كلفة شخصية قبل أن تكون مهمة مهنية. 

يقول غازية إن كل شيء يقع على عاتقه: “إذا أصابني شيء، لا أحد يتحمل المسؤولية عني. وإذا تضررت معدّاتي أو انكسر شيء، فأنا من يتحمل الكلفة”. لا راتب ثابتًا ينتظره في نهاية الشهر، ولا ضمانة بأن المادة التي خاطر من أجلها ستُشترى أو تُنشر، ولا حماية دائمة؛ حتى الدرع والخوذة استعارهما لفترة محدودة من “مراسلون بلا حدود” عبر مؤسسة سمير قصير، ثم عليه إعادتهما.

ليست تجربة غازية حالة فردية معزولة. فمع اتساع الحرب منذ 2 آذار 2026، وما رافقها من نزوح واسع طال أكثر من 1.1 مليون شخص، بينهم أكثر من 390 ألف طفل بحسب ما أعلنته الحكومة اللبنانية ووكالات الإغاثة، وجد صحافيون/ات كثر أنفسهم/ن في موقع مزدوج: يغطون الحرب، ويعيشون آثارها في الوقت نفسه. 

 تشير التقارير إلى أن عددًا كبيرًا من الصحافيين/ات اللبنانيين/ات باتوا من بين النازحين/ات، فلم يفقدوا منازلهم/ن فقط، بل أيضًا بيئة العمل الأساسية لإنتاج المادة الصحافية. وجاء هذا النزوح بصورة مفاجئة وغير منظمة، في ظل غياب خطط استجابة واضحة. .

ا عددًا كبيرًا من الصحافيين/ات اللبنانيين/ات باتوا من بين النازحين/ات،كتب هنا ما تريد

 ومع اتساع العمليات العسكرية، لم يعد الخطر يقتصر على النزوح أو صعوبة العمل، فقد ارتفع عدد الضحايا بشكل متسارع، إذ تجاوز 3151 شهيدًا، إضافة إلى نحو 9571 جريحًا منذ الثاني من آذار وحتى بعد ظهر الأحد 24 أيار 2026، بحسب تقرير وزارة الصحة.

ولم يكن الصحافيون/ات بمنأى عن هذا التصعيد، إذ طالتهم/ن الاستهدافات المباشرة خلال تغطيتهم/ن الميدانية. فقد استهدف الجيش الإسرائيلي ثلاثة صحافيين/ات لبنانيين/ات هم علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني على طريق جزين في جنوب لبنان، ليلتحقوا ب 12 من زملائهم الذين سبقوهم واستشهدوا خلال عدوان 2024.

أجور منخفضة  وكلفة تتضاعف 

لم تبدأ الأزمة الاقتصادية مع الحرب، لكنها جعلت كلفة العمل الصحافي أعلى بكثير من قدرة كثير من الصحافيين/ات على تحمّلها. فمنذ عام 2019، يعيش لبنان انهيارًا ماليًا أفقد الليرة معظم قيمتها ورفع كلفة المعيشة والتنقل، ثم جاءت الحرب لتضيف إلى هذا الواقع نفقات جديدة: النزوح، والإيجارات، والوقود، والمعدات، وغيرها.

وتقول الصحافية فاتن محمود إن معظم الصحافيين/ات في لبنان يعملون اليوم بطريقة غير مستقرة، حيث لا توجد حقوق واضحة ولا دخل مضمون في نهاية الشهر. وتشرح أن كثيرين يضطرون إلى العمل مع منظمات أو وسائل خارجية، لأن الأجر في بعض المؤسسات المحلية لا يتناسب مع حجم الخطر. وتشير إلى أن بعض المؤسسات قد تطلب من الصحافي/ة تغطية غارة أو حدث ميداني شديد الخطورة مقابل خمسين دولارًا فقط عن الفيديو أو التقرير، “وهذا لا يوازي حجم المجازفة”.

