بعد أيام قليلة من نشر مقابلة أجرتها مع امرأة نازحة من بلدة الخرايب الجنوبية، تلقت ريان عبد النبي المراسلة في قناة العراقية الإخبارية خبراً لم تكن تتوقعه. كانت المراسلة قد التقت المرأة داخل مركز الإيواء في المدينة الرياضية في بيروت، حيث تحدثت أمام الكاميرا عن النقص في المياه وسوء النظافة وغياب الخدمات الأساسية. لم تكن المقابلة مختلفة عن عشرات القصص التي نقلتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تتنقل يومياً بين مراكز الإيواء لتوثيق أوضاع العائلات النازحة وإيصال أصواتها إلى الرأي العام.
انتشر الفيديو سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل إلى مادة واسعة التداول. بالنسبة لعبد النبي:”كان الهدف واضحاً: تسليط الضوء على معاناة النازحين/ات أملاً في أن يدفع ذلك الجهات المعنية إلى التدخل وتحسين الظروف داخل المركز. لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً تماماً. بعد يومين فقط، علمتُ أن المرأة تعرضت للطرد من مركز الإيواء عقب انتشار الفيديو”.
"كان الهدف واضحاً تسليط الضوء على معاناة النازحين/ات"
تقول عبد النبي إن هذه الحادثة كانت من أكثر التجارب التي تركت أثراً في مسيرتها المهنية. فبدلاً من أن يسهم التقرير في تحسين ظروف المرأة، انتهى الأمر بزيادة معاناتها. ومنذ ذلك الوقت، باتت تنظر إلى المقابلات الإنسانية من زاوية مختلفة، لا تقتصر على أهمية القصة أو ضرورتها الصحافية، بل تمتد إلى التفكير في التداعيات المحتملة على الأشخاص الذين يوافقون على الحديث أمام الكاميرا.
خلال الحرب، وجد الصحافيون/ات أنفسهم أمام مشهد معقد. فمن جهة، كان هناك واجب مهني يفرض نقل ما يجري داخل مراكز الإيواء وإيصال أصوات المتضررين، ومن جهة أخرى كانت هناك مسؤولية أخلاقية تجاه أشخاص يعيشون لحظات استثنائية من الخسارة والخوف وعدم اليقين. وبين هذين الاعتبارين، برزت أسئلة جديدة حول حدود التغطية الصحافية وأخلاقيات التعامل مع الفئات الأكثر هشاشة.

بين الحاجة إلى التوثيق واحترام الرفض
لم تكن حادثة النازحة من الخرايب الحالة الوحيدة التي دفعت عبد النبي إلى إعادة التفكير في علاقتها بالكاميرا والأشخاص الذين تقابلهم. ففي أحد مراكز الإيواء في بلدة بنعفول الجنوبية، التقت بعائلة نازحة تضم شابين من ذوي الإعاقة السمعية. كانت ترى في قصتهما نموذجاً لمعاناة مضاعفة تستحق أن تُروى، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي كانت تعيشها العائلة.
لكن أحد الشابين رفض الظهور أمام الكاميرا أو التحدث للإعلام. تقول عبد النبي إنها كانت مقتنعة بأن نقل قصته قد يساهم في إيصال احتياجاته وربما تحسين ظروفه، إلا أن رغبتها المهنية اصطدمت برغبته الشخصية في عدم الظهور. وفي النهاية، اختارت احترام قراره، مكتفية بنقل جزء من واقع العائلة من خلال أفراد آخرين.
توضح أن هذا النوع من المواقف يتكرر باستمرار خلال التغطيات الميدانية، خصوصاً داخل مراكز الإيواء. فكثير من الأشخاص يكونون مستعدين للحديث مع الصحافيين/ات بعيداً عن الكاميرا، لكنهم يترددون عندما يتعلق الأمر بالظهور العلني أو نشر تفاصيل حياتهم الشخصية.
