في زمن الحرب، لا يخسر الطفل/ة منزله/ها أو مدرسته /ها فقط، بل يفقد الأطفال إحساسهم/ن بالأمان والاستقرار، وثقتهم/ن بالعالم من حولهم/ن. بين النزوح والخوف، تتحول الطفولة إلى مساحة مثقلة بالقلق. لا تعد مبادرات الترفيه مجرّد أنشطة عابرة، بل تتحوّلت إلى حاجة نفسية أساسية، تحاول أن تعيد للأطفال شيئًا من عالمهم/ن المفقود، ولو للحظات قصيرة.
جسر العبور: اللعب للتخفيف
في عين المريسة على كورنيش البحر، تعمل مبادرة “جسر العبور” على تنظيم أنشطة للأطفال انطلاقًا من جهود تطوعية عابرة للطوائف. توضّح فريدة، منسّقة المبادرة، أن الهدف الأساسي هو التخفيف من وطأة النزوح والحرب، عبر نشاطات مثل كرة القدم والرسم.
وبعد تعذّر تنفيذ أي نشاط خلال العيد بسبب الطقس وظروف العيش في الخيم، جرى التعويض لاحقًا عبر توزيع طرود ترفيهية تضمنت شوكولا، “مافين”، رقائق بطاطا، عصير، بالونات ومواد للّعب، إلى جانب تنظيم فقرة رسم. وقد عكست رسومات الأطفال مشاعرهم بوضوح؛ منازل اشتاقوا إليها، وأعلام رسموها كتعبير عن الانتماء.

كما حرصت المبادرة على خلق أجواء قريبة من الحياة الطبيعية، عبر تفاصيل بسيطة مثل عربة “السويت كورن”، “لنشعرهم وكأنهم/ن في نزهة”، بحسب تعبير فريدة. ولم يقتصر الدعم على الترفيه، بل شمل أيضًا تأمين الملابس، الحصص الغذائية، وحليب الأطفال وحفاضاتهم، إضافة إلى تلبية احتياجات العائلات بشكل عام. وتشير إلى أن تمويل هذه المبادرات يعتمد بشكل كبير على التبرعات التي تُجمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
السينما.. استراحة من الحرب
في الحمرا، يفتح “المسرح الوطني اللبناني” أبوابه للعائلات النازحة عبر عروض سينمائية مجانية تُقام بشكل شبه يومي في “سينما الكولوزيه”، في محاولة لتوفير مساحة دافئة تمنحهم بعض الفرح وسط الظروف الصعبة.
تعبّر زينب بلوط، وهي أم نازحة من الضاحية الجنوبية، عن امتنانها لهذه المبادرة، مشيرة إلى أن أطفالها “يشترون الفشار ويجلسون كأنهم في سينما بيوم طبيعي، من دون حرب”. وتضيف أن هذه التجربة سمحت لهم بالخروج، ولو مؤقتًا، من أجواء القلق، والتعرّف إلى أطفال آخرين.
"يشترون الفشار ويجلسون كأنهم في سينما بيوم طبيعي، من دون حرب"
بدورها، تؤكد بتول نشّار أن الأثر النفسي كان واضحًا، إذ اندمج أطفالها مع العرض “وكأنهم خارج كل الضغوط التي يعيشونها”. وتروي نرمين تجربة ابنتها الصغيرة، التي لم تتجاوز السنتين والنصف، لكنها تفاعلت بشكل لافت، فقلّدت حركات الممثلين، ورقصت وصفّقت “كأنها في حفلة حقيقية.” أما الأطفال أنفسهم، مثل علي ومهدي وعباس ومحمد، فقد عبّروا بطريقتهم البسيطة عن سعادتهم، مؤكدين أنهم استمتعوا بالأفلام وبالأجواء، ويتمنون تكرار التجربة “كل يوم إذا فيهن.”
الرسم كمساحة أمان
في بعلشماي، نظّم طلبة من آل الدنف في بعلشماي نشاطًا فنيًا داخل أحد مراكز الإيواء، ركّز على الرسم كوسيلة للتعبير والدعم النفسي. تشرح سيلين الدنف المسؤولة عن تنفيذ النشاط، أن هذا العمل لم يكن ترفيهيًا فقط، بل هدف إلى إعادة خلق أجواء مألوفة للأطفال، من خلال رسومات تعبّر عن الأرض والبيت والشجر والانتماء. وتؤكد أن الهدف كان مساعدة الطفل على التعبير عن نفسه والتواصل مع المجتمع بطرق آمنة، خاصة أن كثيرين منهم غير قادرين على التعبير اللفظي عمّا عاشوه.
وتضيف:”أن الرسم يساعد الأطفال على تفريغ مشاعر القلق والغضب والتوتر، ويمنحهم مساحة من الهدوء المؤقت، كما يشتت انتباههم عن الخوف”. وترى أن هذه الأنشطة تعيد للطفل إحساسه بأنه ليس وحيدًا، بل جزء من جماعة تشاركه التجربة. وتشير إلى أن النشاط يمتد على عدة أيام، حيث يتم تشجيع الأطفال على اللقاء يوميًا، والتلوين معًا، ومشاركة الأدوات، على أن تُعرض الرسومات لاحقًا داخل مركز الإيواء، ما يخلق بيئة مليئة بالألوان والدفء، ويمنح الأطفال شعورًا بالإنجاز والثقة بالنفس.

