مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

كيف تغيّر الحرب كل شيء إلا الرغبة في الاستمرار؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
27/04/20261:48 م

في لحظة واحدة، يمكن للحرب أن تعيد رسم حياة كاملة. لا تكتفي بتدمير المباني أو تفريغ القرى من سكانها، بل تمتدّ إلى ما هو أعمق: إلى الأحلام التي بُنيت على مدى سنوات، إلى المسارات المهنية التي تشكّلت بصبر، وإلى الإحساس البسيط بالاستقرار الذي يبدو بديهيًا حتى يُفقد. في لبنان، لا تُروى الحرب فقط من خلال أرقام الخسائر، بل عبر حكايات الأفراد الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع جديد، لا يشبه ما خططوا له، ولا ما يستحقونه. بين هذه الحكايات، تتقاطع قصص من الخسارة، والارتباك، ومحاولات النهوض، لتكشف عن وجه آخر للحرب، وجه لا يُرى في الصور السريعة، بل يُعاش في التفاصيل اليومية.

خسارة تتجاوز المهنة
تستعيد سامية كرنيب، ابنة بلدة مارون الراس الحدودية، تجربة فقدان يصعب اختزاله في إطار مهني أو مادي فقط. فالصيدلية التي دمّرتها غارة جوية لم تكن مجرد محل عمل، بل كانت خلاصة سنوات من الجهد، وامتدادًا لحلم شخصي بدأ منذ عودتها من دراستها في روسيا. هناك، كان يمكنها أن تختار مسارًا أسهل في مدينة أكبر، لكنها فضّلت العودة إلى قريتها، مدفوعة برغبة واضحة في خدمة مجتمعها المحلي، في منطقة تعاني نقصًا حادًا في الخدمات الصحية.
وتوضح أن قرارها بالبقاء في الجنوب لم يكن وليد الصدفة، بل خيارًا واعيًا ومقصودًا، كرّست له كل ما تملك من مدّخرات، إيمانًا منها بأن بناء حياة مستقرة قرب العائلة والأرض هو جزء من معنى الانتماء. غير أن الحرب جاءت لتقوّض هذا المسار بالكامل، حين سُوّيت الصيدلية بالأرض في لحظة واحدة، لتخسر معها ليس فقط مصدر دخلها، بل مشروع حياتها بكل تفاصيله.

بين الانهيار ومحاولة النهوض
تصف سامية تلك اللحظة وتقول:” لحظة انهيار كامل، حيث لم تكن الخسارة قابلة للتعويض أو حتى للاستيعاب، بل صدمة نفسية عميقة أدخلتني  في حالة من الشلل المؤقت، بين خوف من إعادة التجربة، وعجز عن اتخاذ قرار بالمغادرة أو البدء من جديد. بقيت معلّقة في مساحة رمادية، لا أنتمي  إلى ماضٍ انتهى، ولا إلى مستقبل يمكن رسمه بوضوح”.


وتضيف أن محاولات التعافي لم تكن خطّية أو سهلة، بل متقطّعة، ومليئة بالعودة إلى نقطة الصفر. فمع كل محاولة للنهوض، كانت الحرب تعود لتفرض واقعها، وتعيد خلط الأوراق من جديد. حتى عندما قررت أخيرًا خوض تجربة جديدة، وجدت نفسها مضطرة للنزوح مع عائلتها إلى صيدا، لتبدأ من جديد في بيئة مختلفة، لكن بثقل نفسي أكبر.

مع كل محاولة للنهوض، كانت الحرب تعود لتفرض واقعها
وتعيد خلط الأوراق من جديد

 وتشير إلى أن تلك المرحلة اتسمت بشعور عميق بالضياع، حيث تفقد الأيام معناها، ويصبح الزمن عبئًا بدل أن يكون فرصة. لم يكن هناك اتجاه واضح، ولا قدرة على التخطيط، بل فقط محاولة للاستمرار. إلى أن جاءت لحظة غير متوقعة، حين دخلت إلى صيدلية بشكل عابر، ففُتح أمامها باب لم تكن تتوقعه، إذ عُرض عليها العمل بشكل مؤقت، فوافقت من دون تردّد.
وتلفت إلى أن هذا القرار لم يكن بدافع الاستقرار، بل بدافع الحاجة إلى كسر العزلة، إلى استعادة الإحساس بالحياة، من خلال التفاعل مع الناس وسماع قصصهم. إلا أن هذه العودة الجزئية حملت معها مفارقة مؤلمة، إذ وجدت نفسها في موقع مزدوج: تقدّم الدعم للآخرين، فيما هي نفسها تحتاج إلى من يساندها، في تداخل واضح بين دور المعالج ودور المتعب.

