حين مات جنيني ولم أعرف

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
27/09/202611:41 م

دخلتُ إلى عيادة طبيبتي بأسئلة عن حملي، وخرجتُ منها وأنا أعرف أن جنيني مات قبل أسابيع.

لا أعرف كيف يمكن أن يبدو خبر موت جنين طبيعيًا في جملة، لا توجد طريقة سهلة لسماع كلمات كهذه، خصوصًا عندما تدخلين إلى عيادة الطبيبة وأنت تفكرين في حملك، ثم تكتشفين خلال دقائق أن عليك أن تختاري كيف ستجهضينه من خلال حبوب أدوية أو إجراء عملية جراحية.

دخلتُ إلى موعدي وأنا أحمل أسئلة أعددتها مسبقًا، وهي أسئلة شائعة تسألها كل أم. كنتُ أريد أن أعرف كيف يتطور حملي، وأن أطمئن على سلامة جنيني. كنتُ أتعامل مع الموعد باعتباره محطة أخرى في حمل يمضي إلى الأمام، ثم نظرت الطبيبة إلى شاشة التصوير وأخبرتني أن الحمل لم يعد يتطور، وأنها لا ترى نبضًا.

في البداية، لم أستوعب الجملة، كنتُ لا أزال في المكان نفسه الذي دخلته قبل دقائق، لكن كل شيء تغيّر. لم أعد أفكر في الأسئلة التي حضرتُ بها، ولا في الأسابيع المقبلة، بل أحاول فقط أن أفهم ما تعنيه كلمات الطبيبة: جنيني مات.

عندما اكتشفتُ ذلك، كنتُ قد وصلتُ إلى الأسبوع الثاني عشر، بينما كان نبضه متوقفًا منذ الأسبوع السادس.

ثم جاءت المعلومة الأكثر قسوة: لم يمت في ذلك اليوم، بل كان قد توقف عن النمو منذ نحو ستة أسابيع. لم أستطع أن أستوعب الخبر فورًا، وشعرت بصدمة وارتباك، وكأنني انتقلتُ في دقائق من انتظار بقية حملي إلى محاولة فهم كيف انتهى كل شيء بهذه السرعة. لم أعرف ماذا أقول أو ماذا أفعل، وكان كل ما أريده في تلك اللحظة هو أن أستوعب ما سمعته.

لم أكن مستعدة لهذا الحمل، لكنني تقبلته

لم يكن الحمل مخططًا له، وجاء في وقت لم أكن فيه مستعدة للبدء من جديد، فضلاً عن الشعور بالارتباك والخوف من المسؤوليات الجديدة التي تنتظرني.

لكنني مع الوقت تقبّلتُ الفكرة؛ إذ لم يعد الحمل خبرًا مفاجئًا لي، بل حياة تنمو بداخلي ومسؤولية بدأتُ أفسح لها مكانًا في قلبي.

الإجهاض الفائت، حالة يتوقف فيها الحمل عن التطور من دون أن ندرك ذلك بالضرورة

أصبح المستقبل يعني لي حياة أتخيلها معه، بيتًا أحتضنه فيه، وأشاركه تفاصيله الأولى، وأتعلم منه كما أعلّمه، أصبح وجودًا تعلّقت به، ومستقبلًا بدأت أتمسّك به قبل أن أراه، أحببته قبل أن أحمله بين ذراعي.

لذلك يصعب عليّ أن أقول إنني فقدتُ حملًا لم أكن أريده. هذه ليست الطريقة التي انتهت بها قصتي؛ فقد فقدتُ جنينًا كنتُ قد بدأتُ أتعلق به، حتى وإن لم أكن قد خططتُ لوجوده في البداية.

حين يقول الطب “فقد حمل”، ماذا تسمع المرأة؟

من الناحية الطبية، ما حدث معي يُعرف باسم “الإجهاض الفائت”، وهو حالة يتوقف فيها الحمل عن التطور من دون أن ندرك ذلك بالضرورة. وقد لا تظهر أعراض واضحة، لذلك يُكتشف الأمر أحيانًا خلال فحص بالموجات فوق الصوتية. ويُعد فقد الحمل المبكر شائعًا نسبيًا؛ إذ تشير الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد إلى أنه يحدث في نحو 10% من حالات الحمل المعروفة سريريًا.

لكنني عندما سمعتُ كلمة “فقد الحمل”، لم أفكر في الإحصاءات؛ بل فكرتُ في الأسابيع الستة التي لم أعرف خلالها أن جنيني قد مات، وأنني كنتُ أعيش وأخطط وأعتاد فكرة وجوده بينما كان جسدي يحمل جنينًا لم يعد حيًا.

هناك فرق بين أن يقرأ الطبيب/ة نتيجة عن الشاشة، وبين أن تدرك المرأة أن هذه النتيجة تعني أن الجنين الذي كانت تتحدث عنه قبل دقائق لم يعد جزءًا من المستقبل الذي تخيلته.

اليوم أُجريت لي العملية

أُجريت العملية، وانتهى الأمر طبيًا خلال وقت قصير: فحص، وتشخيص، ومستشفى، ثم إجراء أعود بعده إلى المنزل. لكن استيعاب ما حدث لا ينتهي بالسرعة نفسها.

تشير الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد إلى أنّ فقد الحمل قد يكون تجربة صادمة، وأنّ مشاعر الحزن والقلق والضيق النفسي قد تكون شديدة، كما أنّ التعافي العاطفي قد يستغرق وقتًا أطول من التعافي الجسدي. 

