في شوارع بيروت وضواحيها، حيث تتداخل الشوارع، وتختنق في زحمة السير، وحيث بات الخروج اليومي محفوفًا بالقلق، وتحت صوت المسيرات الإسرائيلية، تعمل ندى رضا عطوي بالتاكسي الخاص بها، وهي سيدة لبنانية في السبعين من عمرها، كسرت صورة نمطية راسخة، بمقود سيارة.
منذ عام 2019، تغيّر كل شيء في حياة ندى. الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت لبنان لم تكن حدثًا عامًا فقط، بل تحوّلت إلى منعطف شخصي قاسٍ. توفي زوجها في الفترة نفسها، وخسر ابنها عمله، لتجد نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة في عمر يعتقد كثيرون أنه مخصص للراحة لا للمواجهة. كانت تملك سيارة، وكانت تدرس في كلية الحوزة بعد أن درست سابقًا العلوم الاجتماعية، ومع الوقت بدأت توصل زميلاتها من الكلية إلى منازلهن، في البداية بدافع المساعدة لا أكثر.
تاكسي تحمي من الخوف
مع اشتداد الأزمة وارتفاع أسعار البنزين، بدأت تبيع أغراض بيتها قطعة قطعة، لتؤمّن احتياجاتها الأساسية. لاحظت زميلاتها الأمر، ولاحظن أيضًا أنها باتت تفكر ببيع السيارة نفسها. صديقاتها اقترحن عليها أن تعمل كسائقة تاكسي، لا فقط كمصدر دخل، بل لأن وجود امرأة خلف المقود قد يمنح النساء شعورًا إضافيًا بالأمان، في بلد ارتفعت فيه معدلات الجريمة بشكل مقلق.

ففي عام 2024، سُجّلت 153 جريمة قتل و2,782 حادثة سرقة و40 حالة خطف مقابل فدية، إلى جانب 585 سرقة سيارات. ومع بداية عام 2025، ورغم تراجع سرقات السيارات إلى 87 حالة في الربع الأول (مقارنةً بـ179 في الفترة نفسها من عام 2024)، ارتفعت جرائم القتل إلى 57 حالة مقابل 50، وزادت السرقات إلى 948 حادثة مقارنة بـ889، كما ارتفعت حالات الخطف إلى 10 مقابل 8.
هذا الواقع الهش جعل مسألة التنقل اليومي، خاصة للنساء، قضية تتجاوز الراحة إلى السلامة الشخصية. من هنا، لم يكن اقتراح صديقات ندى فكرة اقتصادية فحسب، بل استجابة لحاجة اجتماعية حقيقية.
يوميات الأمان النسوي
في بداياتها، اقتصر عملها على نقل زميلاتها فقط، إذ كانت متحفظة تجاه التعامل مع نطاق أوسع من الركاب خارج إطار الكلية والحوزة، مدفوعة بحذر طبيعي من نظرة المجتمع ومن خوض تجربة جديدة في مجال لم تعتد عليه. لكن مع الوقت، ومع تراكم الرحلات والحوارات اليومية، تبدّل هذا التردد تدريجيًا.
إن المسافة القصيرة داخل السيارة،
تحوّلت إلى مساحة تواصل إنساني مباشر بين نساء يتشاركن قصصًا وهمومًا متشابهة
تقول ندى:”إن المسافة القصيرة داخل السيارة تحوّلت إلى مساحة تواصل إنساني بسيط ومباشر بين نساء يتشاركن قصصًا وهمومًا متشابهة. هذا القرب خلق شعورًا بالثقة المتبادلة، وجعل الرحلة أكثر من مجرد خدمة نقل، بل تجربة آمنة ومريحة للطرفين”.
ومع اتساع تجربتها، باتت ترى في وجود سائقات تاكسي نساء في لبنان خطوة مهنية واجتماعية مهمة، تفتح المجال أمام خيارات أوسع للنساء في التنقل والعمل، وتكسر الحواجز المرتبطة بالصورة التقليدية لبعض المهن.

لا تأتي تجربة ندى رضا عطوي من فراغ، بل تنبثق من واقع أوسع تعيشه النساء في لبنان اليوم، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع تراجع الأمان وضيق الفرص. فبحسب تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، حلّ لبنان في المرتبة 136 من أصل 148 دولة، في مؤشر يعكس عمق الاختلالات البنيوية التي تواجه النساء، خصوصًا في المشاركة الاقتصادية وصنع القرار.
ورغم تحقيق نسب شبه متكافئة في مجالي التعليم والصحة، تبقى الخيارات المتاحة أمام كثير من النساء محدودة، ما يدفعهن، كما في حالة ندى، إلى شقّ مسارات غير تقليدية للبقاء والعمل بكرامة خارج القوالب السائدة.
الأمان حقهن
وفي موازاة ذلك، تُظهر تقارير حقوقية صادرة عام 2025، بينها تقارير منظمة “كفى” لمناهضة العنف ضد النساء، تصاعدًا مقلقًا في أشكال العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي، في ظل غياب تشريعات شاملة وحماية مؤسساتية فعّالة. هذا الواقع ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية، من التنقّل إلى العمل، ويحوّل الخروج من المنزل إلى تجربة مشوبة بالحذر الدائم.
ضمن هذا السياق، يتجاوز حضور ندى خلف المقود كونه خيارًا مهنيًا، ليغدو مساحة أمان متنقلة، واستجابة عملية لحاجة نسوية ملحّة في مدينة بات الخوف جزءًا من إيقاعها اليومي.
سُجّل ارتفاع بنسبة 33.3٪ في جرائم القتل
وتزداد هذه الحاجة وضوحًا في ظل التغيرات التي يشهدها المشهد الأمني في لبنان. وفق تحليل “الدولية للمعلومات” لعام 2025، سُجّل ارتفاع بنسبة 33.3٪ في جرائم القتل مقارنة بالعام السابق، إلى جانب تصاعد في السرقات وتفلت السلاح، ما أسهم في تعميم شعور عام بعدم الأمان في الشوارع.
وفي الفترة نفسها، أثارت بلاغات متكررة عن اختفاء فتيات ونساء قلقًا واسعًا، لا سيما مع إدراج عشرات الحالات على لوائح قوى الأمن الداخلي، في مشهد يعمّق مخاوف النساء وأهاليهن من مخاطر باتت غير بعيدة عن الحياة اليومية.
هذا التقرير بدعم من:
















