مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

ذاكرة المجتمع المدني اللبناني بين التوثيق والتمرّد

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/03/20269:54 م

بعد توقّف القصف، الحرب الماضية، لم تعد الأرض كما كانت. في جنوب لبنان، بقيت آثار الحرب حاضرة في تفاصيل لا تُرى بسهولة: تربة تغيّر تركيبها، أشجار زيتون اقتُلعت بعد نجاتها من النار، غابات احترقت حتى اختفى أثرها بالكامل، ومزارعون عادوا إلى حقول لا يعرفون إن كانت صالحة للحياة. في هذا الفراغ بين الحرب وما يُطلق عليه وقف إطلاق النار، برز دور غير مُعلن للمجتمع المدني: توثيق ما جرى، ليس بوصفه أرشفة باردة، بل كفعل تمرّدي ضد النسيان والإنكار.

التوثيق من الداخل: الهاتف كأداة نجاة
لم يبدأ التوثيق بعد انتهاء الحرب الماضية كما الحالية، بل أثناءها. يروي حسين وهبي، عنصر في الدفاع المدني اللبناني، كيف كانوا يصوّرون الحرائق لحظة اندلاعها. يقول: “كنّا نصوّر أثناء الحريق، لأن الأرض كانت تحترق أمام أعيننا”. ويضيف: “بالنسبة لنا، لم تكن الصور والفيديوهات مجرّد توثيق بصري، بل وسيلة لإثبات حجم الدمار، ونقل واقع لا يمكن اختزاله بتقارير رسمية مقتضبة”.

هذا التوثيق “من الداخل” تكرّر لدى المدنيين. يارا عبد النبي، مواطنة من الجنوب، بدأت توثّق التغيّرات في محيط منزلها بعد الحرب: شجرة زيتون يابسة، عريشة عنب ماتت فجأة، اختفاء أنواع من الحشرات والطيور. تقول إن التوثيق لم يكن بدافع الفضول، بل الخوف من أن يُقال لاحقًا إن “شيئًا لم يحدث”.

 التوثيق لم يكن بدافع الفضول، 
بل الخوف من أن يُقال لاحقًا إن شيئًا لم يحدث


بالنسبة للصحافي طارق مروة، يُشكّل هذا التوثيق الشعبي مادة أولية لا يمكن تجاهلها. يشير إلى أن البيئة في جنوب لبنان لم تكن ضحية جانبية، بل هدفًا مباشرًا: “حرائق واسعة، قنابل حارقة، اقتلاع أشجار، وتدمير سُبل عيش كاملة”. في تغطيته، لم يقتصر التوثيق على لحظة القصف، بل شمل ما تلاها: سرقة أشجار زيتون، تجريف أراضٍ زراعية، ومحاولات إعادة تشجير يقودها الأهالي كفعل مقاومة مضاد.

يقول مروة إن توثيق هذه الممارسات يُساهم في تفكيك سردية “الأضرار العرضية”، ويعيد تعريفها كجزء من استراتيجية تدمير بيئي ممنهجة.

الباحثون يقرأون ما لا يُرى
بموازاة التوثيق الشعبي والإعلامي، يعمل باحثون على تحويل هذه الشهادات إلى معرفة قابلة للتحليل. أحمد بيضون، طالب دكتوراه وباحث بيئي وصاحب منصة “الفوسفور الأبيض“، يوضح أن التوثيق لا يقتصر على الصور، بل يشمل دمجها مع صور الأقمار الصناعية والملاحظات الميدانية. ويشير إلى أن المجتمع المحلي يوثّق ما يلمسه مباشرة، بينما يسعى البحث العلمي إلى مقارنة هذه الشهادات مع بيانات زمنية ومكانية أوسع لرصد تغيّرات الغطاء النباتي والحرائق وآثارها طويلة الأمد.