يلخص ذلك شعوري الآن؛ فأنا حزينة، ولا أملك إجابة عن المدة التي أحتاج إليها حتى أكون بخير. كل ما أعرفه أن العملية أنهت الحمل من الناحية الطبية، لكنها لم تُنهِ مشاعري تجاهه.

الإجهاض ليس دائمًا قصة يمكن روايتها بسهولة

قد تمرّ المرأة بهذه التجربة من دون أن تعرف كيف تصف ما يحدث داخلها. قد تخجل من الحديث عن الإجهاض لأنها قد تشعر بأن عليها أن تبرّر حزنها، أو تخشى أن ينظر الآخرون إلى الأمر على أنه “مجرد حمل في بدايته” لا يستحق كل هذا الألم، وقد تشعر أيضًا بالذنب، وتتساءل إن كانت فعلت شيئًا تسبب في فقده، فتفضّل الصمت بدل أن تدخل نفسها في أسئلة أو أحكام لا تعرف كيف تواجهها.

 إن النشاط البدني المعتاد، والعمل، والتوتر، والمشاجرات لا تسبب عادةً الإجهاض، بل إن نحو نصف حالات فقد الحمل المبكر ترتبط باضطرابات كروموسومية في الجنين

وربما تكون المرأة لم تكن تريد الحمل في البداية، ثم تفقده بعد أن تكون قد تقبلته؛ عندها قد تشعر بأنها مطالبة بتبرير حزنها: فهل تقول إنها لم تكن مستعدة؟ أم تخشى أن يجعل ذلك ألمها أقل أهمية في نظر الآخرين؟

ولأنني لم أخطط لهذا الحمل، وجدتُ نفسي بعد فقده أمام نوع آخر من الحيرة: كيف سأشرح حزني للآخرين؟ كنتُ أخشى أن تُختصر قصتي في بدايتها فقط، فيُقال إنني لم أكن أريده أصلًا، وكأن ذلك يلغي ما شعرتُ به لاحقًا. لكنني اكتشفتُ أن الإنسان لا يعيش مشاعره بهذا الترتيب المنطقي، فلا يمكن لموقف سابق أن يلغي ما جاء بعده. وما أوجعني لم يكن حاجتي إلى إثبات أنني أردتُ هذا الحمل، بل شعوري بأنني مضطرة أصلًا إلى إثبات أن فقده يؤلمني!

بقي في داخلي شيء من الشعور بالذنب، ليس لأنني فعلتُ شيئًا، بل لأنني تذكرتُ ارتباكي الأول كلما اشتد حزني، وكأنني كنتُ أبحث بعد الفقد عن موقف قديم أحمّله مسؤولية ما حدث. احتجتُ إلى وقت لأفهم أن الإنسان لا يُحاسَب على مشاعر لم يختارها، وأن الخوف من تغيير كبير لا يعني الرغبة في زواله؛ إذ كان عليّ أن أتصالح مع المرأة التي كنتُها في بداية الحمل، بدلًا من أن أحاكم نفسي اليوم بسبب مشاعر تلك الفترة.

فأنا لم أختر الظروف التي جاء فيها الحمل، لكنني اخترتُ أن أتعامل مع وجوده وأن أفسح له مكانًا في حياتي.

من حق المرأة أن تخاف وأن تتردد وأن تغيّر رأيها، ثم أن تحزن عندما تخسر شيئًا أصبحت مستعدة لوجوده. هذه المشاعر المتناقضة لا تجعلها شريرة، بل تجعلها إنسانة.

وهذا ما يبرر تقرير منظمة الصحة العالمية الذي يشير إلى أن فقد الحمل لا يزال محاطًا بالوصمة والصمت في مجتمعات كثيرة، وأن النساء قد يعانين العزلة والعار والشعور بالذنب، إلى جانب الحزن نفسه.

ماذا لو كانت المرأة تظن أنها السبب؟

بعد فقد الحمل، قد تبدأ أسئلة كثيرة: ماذا فعلت؟ هل كان يجب أن أنتبه أكثر؟ هل أخطأت في شيء؟

لم أخطط لهذا الحمل، لكنني تقبلتُه، ومع الوقت أصبح جزءًا من حياتي ومن تصوري للمستقبل، لذلك لم يكن فقده فقدانًا لشيء لم أرده، بل فقدانًا لشيء كنتُ قد بدأتُ أريده بطريقتي الخاصة.

قد تبدأ المشاعر بالارتباك والخوف، ثم تتحول إلى تعلق حقيقي، وقد لا تدرك المرأة حجم هذا التعلق إلا عندما يُطلب منها فجأة أن تتعامل مع نهايته.

لا أعرف متى سأكون بخير، لكنني أعرف أن حزني حقيقي، حتى لو لم أكن مستعدة للحمل منذ البداية.

في معظم حالات فقد الحمل المبكر، لا تكون المرأة هي السبب. توضح الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد أن النشاط البدني المعتاد، والعمل، والتوتر، والمشاجرات لا تسبب عادةً الإجهاض، وأن نحو نصف حالات فقد الحمل المبكر ترتبط باضطرابات كروموسومية في الجنين.

لا تجعل هذه المعلومات الفقد أقل ألمًا، لكنها مهمة حتى لا يتحول الحزن إلى شعور بالذنب أو محاكمة للذات. أحيانًا تبحث المرأة عن سبب لأنها تريد أن تصدق أن هناك شيئًا كان يمكنها التحكم فيه، لكن بعض الأحداث تقع خارج قدرتنا على التحكم، مهما حاولنا تفسيرها.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x