وفي هذا السياق، لا يتوقف الضغط عند الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد أيضًا إلى طبيعة العمل نفسها. وتضيف محمود أن “السبق الصحافي” يفرض تنافسًا حادًا بين الصحافيين/ات، ويدفع بعضهم/ن إلى الاقتراب أكثر من مناطق الخطر للحصول على صور أو معلومات حصرية قبل الآخرين. وفي ظل غياب الحماية أو الضمانات، تصبح المجازفة الميدانية جزءًا شبه يومي من العمل، حتى حين لا يتناسب المقابل المادي مع حجم الخطر.

وتلفت محمود أيضًا إلى أن الحرب لا تسلب الصحافيين/ات منازلهم/ن فقط، بل أيضًا المساحة التي تسمح لهم/ن بالكتابة ، والتحقق، والتواصل، وإنتاج المادة الصحافية. فالمكان نفسه يصبح شرطًا للعمل. وكانت منظمة “مراسلون بلا حدود” قد أشارت عام 2024 إلى أن صحافيين/ات في لبنان اضطروا/ن إلى إخلاء منازلهم/ن في مناطق مستهدفة، بينها الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، ما جعل العاملين/ات في الإعلام جزءًا من حركة النزوح لا مجرد شهود عليها. هنا، لا يعود النزوح خلفية إنسانية للتغطية، بل يتحول إلى عامل مباشر في تعطيل العمل الصحافي نفسه.

في المقابل، يصف الصحافيان حسن مرعي ونور فياض، العاملان في مؤسسات إعلامية محلية، واقعًا مختلفًا لا يقل ضغطًا. فكلاهما يواصل تغطية الأحداث الميدانية في الجنوب والتنقل إلى مناطق خطرة، مقابل رواتب لم تتغير رغم تصاعد المخاطر وكلفة العمل خلال الحرب.

ويشير الصحافيان إلى فجوة واضحة بين الإعلام المحلي والدولي. فبينما تواصل بعض المؤسسات المحلية دفع رواتب متدنية رغم تضاعف المخاطر، يحصل العاملون/ات مع وسائل إعلام دولية على أجور أعلى بكثير. هذا التفاوت لا يخلق شعورًا بعدم العدالة فقط، بل يدفع كثيرًا من الصحافيين/ات إلى العمل مع أكثر من جهة في الوقت نفسه، أو البحث عن فرص بديلة خارج المؤسسات المحلية.

ويقول مرعي إن يوم العمل لا ينتهي بانتهاء البث أو إرسال التقرير للمؤسسة التي يعمل معها. فبعد ساعات طويلة من التغطية الميدانية، يبدأ جزء آخر من العمل: كتابة مواد إضافية لمنصات محلية أخرى، والتواصل مع محررين لنشر تقارير منفصلة مقابل بدل محدود. ويوضح أن كثيرًا من الصحافيين باتوا يعتمدون على هذا النوع من العمل الإضافي لتغطية تكاليف الوقود والتنقل والسكن، بعدما أصبحت الرواتب المحلية غير كافية.

أما نور فياض، فتقول إن يوم العمل قد يبدأ بتغطية مباشرة للمؤسسة التي تعمل معها، ثم تكتب لاحقًا تقريرًا آخر لمنصة محلية مختلفة في محاولة لتأمين دخل إضافي. وبين المهمتين، تبقى متابعة الأخبار والتطورات الميدانية جزءًا دائمًا من يومها، لأن أي استهداف جديد قد يعني العودة فورًا إلى الطريق.

غير أن هذا الخيار يضع بعض الصحافيين/ات أيضًا أمام أسئلة مهنية وأخلاقية مرتبطة بطبيعة الجهات التي يعملون معها، خصوصًا في ظل المشهد السياسي المعقد وتداخل المصالح الإعلامية والتمويلية خلال الحرب.

ويقول الصحافيون/ات الذين تحدثوا إن هذا الواقع يفرض ضغطًا متواصلًا، لا يرتبط فقط بالخطر الأمني، بل أيضًا بالخوف من فقدان مصدر الدخل. فالحرب، بالنسبة إلى كثير من الصحافيين/ات، لم ترفع كلفة التغطية الميدانية فحسب، بل جعلت البقاء في المهنة نفسه أكثر هشاشة.

