رميش وعين إبل.. كيف تدار جغرافيا الصمود اليومي؟ 

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
01/07/20263:49 م

مرّ أكثر من مئة يوم، ولا يزال جزء كبير من أهالي بلدات رميش وعين إبل (قضاء بنت جبيل) جنوب لبنان، يمكثون في قراهم الحدوديّة، يبتكرون آليات صمود خاصة بهم تبقيهم أحياء رغم كلّ الظروف الصعبة التي مرّوا بها، في ظل القصف اليوميّ والانتهاكات الإسرائيليّة المستمرة رغم إعلان التوقيع على الاتفاق الأميركي- الإيراني المتضمن وقف إطلاق النار على كافة الجبهات بما فيها لبنان، إلا أن الاعتداءات الإسرائيليّة مستمرة، والوصول إلى تلك البلدات ليس سهلًا أبدًا.  

“نعيش في سجن كبير”

يقول الشاب الثلاثيني، شربل، وهو أحد سكان بلدة رميش: “أنا وزوجتي، فضلنا البقاء هنا، لكنني أشتاق لرؤية أمي وأشقائي الذين نزحوا إلى بيروت” ويضيف لـ”صلة وصل”: “تزداد صعوبة الحياة هنا، لقد أرهقنا نفسيًا، نتساءل يوميًا: ماذا لو طالت الحرب؟”.

وعن القرية التي يسكنها يقول: “القرية بالنسبة لي ولزوجتي باتت سجننا الكبير هنا عندما تحدث بمعنى هو وزوجته وليس عن كل السكان، لا يمكننا التنقل إلا في دائرة ضيقة جدًا، نحن ممنوعون وإذا فعلنا ذلك تكون الخطورة عالية جدًا؛ هذه حالنا عند زيارتنا عين إبل مثلًا”. القرية الوحيدة التي يزورها أهالي رميش راهنًا. 

 "لا يمكننا التنقل إلا في دائرة ضيقة جدًا"

وفي شهر آذار (مارس) الماضي قتلت إسرائيل ثلاثة شبان من سكان بلدة عين إبل، وهم: شادي عمّار جورج خريش وإيلي عطالله، وذلك في ضربة بطائرة مسيّرة إسرائيلية، أثناء محاولتهم إصلاح عطل طرأ على الإنترنت على سطح أحد المنازل، ما زاد مخاوف الناس من أيّ استهدافات محتملة، فلا أحد مستثنى من القتل الإسرائيلي.

نضال من أجل البقاء

لا يعاني شربل من صعوبة التنقل فقط، حاله مثل كثر من سكان البلدة، وإنما أيضًا من تحديات ترتبط بأصغر تفاصيل الحياة اليوميّة، يقول: “من أسبوعين برادنا ما فيه ولا أي نوع خضرا، قبلها بقينا شهر كامل ما أكلنا فيه أي خضروات”.

علمًا أن سكان رميش كما غالبيّة القرى الحدوديّة، عادة ما يلجأون إلى زرع المساحات الخضراء إذا ما توفرت أمام منزلهم، لكن شربل لا يملك واحدة: “طلبت 2 كيلو خيار من مزارع بضيعتنا ولليوم ما قدر أمنلي هني بسبب الطلب الكبير عليه؛ صار إنو نشتري كيلو خيار متل الحلم بالنسبة إلنا”. 

آليات الصمود والتكيف

في هذا السياق، تؤكد بلدية رميش على أن أكثر من 50 في المئة من الأراضي الزراعيّة ممنوعة على المزارعين كونها على الأطراف، وبأن حدود الناس باتت تقتصر على المنطقة السكنيّة، ما قلل من حجم الموارد الزراعيّة المتاحة، هذا وعانى الأهالي أصلًا من صعوبة تأمين الشتول للزراعة خلال الحرب. كما تضررت غالبيّة مزارع الحيوانات أو تمّ جرفها هناك.