كما تؤكد أن إشراك الأهالي في هذه الجلسات يساهم في مساعدتهم على فهم الحالة النفسية لأطفالهم، ومراقبة تفاعلهم، ما يسهّل التعامل مع التوتر الذي يمرّون به. كما تشير أمل الصغير نازحة من منطقة بنت جبيل إلى أن هذه المبادرات تعيد للأطفال إحساسهم بأجواء المدرسة، وتساعدهم على الخروج من الضغط والاكتئاب، مؤكدة الحاجة إلى تطويرها لتشمل نشاطات تعليمية مستمرة، حتى ولو مقابل بدل مالي بسيط.
أجواء الفرح في بيت شباب
في بلدة بيت شباب، نظّمت جمعية “دالة” مبادرة لدعم العائلات النازحة من الضاحية الجنوبية والجنوب، في محاولة لإحياء أجواء الفرح للأطفال. توضّح نور، متطوعة من الجمعية، أن المبادرة جاءت في توقيت حساس، إذ اضطر الأطفال إلى مغادرة منازلهم وكل ما فيها، “وأردنا أن نعيد لهم جزءًا من الفرح والحب”.
تم توزيع حقائب فردية لـ56 طفلًا، تتراوح أعمارهم بين أسبوعين و12 عامًا، حملت أسماءهم وتضمنت ألعابًا متنوعة وملابس جديدة. ولم تقتصر المبادرة على الأطفال، بل شملت أيضًا دعم أحد المتضررين من القصف عبر شراء الملابس من مستودعه بعد أن خسر متجره.
إن ما يعيشه الأطفال اليوم"أكثر مما يمكنهم تحمّله
تشير نور إلى أن ما يعيشه الأطفال اليوم”أكثر مما يمكنهم تحمّله”، مؤكدة أن الهدف كان تقديم شيء بسيط “يمنحهم إحساسًا بأن لديهم شيئًا خاصًا بهم، في وقت فقدوا فيه الكثير”. من جهتها، تؤكد رولا، منسّقة منطقة بيت شباب، أن التفاعل كان إيجابيًا جدًا، حيث عبّر الأطفال والأمهات عن فرحهم، وبدت المفاجأة واضحة على وجوههم، وكأنها استراحة قصيرة من ثقل الواقع.
البعد النفسي للعب
توضح المعالجة النفسية شارلوت الخليل لصلة وصل، أن الطفل في زمن الحرب لا يعيش فقط حدثًا خارجيًا، بل حالة داخلية عميقة تؤثر على جهازه العصبي وسلوكياته وصحته النفسية. وتشدد على أن الحديث عن الطفل هو حديث عن الطفولة، والطفولة تعني اللعب.
وتؤكد أن هذه الأنشطة ليست ترفيهًا، بل حاجة نفسية أساسية، إذ تساعد على خفض التوتر والقلق، وتفعّل أجزاء من الدماغ مرتبطة بالراحة والإبداع بدلًا من الاستنفار المستمر الناتج عن الخطر. كما تمنح الطفل شعورًا مؤقتًا بالأمان والسيطرة، وتساعده على التواصل مع الآخرين، ما يخفف من شعور الوحدة. وترى أن الأهم في هذه المبادرات هو الرسالة التي تحملها للأطفال، إذ يشعرون أن هناك من يقف إلى جانبهم، ويسعى للتخفيف من معاناتهم، ما يساعدهم على إعادة بناء ثقتهم بالعالم.

تؤكد شارلوت: “هذه المبادرات قد تبدو بسيطة في ظاهرها: لعبة، عرض سينمائي، أو لوحة رسم. لكنها في جوهرها تشكّل خطوط دعم نفسية حقيقية للأطفال في مواجهة حرب تفوق قدرتهم على الاحتمال. هي ليست حلولًا نهائية، لكنها لحظات نجاة مؤقتة، تعيد للطفل جزءًا من طفولته، وتخبره، بصمت، أنه ليس وحده”.
بين الحرب والنجاة
في لحظاتٍ تبدو فيها الحرب أكبر من قدرة الأطفال على الفهم أو الاحتمال، تصبح هذه المبادرات أكثر من مجرد أنشطة عابرة. هي مساحات صغيرة من الأمان تُفتح وسط الفوضى، ومحاولات صادقة لترميم ما تكسّر في داخل الطفل قبل الخارج. قد لا تُنهي هذه الجهود الحرب، ولا تمحو آثارها، لكنها تمنح الأطفال شيئًا لا يقل أهمية: لحظة يضحكون فيها من دون خوف، ويلعبون من دون قلق، ويشعرون -ولو قليلًا- أن العالم لا يزال قادرًا على احتضانهم/ن.













