ندى العجوز: الفن أوسع من أن يكون فقط فن قضية 

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
05/11/20267:40 م

“يُنفذ هذا المشروع بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق، بالشراكة مع أوكسفام، وإيكو إلكتريك، وميغافون، وبتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي.” 

في زمنٍ يُطالَب فيه الفن بصورة مستمرة بأن يكون معبّراً عن قضايا كبرى ومواقف سياسية أو اجتماعية صارخة، تختار الفنانة التشكيلية السورية ندى العجوز مساراً مختلفاً؛ مساراً يرى أن الفن ليس بالضرورة أن يكون محمّلاً بحجم قضية أو شعارات مباشرة. تتجه “العجوز” نحو الاحتفاء باللحظات اليومية البسيطة والطقوس العادية التي نغفل عنها وسط الزحام والتغيرات القاسية. وفي هذا الحوار الشفاف، تتحدث عن بداياتها الشغوفة بالرسم، والقرار الذي قادها إلى كلية الفنون الجميلة، ورؤيتها الفنية للواقع والحياة والجسد بعيداً عن الاستهلاك الفني الملتزم بقضية.

البدايات والشغف: التعبير الحُر بعيداً عن الأحكام والشعارات

هل يمكنكِ التحدث عموماً عن تجاربك الفنية، وكيف اكتشفتِ شغفك بالرسم؟

في الحقيقة، لا توجد قصة محددة أو نقطة تحول مفصلية؛ فأنا أرسم منذ أبعد نقطة تتسع لها ذاكرتي. لم يكن الرسم بالنسبة إليّ في البداية خياراً دراسياً أو مهنياً مُخططاً له، بل كان ممارسة يومية أشبه بتدوين مذكرات أعود إليها حين أشعر بالحنين إلى الماضي.

"النجاح الحقيقي يتحقق عندما يعمل الإنسان في المجال الذي يحبه."

كيف اتخذتِ قرار الالتحاق بكلية الفنون الجميلة؟

يعود الفضل في إقناعي إلى أحد أقربائي؛ إذ أرشدني إلى أن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يعمل الإنسان في المجال الذي يحبه. اقتنعت بحديثه، وبناءً على ذلك قررت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة.

إلى أي مدى ترين أنه من الصعب في مجتمعنا اليوم أن يُنصح الشباب باتباع شغفهم، في حين يتجه الأغلب إلى تشجيعهم على اختيار المجالات ذات المردود المالي؟

يعتمد الأمر على من يقدّمون النصيحة وتجاربهم الخاصة. قريبي، مثلاً، كان حاصلاً على درجة الدكتوراه من جامعة مرموقة، لكنه كان يرى أن شغفه الحقيقي واهتمامه ينصبّان على الأدب واللغة العربية، وأن شهادته لم تكن أساسية بالنسبة إليه وإنما شغفه في هذا المجال. جاءت نصيحته من ذلك المنطلق الصادق، وأخذت بها.

ما بين اللحظات،إعادة تصوّر ساعات هادئة

البحث عن الهوية الفنية: الاحتفاء بالتفاصيل دون فرض فكرة مسبقة

ماذا عن لوحاتك الأولى؟ عمّا كانت تعبر؟

في البدايات وفي مرحلة الدراسة، يكون الطالب في حالة تجريب دائم، إذ لم تتشكل لديه هوية فنية محددة بعد. كنت أعمل لمجرد التجريب و اكتشاف خامات و أساليب مختلفة وليس للتعبير عن موضوع ثابت، ثم أحاول إسقاط موضوع فنّي على العمل بعد اكتماله. لكن بعد التخرج، بدأت الملامح الحقيقية لأسلوبي بالتبلور، وأصبح التوجه والمسار أكثر وضوحاً ونضجاً.