من المختبر إلى الحقل: التربة كأرشيف
تُكمل لين ديراني، باحثة ضمن فريق علمي في الجامعة الأميركية في بيروت، تحت إشراف الدكتور رامي زريق، هذه الصورة من زاوية منهجية، مشيرةً إلى أن الفريق وضع منذ البداية خطة علمية لتوثيق التغيّرات البيئية، انطلقت من التربة بوصفها نقطة مركزية. وتحدّثت عن جمع عينات من أراضٍ متضرّرة، وتوثيق المواقع والإحداثيات، بالتعاون مع العائلات والطلاب وأفراد من القرى، ضمن إطار “علم المواطن”.

تقول ديراني: “إن مراجعة الدراسات السابقة حول الحروب قادت الفريق إلى التركيز على المعادن الثقيلة في التربة، لما لها من علاقة مباشرة بالغذاء والمزروعات المستقبلية”.
كما رُصدت تغيّرات في الغطاء النباتي عبر صور أولية، ولا سيما الحرائق الناتجة عن استخدام الفوسفور الأبيض، التي أظهرت فحوصات التربة أنها غالبًا حروق سطحية. بالنسبة لها، يحمل هذا التوثيق بُعدين متلازمين: علمي يقدّم إجابات دقيقة، ووجداني يرتبط بالذاكرة الجماعية وقلق الناس على أرضهم ومستقبلهم.

ما لا يُوثَّق يُمحى، وما يُمحى يُعاد تكراره


من جهته، يشرح المهندس الزراعي عادل غندور كيف تحوّل التوثيق إلى ممارسة يومية مع المزارعين. يجمع صورًا وفيديوهات، يشارك في أخذ عينات تربة، ويتواصل مع مختبرات لتحليلها. هدفه الأساسي هو مساعدة المزارعين على معرفة ما إذا كانت أراضيهم آمنة للزراعة، وفي الوقت نفسه تثبيت أثر الحرب علميًا.

يضيف غندور أن فقدان جزء من هذا الأرشيف، بسبب تلف هاتف أو ضياع ملف، يُذكّر بهشاشة الذاكرة الرقمية، ويُعزّز الحاجة إلى بناء أرشفة جماعية لا تعتمد على فرد واحد أو جهاز واحد.

الفئات غير المرئية في قلب القصة
ما يجمع هذه الأصوات المتنوّعة هو انتماؤها إلى فئات غالبًا ما تُهمَّش في السرديات الكبرى: مزارعون، عناصر دفاع مدني، مواطنون عاديون، وباحثون يعملون خلف الكواليس. هؤلاء لا يملكون منصات رسمية، لكنهم يملكون معرفة دقيقة بالمكان. الأرض بالنسبة لهم ليست مجرّد مساحة، بل تاريخ وعلاقة يومية، ما يجعل أي تغيير فيها حدثًا وجوديًا.

في جنوب لبنان، حيث تكرّرت الحروب، تحوّل النسيان إلى خطرٍ موازٍ للدمار. ما لا يُوثَّق يُمحى، وما يُمحى يُعاد تكراره. من هنا، يصبح التوثيق البيئي فعلًا سياسيًا بامتياز، حتى وإن لم يُسمَّ كذلك. هو محاولة لتثبيت الذاكرة في وجه الإنكار، ولمنح الأرض صوتًا حين تعجز السياسة عن ذلك.

تُظهر التجربة اللبنانية أن الأرض تحتفظ بآثار الحرب حتى بعد توقّفها: في التربة، في الأشجار، في الغابات المحترقة، وفي سُبل العيش المدمّرة. وبين هاتف مدني، وكاميرا صحافي، وعيّنة تربة، وشهادة دفاع مدني، يتشكّل أرشيف غير رسمي، لكنه عنيد. أرشيف لا يطالب بالشفقة، بل بالاعتراف: بأن ما حدث هنا لم يكن عابرًا، وأن الأرض (كما أهلها) تتذكّر.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x