"كثير من الأشخاص يكونون مستعدين للحديث مع الصحافيين/ات بعيداً عن الكاميرا"
وتستعيد تجربة أخرى خلال إعداد تقرير عن النساء الحوامل والأمهات حديثات الولادة داخل مراكز الإيواء. فبعض النساء كنّ يتحدثن عن التحديات التي يوجهنها في ما يتعلق بالرعاية الصحية أو الظروف المعيشية، لكنهن رفضن مشاركة هذه التفاصيل أمام الكاميرا. كما فضّلت أخريات عدم إظهار أطفالهن أو الكشف عن هوياتهم. وفي كل مرة، كان على الصحافية أن تبحث عن طريقة تتيح نقل الواقع من دون تجاوز الحدود التي يضعها أصحاب القصة لأنفسهم.

الزاوية التي نختارها تقول من نحن
بالنسبة إلى الصحافية المستقلة فاطمة البسام، لا تبدأ المسألة عند حدود الموافقة على التصوير أو رفضه، بل ترتبط بفهم أعمق لدور العاملين/ات في الصحافة. وترى أن العمل الصحافي يعكس شخصية من يمارسه والقيم التي يحملها، وأن الطريقة التي تُروى بها القصص الإنسانية تكشف الكثير عن نظرة الصحافي/ة إلى الناس وإلى المهنة.
تقول البسام إن أي قصة يمكن تناولها من عشرات الزوايا المختلفة، وإن الصحافي/ة هو من يختار في النهاية أي زاوية سيعتمد. وفي حالات النزوح والحرب، يصبح هذا الاختيار أكثر حساسية، لأن الأشخاص الذين يظهرون في التغطيات لا يكونون مجرد مصادر للمعلومات، بل أفراداً يعيشون ظروفاً قاسية ويملكون كرامة وخصوصية ينبغي احترامها .
وتوضح أنها تحرص دائماً على اختيار المقاربة التي تسمح بإيصال الرسالة من دون التسبب بإحراج للأشخاص أو تعرضهم لأذى إضافي. فالغرض من التغطية، بالنسبة إليها، لا ينبغي أن يكون إنتاج مادة مؤثرة فحسب، بل تقديم قصة تحترم أصحابها وتحفظ إنسانيتهم.
وتلفت إلى أن المشكلة لا تنتهي عند لحظة نشر التقرير. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، قد تتحول المقابلات والصور إلى مادة للتنمر أو السخرية أو إصدار الأحكام، ما يضيف عبئاً جديداً على أشخاص يعيشون أصلاً آثار الحرب والنزوح. لذلك ترى أن على الصحافي/ة أن يفكر مسبقاً في الأثر الذي قد يتركه المحتوى بعد نشره، لا في لحظة إنتاجه فقط.
ومن بين أكثر القضايا حساسية، تشير البسام إلى التعامل مع الأطفال خلال التغطيات الإعلامية. فتصوير الأطفال أو إجراء مقابلات معهم من دون موافقة ذويهم، أو دفعهم إلى استعادة تجارب مؤلمة عاشوها، يثير أسئلة أخلاقية لا يمكن تجاهلها. وتعتبر أن الطفل/ة ليس مادة صحافية، بل شخص يحتاج إلى حماية مضاعفة في ظروف الحرب والأزمات.
"تعتبر أن الطفل/ة ليس مادة صحافية بل شخص يحتاج إلى حماية مضاعفة في ظروف الحرب والأزمات"
وتضيف أن الصحافي/ة يستطيع اختبار قراراته المهنية من خلال سؤال بسيط: هل سأقبل أن يتم التعامل معي أو مع أحد أفراد عائلتي بالطريقة نفسها لو كنت أنا في هذا الموقف؟ بالنسبة إليها، يشكل هذا السؤال معياراً أساسياً قبل التقاط صورة أو طرح سؤال أو نشر قصة إنسانية.

دليل وُلد من قلب الحرب
مع اتساع النقاش حول أخلاقيات التغطية الإعلامية خلال الحرب، بدأت تظهر الحاجة إلى مرجعية مهنية تساعد الصحفيين/ات على التعامل مع هذه التحديات. هنا تشير الصحافية وعضو الهيئة الإدارية في اتحاد الصحافيين/ات في لبنان، صفاء عيّاد، إلى أن الاعتراضات على تصوير النازحين وإجراء المقابلات معهم تزايدت منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، سواء داخل مراكز الإيواء أو خلال لحظات النزوح في الطرقات والأماكن العامة.