ما الأفكار التي بدأتِ بمناقشتها في أعمالك بعد التخرج؟

وجدت أن تركيزي كان بشكل أساسي على “توثيق الحياة اليومية”. كنت مهتمة جداً بهذا الأمر، واعتمدت على التجربة المستمرة في دراستي للعمل من دون وضع تصور مسبق للشكل النهائي للوحة.

أشعر بأن هناك جانب مفقود من جيلنا الشاب، وهي التقدير والاهتمام بالتفاصيل اليومية والمسرّات البسيطة. أرى أننا جيل مشتت ومدفوع  بكل ما يدور حوله من أحداث قاسية؛ وُلدنا وعشنا في ظروف تحفل بالحروب والدمار . هذا التأقلم القسري جعلنا نغفل عن تفاصيل جميلة كلقاء الأصدقاء وإمضاء الوقت معهم والطقوس الصغيرة التي لا ندرك قيمتها إلا بعد فواتها. لذا، كانت محاولتي تتلخص في إعادة التقاط هذه الطقوس اليومية ومنحها مساحتها.

من الوجوه إلى حركة الجسد: فلسفة الاختزال والتعبير

كيف تجسّد ذلك في لوحاتك؟ وما أدواتك التعبيرية من ألوان وشخصيات؟

في البداية، كنت أركز بشكل كبير على رسم الوجوه والأيدي. لكن مع الوقت، شعرت بأن الوجوه لم تعد ضرورية؛ فالعالم اليوم يتعامل مع الأفراد كأرقام، مجرّد أرقام لا أكثر. إضافة إلى أنني وجدت أن ملامح الوجه تجذب النظر بسهولة وتستحوذ على اهتمام المشاهد على حساب باقي عناصر اللوحة.

"تكوينات الأعمال أعمق من ملامح الوجه الظاهرية القابلة للتصنّع و التحييد ."

أجد نفسي منجذبة إلى حركة الجسد وإيماءاته؛ فتكوينات الأعمال وحركة الأيدي -مثلاً- أعمق من ملامح الوجه الظاهرية القابلة للتصنّع و التحييد. الحركة تدل على معايشة اللحظة وطبيعتها دون الاستغراق في تقديم انفعالات مباشرة.

زوايا في المرسم

الفن كحق في التدوين الحر: عادية الحياة بدلاً من صخب قضاياها

تأخذنا ندى العجوز في تجربتها إلى أهمية حرية الفن الكاملة في اختيار موضوعاته؛ إذ لا يُطلب دائماً أن تحمل كلّ لوحة قضية كبرى أو شعارات مأساوية. تؤكد رؤية “العجوز” أنه لا يقتضي أن يقترن الفن بقضية إنسانية سامية ليكتسب قيمته، بل إن استعادة تصور الحنين إلى الحياة اليومية في تفاصيلها المبسطة هو بحد ذاته فعل مقاومة وإصرار على التشبث بالحياة في أوقات الأزمات بعيداً عن صخب الحروب والواقع الأليم.

ما بين اللحظات،قهوة الصباح في الخارج

وفي ضوء هذا التوجه، يواجه الفنانون والفنانات اليوم تحدياً حقيقياً يتمثل في الضغوط الاجتماعية والمطالبات المستمرة بالانحياز السياسي أو الاجتماعي الصارخ. إن خيار الابتعاد عن الفن المشحون بالقضايا الثقيلة والتركيز على التفاصيل اليومية العادية غالباً ما يُقابل بنوع من اللوم أو التشكيك، وكأن التدوين الحر للحياة البسيطة يترافق مع الشعور بالذنب، رغم كونه حقاً أصيلاً للفنان/ة في التعبير عمّا يلمسه ويحسّه بعيداً عن أثقال الالتزام الإجباري.

“تم إعداد هذا التقرير بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية الكاملة عن محتواها على عاتق صلة وصل ولا يجوز بأي حال من الأحوال اعتبارها معبرة عن موقف الاتحاد الأوروبي.” 

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x