التعليم كخيار للمواجهة
في مسار مختلف، تروي زينب داغر تجربة النزوح من زاوية أخرى، لكنها لا تقل صعوبة. فبعد أن كانت تعمل في أحد المعاهد في بنت جبيل، وجدت نفسها فجأة في بيروت، حيث تغيّر كل شيء بشكل مفاجئ. لم يعد هناك أمان، ولا استقرار، ولا حتى الإيقاع اليومي الذي اعتادت عليه.
وتوضح أن هذه التجربة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل صدمة نفسية حقيقية، فرضت عليها إعادة التفكير بكل شيء. ومع ذلك، تؤكد أنها لم تسمح لهذه الظروف أن تكسرها، بل اتخذت قرارًا واعيًا بمواصلة العمل، معتبرة أن التعليم بالنسبة لها ليس مجرد وظيفة، بل هوية، ورسالة، وطريقة لمواجهة الواقع.

 “عدت  إلى إعطاء الدروس الخاصة، ولو بشكل محدود، ليس كبديل دائم، بل كوسيلة للبقاء متصلة بمساري  المهني، وللحفاظ على شعور الاستمرارية. النزوح قد يسلب الإنسان الكثير، من البيت إلى تفاصيل الحياة اليومية، لكنه لا يجب أن يسلبنا  إرادتنا”. وتختم بثقة واضحة: “أنا لا أبدأ من جديد هنا، أنا أستمر فقط… لأنني سأعود إلى بنت جبيل، وهناك سأكمل ما بدأت”.

الرزق رغم النزوح
يروي أبو حسين (محمد قطيش)، صاحب ملحمة في  حولا، كيف دفعته الحرب إلى مغادرة بلدته بشكل مفاجئ، تاركًا خلفه منزله ومصدر رزقه الوحيد، بحثًا عن مكان جديد يستطيع فيه الاستمرار. يوضح أنه اضطر للنزوح مع عائلته إلى منطقة جديدة في بعلشماي، حيث بدأ البحث عن فرصة لإعادة فتح عمله، رغم صعوبة الاندماج في بيئة مختلفة، “أي منطقة جديدة مش بسهولة بتقبل حدا غريب يفتح فيها مصلحة”، يقول، مشيرًا إلى التحديات التي واجهها في البداية.
ويضيف أن القرار بالعودة إلى العمل لم يكن خيارًا سهلًا، بل ضرورة فرضتها مسؤولية إعالة عائلته، “عنا ولاد… ولازم نطعميهم”، في تعبير يعكس واقع كثير من النازحين الذين لا يملكون رفاهية التوقف.


يشير أبو حسين إلى أنه تمكّن، بعد محاولات، من التعرف إلى أحد أبناء المنطقة من آل الدنف، الذي أبدى استعداده للتعاون معه، ما أتاح له فرصة فتح ملحمة جديدة تحمل الاسم نفسه، ولكن ضمن شراكة جديدة فرضتها الظروف.ويوضح أن هذا التعاون شكّل نقطة تحوّل، إذ استطاع من خلاله استئناف عمله، والتأقلم مع الواقع الجديد، رغم كل التحديات.

ويلفت إلى أن المفاجأة كانت في النتائج، حيث يشير إلى أن العمل في الموقع الجديد بات يحقق مردودًا أفضل مما كان عليه في الجنوب، “الرزق هون صار أكتر”، يقول، في مفارقة تعكس تعقيدات الواقع الاقتصادي في ظل الحرب.
ويضيف أن الإقبال على العمل استمر، ما سمح له بالحفاظ على مصدر دخله، والاستمرار في تأمين احتياجات عائلته، رغم الظروف الصعبة.

تتجاوز تداعيات الحرب الخسائر المباشرة من إغلاق بعض الشركات، تراجع بالمبيعات، وحركة سياحية شبه معدومة بحسب وزير الإقتصاد

يروي الدكتور حسام الزين، طبيب أسنان اختصاص تقويم، تفاصيل تجربته مع النزوح، بعد أن اضطر إلى مغادرة منطقته مع بداية الحرب، حيث كان يملك عيادته في بلدة عرب صاليم ومنزله في بلدة الكفور.
يوضح الزين أن اندلاع الحرب فرض عليه إغلاق عيادته، رغم كلفة تجهيزها العالية، “عيادة طبيب الأسنان مكلفة جدًا”، يقول، مشيرًا إلى أنه اضطر للنزوح مع عائلته إلى منطقة تلّة الخياط، حيث بدأ البحث عن بديل يتيح له الاستمرار في عمله.
ويضيف أنه، في ظل هذه الظروف، حاول التواصل مع زملائه في المهنة لإيجاد فرصة للعمل، إلى أن تمكّن من التعاون مع طبيبة أسنان في منطقة القماطية، حيث بدأ العمل بشكل جزئي، “صرت أشتغل نص الوقت بالعيادة”، لافتًا إلى أنه يتولى بشكل خاص حالات تقويم الأسنان، نظرًا لقلّة هذا الاختصاص في لبنان.

تكيّف مهني في ظروف استثنائية
يشير الزين إلى أن هذه الخطوة لم تكن سهلة، لكنها شكّلت محاولة للحفاظ على مصدر رزقه من جهة، والاستمرار في خدمة المرضى من جهة أخرى، خاصة أن عددًا كبيرًا من مرضاه كانوا قد نزحوا أيضًا من الجنوب وتوزّعوا في مناطق مختلفة.  ويؤكد أنه وجد نفسه أمام واقع جديد، حيث بات يتعامل مع مرضى يعيشون ظروفًا مشابهة له، ما فرض عليه مقاربة مختلفة في العمل، تقوم على مراعاة الأوضاع المعيشية للناس حيث عبر عن ذلك: “اللي وضعه مرتاح مناخد منه مبلغ بسيط، واللي مش قادر منساعده.”