"الاعتراضات على تصوير النازحين وإجراء المقابلات معهم تزايدت منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان"
وتوضح أن هذه الملاحظات دفعت إلى إعداد دليل إرشادي للصحافيين والصحافيات خلال تغطية الحروب والنزوح، بالتعاون بين اتحاد الصحافيين/ات في لبنان ونقابة الأخصائيين الاجتماعيين، وبمشاركة وزارة الشؤون الاجتماعية.
لم يأتِ الدليل من فراغ، بل استند إلى تجارب عاشها الصحافيون أنفسهم خلال تغطية الحرب، وإلى إشكاليات تكررت في الميدان، حيث وجد كثيرون أنفسهم أمام صعوبة الموازنة بين واجبهم المهني في نقل الوقائع وبين احترام خصوصية الأشخاص المتضررين وكرامتهم.
وتشير عيّاد إلى أن الدليل يدعو الصحافيين إلى تقييم الحالة النفسية والاجتماعية للأشخاص قبل إجراء المقابلات أو التصوير، واختيار الوقت والمكان المناسبين للتواصل معهم، خصوصاً عندما يكونون في حالة صدمة أو توتر أو حزن شديد.
"الدليل يدعو الصحافيين إلى تقييم الحالة النفسية والاجتماعية للأشخاص قبل إجراء المقابلات أو التصوير"
كما يشدد على ضرورة الحصول على موافقة حرة وواعية ومسبقة من الأشخاص بعد شرح هدف المقابلة وكيفية استخدام المادة الإعلامية، مع التأكيد على حقهم الكامل في رفض المشاركة أو الانسحاب في أي وقت من دون أي ضغط أو إحراج.
ومن بين المبادئ التي يتضمنها الدليل، تجنب الأسئلة أو الصور التي قد تستغل معاناة الأشخاص أو تعيد إنتاج الصدمة التي عاشوها، إضافة إلى حماية الخصوصية والهوية عند الحاجة، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، واعتماد لغة إعلامية تحترم الكرامة الإنسانية وتبتعد عن الوصم والأحكام المسبقة.
ويلفت الدليل بشكل خاص إلى الأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة في حالات الحرب والنزوح، داعياً إلى عدم إجراء مقابلات معهم أو كشف هوياتهم إلا في الحالات الضرورية التي تقتضيها المصلحة الفضلى للطفل وبما يضمن سلامته.
وتوضح عيّاد أن الدليل لا يوزع على الصحافيين والصحافيات فقط، بل يُعتمد أيضاً داخل مراكز الإيواء، بهدف تعزيز فهم العاملين فيها والمصورين والصحافيين للمبادئ التي تحكم التغطية المهنية والأخلاقية في أوقات الحروب.
خلال الحروب، تصبح الكاميرا شاهداً على الخسارات اليومية التي يعيشها الناس. لكنها، في الوقت نفسه، قادرة على أن تتحول إلى مصدر ضغط إضافي إذا لم تُستخدم بحساسية ومسؤولية. وبين الحاجة إلى توثيق الواقع وإيصال أصوات المتضررين، وبين واجب حماية الأشخاص الذين يعيشون هذا الواقع، تتشكل يومياً معادلات معقدة لا توجد لها إجابات سهلة.
بالنسبة إلى ريان عبد النبي، ما زالت قصة المرأة النازحة من الخرايب حاضرة في ذاكرتها كلما أمسكت بالكاميرا. أما بالنسبة إلى فاطمة البسام، فإن طريقة رواية القصة لا تقل أهمية عن القصة نفسها. وفيما تحاول المؤسسات المهنية اليوم وضع معايير أكثر وضوحاً للتغطية، يبقى السؤال الذي يرافق كل مقابلة وصورة وشهادة: كيف يمكن نقل الحقيقة كاملة من دون أن يدفع أصحابها ثمناً إضافياً؟