 "أكثر من 50 في المئة من الأراضي الزراعيّة ممنوعة على المزارعين كونها على الأطراف"

والحال، إنه يوجد راهنًا في رميش، محال كثيرة تبيع المواد الغذائيّة فيشتري منها الناس حاجياتهم، وأفران تبيع الخبز، تقول جوانا وهي من سكان البلدة لـ”صلة وصل”: “مرقت أيام الأفران عنا واقفة لأن ما عندها طحين، بس بكل بيت فيه مونة طحين متوفرة، الناس قدرت تخبز وتعمل مناقيش وخبز مرقوق لتمّشي أمورها”. علمًا أن رميش شكّلت مقصدًا لأبناء قرى مجاورة مرّات عدة، لتأمين حاجياتهم مثل عين إبل ودبل رغم الخطر.

في البلدة أيضًا، مستوصف طبي فيه معدات تسمح بتقديم الإسعافات الأوليّة للمرضى فقط، فيما يبقى الفريق الطبي العامل على اتصال مستمر مع أطباء ومتخصصين في مناطق أخرى للمساعدة في تشخيص حالة المرضى الصحيّة، وفي أحيان كثيرة تستدعي الحالة طلب نقل المرضى إلى مستشفيات قريبة عبر الصليب الأحمر اللبناني ولكن بعد طلب الموافقة من لجنة الميكانيزم.  

إنه زمن المقايضة

وقد ابتكر الأهالي آليات صمود جديدة من أجل جعل البقاء ممكنًا أكثر، فمثلًا بعضهم يقنن استهلاك السلع، ويتعامل معها كأنها شيء ثمين، يروي شربل كيف بات يوضب الخضار في قطعة قماش داخل الثلاجة كي تعيش وقتًا أطول، يقول: “عم نقايض السلع المتوفرة، بسأل جاري إذا عنده خيار وبعطيه بالمقابل حبة بندورة، بحسب حاجته؛ هيدا زمن مقايضة كل شيء”.

"عم نقايض السلع المتوفرة بسأل جاري إذا عنده خيار وبعطيه بالمقابل حبة بندورة"

وكذلك يقنن شربل استخدام السيارة: “بتروح فيها زوجتي على الصيدلية محل شغلها بس. وأوقات كتيرة منروح مشي على أماكن قريبة، بس مكان عملها بعيد عنا”.

وغالبًا ما تنقطع شبكة الإنترنت، ما دفع شربل إلى شراء شريحة esim والإشتراك في باقة الإنترنت ولو أن تكلفتها مرتفعة جدًا وصلت إلى 30 دولار للجيغات الـ5، كي يبقى على اتصال بمن يحب ويعرف.

نازحة تحت مرمى النيران

ومن بين النازحين إلى رميش، تُخبرنا سحر أبو كرم، كيف خرجت منذ اليوم الأول للحرب تحت النار، وتقول: “بحقيبة صغيرة فيها ثياب شتوية، نزحت إلى رميش، أذكر أنه كان موسم زراعة التبغ فسقطت القذائف فوق رؤوس المزارعين” وتضيف لـ”صلة وصل”: “بقيت هنا لأنني انتظر عودتنا، هكذا يفعل كل من نزح منّا”.

وأبو كرم نازحة من بلدة القوزح وتقيم راهنًا في منزل شقيقتها في رميش، تقول: “كنا 13 شخصًا، انقسمت عائلتي بين من استقر في منزل شقيقتي وآخرين ذهبوا إلى منزل جدي”.

ولا تزال 25 عائلة من القوزح موزعة بين رميش وعين إبل ودبل في منازل مستأجرة أو لدى أقارب أو في دير الرهبان في رميش، تقول: ” لي بيعتاد حياة القرية بيستصعب ينزح على المدينة، الحياة هناك مختلفة تمامًا”، والمقصود هنا العاصمة بيروت.

" لي بيعتاد حياة القرية بيستصعب ينزح على المدينة الحياة هناك مختلفة تمامًا"

وعن أحوال الناس، وتكيفهم مع الواقع الجديد، تقول: “أشغالنا متوقفة ونشعر بألم نفسي بسبب كل شي عم نعيشه، والأسوأ إنو ما منعرف لوين رايحين بحرب ما كان بدنا ياها” وتُعلق: “منعاني من ارتفاع الأسعار ومصالحنا متوقفة، عايشين على المساعدات بس ما بتكفي؛ وزارة الشؤون بتبعت مبلغ صغير لكل عيلة كل فترة، هول ما شي”.