ويضيف أن هذه التجربة دفعته، بالتعاون مع زملائه، إلى تقديم تسهيلات كبيرة، حيث يتم أحيانًا الاكتفاء بتغطية كلفة المواد فقط، من دون احتساب الأجور، في محاولة لدعم المرضى في هذه المرحلة الصعبة. ويشير الزين إلى أن هذه المبادرة سمحت له بالحفاظ على مهنته وباب رزقه، وفي الوقت نفسه تقديم مساعدة للنازحين، في توازن دقيق بين الحاجة الشخصية والمسؤولية الإنسانية. ويختم بالتأكيد على أن العمل في هذه الظروف لم يعد مجرد مهنة، بل تحوّل إلى وسيلة للصمود، حيث يحاول الأطباء، رغم كل التحديات، الاستمرار في أداء دورهم، ولو بإمكانيات محدودة.

اقتصاد تحت الضغط
إنطلاقًا عن التجارب الفردية، تعكس هذه القصص واقعًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، حيث تتجاوز تداعيات الحرب الخسائر المباشرة من إغلاق بعض الشركات، تراجع بالمبيعات، وحركة سياحية شبه معدومة بحسب وزير الإقتصاد، التقديرات الاولية تشير اذا استمرت الحرب ثلاثة أشهر. فالتقديرات بين 5  و 7 % من الناتج المحلي وهو رقم ليس صغير يقدر بمليارات الدولارات . فمع تضرّر البنية التحتية، تتراجع القدرة الإنتاجية، ويتأثر سوق العمل بشكل واضح، خصوصًا مع النزوح الواسع من المناطق الجنوبية، ما يؤدي إلى اختلال في توزيع اليد العاملة.


وفي هذا السياق، توضّح سميرة كيكي، المختصّة بالشأن الاقتصادي، أن تدهور العملة الوطنية شكّل عامل ضغط إضافيًا، إذ انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية، وأثّر على ميزانيات الأفراد والمؤسسات، في ظل غياب أي استقرار مالي.
كما تشير إلى أن البيئة الاستثمارية شهدت تراجعًا ملحوظًا، نتيجة المخاطر الأمنية، ما أدى إلى انخفاض الاستثمارات وتراجع ثقة المستثمرين، سواء المحليين أو الخارجيين، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة النمو الاقتصادي.

ركود وتحديات متراكمة
وتضيف سميرة أن هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى ركود في النشاط الاقتصادي، حيث تراجعت الأرباح التجارية، وانخفضت معدلات الإنتاج، في ظل ظروف تعيق التخطيط والاستمرارية. كما ارتفعت مستويات الدين العام، نتيجة تراجع الإيرادات وزيادة الأعباء المالية، ما فاقم من هشاشة الوضع الاقتصادي.
وتلفت إلى أن تأثير النزوح لم يقتصر على الأفراد، بل امتد إلى قطاعات حيوية كالسياحة والصناعة والزراعة، حيث تراجعت الإيرادات، وتضرّرت المنشآت، وانخفضت القدرة الإنتاجية، إلى جانب نقص اليد العاملة في بعض القطاعات الأساسية.

في المقابل، ترى سميرة أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة اقتصادية إنقاذية شاملة، تقوم على إعادة بناء البنية التحتية، وتعزيز الاستثمارات في القطاعات المتضرّرة، إلى جانب توفير فرص عمل محلية تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية بعد انتهاء الحرب.
كما تشدّد على أهمية تطوير القطاع الصناعي، وتشجيع الاستثمارات العامة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد اللبناني وإعادة تحريكه. وتشير إلى أن هذه الإجراءات، في حال اعتمادها، يمكن أن تسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين مستوى المعيشة على المدى المتوسط والبعيد.

الاستمرار كفعل مقاومة
بين قصة سامية التي خسرت مشروع حياتها في لحظة، وزينب التي اختارت الاستمرار رغم النزوح، وأبو حسين الذي أعاد بناء مصدر رزقه في بيئة جديدة، والدكتور حسام الذي حوّل مهنته إلى مساحة دعم، ومشهد اقتصاد يبرز تحت ضغوط متراكمة، تتقاطع الحكايات لتكشف حقيقة واحدة: الحرب لا تدمّر فقط، بل تعيد تشكيل الحياة بأكملها. ومع ذلك، لا تختفي الرغبة في الاستمرار، بل تظهر بأشكال مختلفة، أحيانًا عبر عمل مؤقت، وأحيانًا عبر قرارات صغيرة ترفض التوقف. في هذا السياق، لا يعود الصمود شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تُعاش، حيث يصبح الاستمرار بحد ذاته فعل مقاومة، وإصرارًا على أن ما انكسر يمكن، يومًا ما، أن يُعاد بناؤه.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x