السكن… سوق مفتوح على الاستغلال
يتجلّى هذا التحول بوضوح في قطاع السكن، الذي أصبح أحد أبرز مؤشرات الأزمة. فمع تدفق مئات الآلاف من النازحين/ات إلى مناطق محددة، ارتفع الطلب على المساكن بشكل حاد، ما أدى إلى تضخم غير مسبوق في الإيجارات. في بيروت، طالب بعض المالكين بإيجارات تصل إلى 2,000 دولار شهرياً، مع اشتراط دفع عدة أشهر مقدماً، وهو مبلغ يفوق بكثير متوسط دخل معظم الأسر .

في المقابل، اضطرت عائلات نازحة إلى تقاسم منازل صغيرة، حيث تدفع أربع عائلات ما يصل إلى 1,500 دولار مقابل مساحة محدودة . حيث أنّ في ظل غياب الرقابة، يتحول النزوح إلى فرصة للاستغلال من البعض، ويصبح اليأس مصدراً للربح.

هذا الواقع لا ينعكس على الأسر فحسب، بل يطال الصحافيين/ات بشكل مباشر، خصوصاً العاملين/ات بنظام العمل الحر. توضح الصحافية ريان عبد النبي، مراسلة القناة الإخبارية العراقية في مكتب بيروت، أن الحرب جعلت هشاشة العمل الحر أكثر وضوحًا في تجربتها اليومية. فهي لا تتعامل مع دخل ثابت يمكن الاعتماد عليه في نهاية الشهر، بل مع عمل يتبدل بحسب الطلب على التغطية، وبحسب قدرة الصحافي/ة على الوصول إلى الميدان والاستمرار فيه.

بالنسبة إليها، لا تعني زيادة الحاجة إلى التغطية خلال الحرب تحسنًا فعليًا في الدخل. فكل مهمة تحمل كلفة إضافية: تنقّل، اتصالات، وقت طويل في الميدان، واحتمال أن يتوقف العمل فجأة إذا وقع حادث أو تعذّر الوصول إلى منطقة ما.

وتقول إن النزوح زاد هذا الضغط، إذ وجدت نفسها أمام نفقات جديدة، من الإيجارات المرتفعة إلى كلفة التنقل. وهكذا، تصبح الاستمرارية نفسها تحديًا يوميًا، لا بسبب الخطر الأمني وحده، بل بسبب غياب الاستقرار المالي والحماية الاجتماعية.

. ضمن هذا الواقع، لا يعود السوق منظماً أو خاضعاً للرقابة، بل يتحرك ضمن ما يشبه “اقتصاد ظل”، تتحكم به علاقات القوة والقدرة على الوصول، ما يتيح لبعض الفاعلين تحقيق أرباح سريعة على حساب الفئات الأكثر هشاشة. 

حين يدفع الصحافي ثمن حمايته بنفسه 

وتضيف عبد النبي أن كلفة العمل الصحافي في الحرب لا تظهر كاملة في الراتب أو بدل المهمة. فإلى جانب كلفة النزوح والسكن والتنقل، هناك كلفة أقل ظهوراً لكنها أكثر التصاقاً بالمهنة: كلفة أن يبقى الصحافي/ة آمناً/ة وقادراً/ة على العمل. في بيئة تتقلّص فيها الحماية المؤسسية، يتحول الحد الأدنى من شروط السلامة إلى عبء فردي: خوذة، سترة واقية، معدات تصوير أو تسجيل، بطاريات، إنترنت بديل، سيارة آمنة نسبياً، ومكان يمكن العمل منه من دون خوف أو انقطاع. هذه العناصر، التي يفترض أن تكون جزءاً من مسؤولية المؤسسات الإعلامية، تصبح في كثير من الحالات نفقات شخصية، خصوصاً لدى العاملين/ات بنظام العمل الحر.