 تُحدثنا عن معمل الحلوى الخاص بالعائلة: “كنا نصنع السمسمية والفستقية، وبتعيش منه 25 عائلة بين القوزح ودبل. عرفنا انو انقصف مستودع لإلنا، خسارتنا بتتقدر بـ200 الف دولار على الأقل”. وتختم: “بتفرجي صور وخرائط غوغل إنو الواقع مؤلم وصعب كتير، بس الصدمة حتكون لما نرجع، الكارثة على أرض الواقع رح تكون”.

علمًا أن أهالي القوزح لم يتمكنوا من العودة حتّى بعد إعلان وقف إطلاق النار الشكلي. وقد شنّت إسرائيل سلسلة غارات عنيفة استهدفت قرى وبلدات جنوبية عدّة ليل 18 حزيران، لا سيّما في محافظة النبطية.  

جغرافيا متداخلة    

وتقع بلدة رميش على الحدود الفلسطينية المحتلة، يسكن فيها راهنًا 6 آلاف شخص من أصل 11350 العدد الإجمالي لأهالي البلدة، و250 ألف نازح، قدِموا إليها من قرى وبلدات مجاورة مثل القوزح، إضافة إلى 800 سوري يقيمون أصلًا في البلدة وكانوا يعملون سابقًا (أيّ قبل الحرب) في الزراعة.

جارتها بلدة عين إبل، يصمد فيها 1400 من أصل 2500 شخص من سكان البلدة إضافة إلى خمس عائلات نازحة من يارون وبرعشيت والقوزح. وما زال  الجيش الإسرائيلي متواجدًا على مقربة منهما.

في الظروف العاديّة، يحتاج سكان رميش، دقائق معدودة للوصول إلى عين إبل، الطريق سالكة حاليًا لكنها ممنوعة على السكان، جراء المخاطر الأمنيّة وإصدار إسرائيل لأذونات التنقل في المنطقة ككل.

يوميات الحرب

وهكذا في مساحة جغرافية واحدة تتداخل فيها المنازل عقاريًا، وهي ذات طبيعة ديموغرافيًة واجتماعيّة واقتصاديّة متشابهة، يصمد الأهالي بعد أن اختاروا البقاء، كي لا تُسرق أرضهم ومنازلهم. هم يصنعون من اللاحياة صمودًا، وقد لعبت شبكات التضامن المحلية، وقوافل المساعدات وخلايا الأزمة دورًا مهمًا في تحقيق هذا الأمر.

في الصباح الباكر من كلّ يوم، يتفقد غالبيّة الأهالي حاجياتهم الأساسيّة، سلع غذائيّة وبعض الخضروات، ذلك في حال توفرت أصلًا، وربما شيء من اللحوم لتشكل مواد أوليّة لطبخة محتملة، ثمّ يتفقدون خزانات المياه وفيول السيارة، قبل أن تشتت تركيزهم أصوات الغارات والقذائف والتفجيرات العنيفة من جديد، ناهيك عن الطيران الحربي والمسّيرات الإسرائيلية التي لا تفارق سماء القرى هناك؛ إنها يوميات الحرب القبيحة والثقيلة جدًا.

العزلة الشاملة

يقول رئيس بلدية رميش حنا العميل: “نعيش الحرب بكل مآسيها، نسمع أصوات القصف والتفجيرات؛ لقد أُرهقنا وللأسف تصبح الحرب أكثر صعوبة كلما قطعت الطرقات وبتنا معزولون تمامًا، فلا اتصال أو تواصل مع القرى المجاورة”.

وفي ظل هذا الواقع الطارئ على حياة الناس هناك، ثلاثة أمور أساسيّة شكّلت النواة الأولى لإدارة هذا الصمود، قوافل المساعدات الإنسانيّة، الكفاح الفرديّ والتضامن المحليّ.

“تصبح الحرب أكثر صعوبة كلما قطعت الطرقات وبتنا معزولون تمامًا”

قوافل النجاة

ووفق العميل: “وصل إلى التجار شاحنات محروقات يوم أمس الخميس (18 حزيران)” بينما أخر قافلة مساعدات إنسانيّة وصلت قبل حوالي 3 أسابيع وفيها سلع أساسيّة مواد غذائيّة ومحروقات وطحين ومستلزمات طبيّة وأدوية، ويضيف لـ”صلة وصل”: “نعاني كل فترة نعاني من نفس المشكلة”.