ولا تنفصل هذه الكلفة، بحسب عبد النبي، عن التحول الرقمي في العمل الصحافي أثناء الحرب. فالتغطية لم تعد تقتصر على الوجود في الميدان، بل تحتاج إلى اتصال دائم، وأرشفة سريعة، وتحقق من الصور والفيديوهات، وتواصل مستمر مع المصادر وغرف التحرير. ومع انقطاع الكهرباء أو ضعف الشبكات في مناطق النزوح، يضطر الصحافي/ة إلى تأمين بدائل شخصية: اشتراكات إنترنت إضافية، بطاريات شحن، أجهزة بديلة، أو حتى الانتقال إلى أماكن أكثر كلفة لمجرد إرسال المادة في وقتها. وهكذا يصبح الاتصال نفسه جزءاً من اقتصاد الحرب، لا أداة تقنية محايدة.

وتكشف تقارير متخصصة أن هشاشة الحماية ليست تفصيلاً طارئاً. فقد أظهرت دراسة لمؤسسة “سمير قصير” عام 2023 حول التغطية التأمينية للصحافيين في لبنان أن تأمين الصحافيين لا يزال مسألة غير واضحة ومجزأة، وأن جزءاً من الصحافيين لا يمتلكون بوليصة تأمين، فيما لم يتمكن آخرون، رغم قولهم إنهم مؤمّنون، من الحصول على نسخة من وثائقهم التأمينية من مؤسساتهم. هذا يعني أن الصحافي يدخل الميدان وهو غير متأكد من حقه في التعويض أو العلاج أو الحماية في حال الإصابة، وأن الخطر لا ينتهي عند لحظة القصف، بل يمتد إلى ما بعدها: من يدفع كلفة العلاج؟ من يعوّض خسارة المعدات؟ ومن يحمي الدخل إذا توقف الصحافي عن العمل؟

اكتب هناالصحافيين/ات في لبنان يعملون وسط ضربات جوية وقيود متزايدة على الوصول إلى الميدان ما تريد

وتتعمق هذه الكلفة مع القيود الميدانية وتعدد مصادر الخطر. فقد حذّرت “مراسلون بلا حدود“، في آذار 2026، من أن الصحافيين/ات في لبنان يعملون وسط ضربات جوية وقيود متزايدة على الوصول إلى الميدان، معتبرة أن تقييد وصول الصحافيين يساهم في إبقاء ما يحدث بعيداً عن التوثيق والمساءلة. بهذا المعنى، لا يدفع الصحافي ثمن الحرب اقتصادياً فقط، بل يدفع ثمن الوصول إلى الحقيقة: وقتاً أطول، تنقلاً أخطر، وخيارات مهنية أكثر تعقيداً.

في المقابل، بدأت بعض المبادرات الدولية والمحلية تلتفت إلى هذا البعد المركّب للحماية. فقد أطلقت اليونسكو، بالتعاون مع مؤسسة سمير قصير، مبادرة دعم نفسي ومهني استهدفت صحافيات لبنانيات تضررن من الأزمات، وجمعت بين جلسات دعم نفسي وتمارين متخصصة لمعالجة الصدمة وتعويض معدات إعلامية متضررة، في اعتراف واضح بأن استمرار العمل الصحافي لا يحتاج إلى شجاعة فردية فقط، بل إلى بنية رعاية مهنية ونفسية.

التمييز الجندري في الميدان

ولا تتساوى تجربة العمل الميداني بين الصحافيين/ات أنفسهم/ن، إذ تضيف الصحافيات بعدًا آخر من الضغوط المرتبطة بطريقة التعامل معهن داخل الميدان. لا تتوقف الضغوط التي تواجه الصحافيات عند الخطر الأمني أو هشاشة العمل، بل تمتد أيضًا إلى طريقة التعامل معهن في الميدان. تقول الصحافية فتون ابراهيم إن التمييز الجندري أصبح من أكثر ما تلمسه خلال التغطيات، خصوصًا في المناطق التي تشهد استهدافات أو فوضى ميدانية.

وتوضح أن وجود صحافية امرأة في مكان الحدث غالبًا ما يقابَل باستخفاف أو تشكيك بقدرتها المهنية، مقارنة بالصحافيين الرجال. وتقول إن بعض الموجودين في الميدان يتعاملون مع الصحافية وكأنها أقل خبرة أو أكثر قابلية للخوف والتراجع، ما يجعل منعها من العمل أو تقييد حركتها أسهل.

وتستعيد حادثة حصلت معها بعد أحد الاستهدافات في الضاحية الجنوبية، في المنطقة الواقعة بين حارة حريك والشورى، حين كانت موجودة بصفة متطوعة رسمية في الدفاع المدني، حيث يعمل بعض الموجودين، بحسب قولها، على التعامل مع الصحافيين بريبة دائمة، وكأن وجودهم بحد ذاته موضع مشكلة.

بالنسبة إليها، لا تكمن المشكلة في وجود صحافيين يغطون الحدث، بل في الفوضى المحيطة بالمشهد، حيث ينتشر التصوير العشوائي وتسريب صور الضحايا والجرحى وانتهاك خصوصيتهم. وتقول إن الصحافي المهني يعرف عادة كيف يتعامل مع الحدث وحدود النشر، “لكن الناس تنظر أحيانًا إلى الصحافي كأنه المشكلة، لا إلى الفوضى التي تحصل حوله”.

اقتصاد منهك… ومستقبل غير محسوم

في قراءة أشمل، يربط الخبير الاقتصادي منير يونس ما يعيشه الصحافيون/ات بسياق اقتصادي أوسع، حيث يعمل الاقتصاد اللبناني، بحسبه، بنحو 50% فقط من طاقته الإنتاجية. هذا التراجع لا يظهر في الأرقام الكبرى فقط، بل في سوق عمل أكثر هشاشة، يفقد فيه كثير من العاملين/ات استقرارهم/ن المهني، ويضطرون إلى القبول بوظائف مؤقتة أو غير منظمة.

ضمن هذا السياق، يرى يونس أن الصحافيين/ات يواجهون ضغطًا مضاعفًا: فهم مطالبون بتغطية ميدانية أكثر كثافة وخطورة، في وقت لا تتحسن فيه شروطهم المادية. وفي معظم المؤسسات المحلية، تبقى الرواتب منخفضة، بينما تتراجع قدرة هذه المؤسسات على تحقيق إيرادات تجارية، خاصة مع انخفاض الإعلانات وتزايد اعتماد جزء من القطاع الإعلامي على تمويل سياسي أو غير مستقر.

ويضيف أن هشاشة العمل الصحافي لا ترتبط فقط بمستوى الأجور، بل أيضًا بضعف أنظمة الحماية والتغطية التأمينية، ما يجعل كثيرًا من الصحافيين/ات يواجهون مخاطر الميدان من دون ضمانات واضحة في حال الإصابة أو التوقف عن العمل.


مجتمع يُعاد تشكيله تحت ضغط الحرب
في المحصلة، لا تبدو الحرب في لبنان أزمة مؤقتة تنتهي مع توقف القصف أو تراجع العمليات العسكرية. فالنزوح، وارتفاع كلفة المعيشة، واتساع اقتصاد الظل، وضعف مؤسسات الدولة، كلها عوامل تغيّر شكل الحياة اليومية وتدفع الأفراد إلى إعادة تنظيم تفاصيلهم الأساسية: السكن، والعمل، والتنقل، وحتى القدرة على الاستمرار.

داخل هذا الواقع، لا يقف الصحافيون/ات خارجه بوصفهم ناقلين للخبر فقط، بل يعيشون جزءًا من الأزمة التي يوثّقونها. بعضهم نزح، وبعضهم خسر استقراره المهني، وآخرون يواصلون الذهاب إلى الميدان من دون حماية كافية أو دخل ثابت.

وبالنسبة إلى بلال غازية، لا تنتهي الحرب عند إرسال المادة الصحافية أو العودة من التغطية. ففي كل مرة يعبر فيها الطريق بين الجنوب وبيروت، يعرف أنه قد يسلكه مجددًا بعد ساعات، بالسيارة نفسها، والمعدات نفسها، ومن دون أي ضمانة فعلية لما قد يحدث. هكذا، يصبح نقل الخبر في زمن الحرب أكثر من مهمة مهنية؛ يصبح جزءًا من حياة يومية تُعاش تحت الخطر وعدم الاستقرار.

*ملاحظة: استُخدمت أسماء مستعارة لبعض الصحافيين/ات طلبًا منهم/ن وحفاظًا على أمنهم/ن وخصوصيتهم/ن. 

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x