هذه المعاناة تتكرر بين فترة وأخرى، إذ يتمّ تأمين السلع التي تحتاجها البلدات من قبل جهات رسميّة ودوليّة عبر قوافل المساعدات وتُستهلك قبل أن تسمح إسرائيل بدخول قوافل جديدة بمرافقة اليونيفيل والجيش اللبناني. كما يؤمن التجار المحليين بعض السلع التي يشتريها الناس (مثل المحروقات).

وتصلهم هذه القوافل عبر بلدات وقرى دمرتها إسرائيل بشكل كامل أو جزئي، مثل صديقين وكفرا وحاريص، ويعمل عناصر الدفاع المدني على فتح الطرقات باستمرار، كي لا تُقطع الأوصال هناك.

لكن المأساة الكبرى تحصل في حالات الحاجة للاستشفاء: “قد يموت الشخص قبل نقله إلى المستشفى. قد تأخذ المسألة أيام عديدة قبل أن يسمح بذلك” يقول العميل.

خلايا الأزمة

وأبناء البلدة هم من يقود هذه المبادرات على الأرض، بالتنسيق مع خلية الأزمة التي أنشاتها البلدية لهذه الغاية في رميش وكذلك عين إبل، وفي بيروت أيضًا، هناك خليتان للأزمة، واحدة تُعنى بقضايا رميش وأخرى بعين إبل لتنسيق احتياجات البلدات المذكورة وتأمين الإمدادات لهما.

 يقول رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: “سابقًا كانت تصلنا حصصًا غذائيّة، لدى العائلات الآن ما يكفيها منها، كما تستعين بـ”مؤونتها” التي كانت تدّخرها، وبعض المزروعات الصيفية، مثل: الخيار والبندورة والمقتي” إذ يعتاد أهالي القرى هناك، زراعة المساحات الخضراء أمام منازلهم.

وفي القوافل، تصل المحروقات “لدينا مولدات كهربائيّة نؤمن من خلالها الكهرباء للناس” وعلى المستوى الصحيّ: “لدينا مستوصف تموله كاريتاس مفتوح دائمًا لتقديم الإسعافات الأوليّة للسكان”، ويعاني السكان هناك من انقطاع السلع الأساسيّة باستمرار، وتحديدًا المحروقات والتي تصبح مهددة بالنفاذ بين فترة وأخرى. 

يقول: “الطريق إلينا شبه مقطوعة كما كل المنطقة الصفراء، وكنا قد راسلنا رئيس الجمهورية لتأمين خط إنساني لإدخال ما نحتاجه كي نبقى مستمرين. وقد وصلت بالأمس احتياجاتنا من الفيول لمحطات المحروقات” يُعلق خريش. علمًا أن هذه الاحتياجات يتمّ دفع ثمنها للتجار ولا تأتي على شكل مساعدات إنسانيّة. 

الشؤون: بانتظار أخذ الموافقة

من جهتها تؤكد مصادر وزارة الشؤون الاجتماعيّة لمنصة صلة وصل: “نحن في حالة متابعة وتنسيق دائم لتأمين احتياجات السكان في القرى الحدودية، ودائمًا ما نقوم بتنظيم قوافل إغاثية ومساعدات إنسانيّة بانتظار أخذ الموافقة لدخول البلدات”.

وتضيف لـ”صلة وصل”: “خلال الفترة الماضية، قدمت الوزارة مساعدات ماليّة للأهالي في قرى قضاء بنت جبيل وغيرها من القرى التي يصمد أهلها فيها، وفق لوائح البلديّات هناك” وهي في حالة تنسيق دائم مع المعنيين كما النازحين.

وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، وتحديدًا قرى وبلدات جنوب لبنان، دون أيّ رادع قانوني أو أخلاقي، ومع غياب أيّ بوادر تشّي بأن هناك حل جذري قد يحصل في وقت قريب كفيل بأن ينهي الحرب الإسرائيليّة على لبنان، سيبقى الأهالي في رميش وعين إبل يبتكرون آليات صمود جديدة يواجهون من خلالها الحصار الإسرائيلي.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x