مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

حكاية بلدة تتحوّل إلى مكبّ.. مَن يُنقذ مجدليا؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
26/05/20269:11 م

ربما هو أكثر ما يتغنى به الشمال؛ ففي طرابلس، المنية، الضنية، الكورة، وزغرتا، تكثر أشجار الزيتون وتُعمّر. وفي مواسمه، يهلّ الفرح ويُعايد الناس بعضهم بعضاً مرددين: “كل موسم وأنتم بخير”. تعلّق الناس بالزيتون والأرض ها هنا ليس تفصيلاً، لذا تتعمق الأسئلة حينما تمرّ بأرض شاسعة من الزيتون تحيط بها النفايات المرمية على حافة الطريق، وتهدد عصارتها التربة والمياه الجوفية والزرع.

فليست المشكلة في النفايات الظاهرة المرئية للجميع فقط، بل في عصارتها أيضاً؛ ذلك السائل المملوء بالملوثات الخطرة يختلط بمياه الأمطار ويتسرب إلى المياه الجوفية ومنها إلى التربة. فتسرب عصارة النفايات إلى طبقات الأرض يلوث مياه الآبار، التي تعتبر مصدراً أساسياً لمياه الشرب من جهة، ولمياه الري من جهة أخرى.

بمجرد اختلاط عصارة النفايات بالتربة، فإن النتيجة الحتمية هي الوصول إلى تربة مسمومة بسبب ارتفاع ملوحتها

 وبمجرد اختلاط عصارة النفايات بالتربة، فإن النتيجة الحتمية هي الوصول إلى تربة مسمومة بسبب ارتفاع ملوحتها، مما يخنق جذور أشجار الزيتون ويمنعها من امتصاص العناصر الغذائية الأساسية في التربة. كما أن التراكم المفرط لهذه العصارة في محيط الأشجار يضعف مناعتها، ويجعلها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الفطرية والحشرات، التي تتكاثر شيئاً فشيئاً في محيط انتشار النفايات.

أما عن آثار تلوث المياه الجوفية، فعصارة النفايات قد تشمل أحياناً تلوثاً برازياً، مما قد يؤدي إلى الإصابة بمشاكل صحية مختلفة، كالتهابات الكبد والكوليرا والتسمم، والأسوأ من ذلك أن هذه التأثيرات قد لا تظهر مباشرة، وقد تؤدي إلى إعاقات خلقية وأمراض خطيرة أخرى مثل متلازمة “الطفل الأزرق”.

كيف بدأت القصة؟

مجدليا واحدة من مداخل مدينة زغرتا، وإحدى نقاط الوصل الهامة نظراً لموقعها الاستراتيجي المحاذي لمدينة طرابلس؛ إذ تبعد عنها حوالي 6 كم، وهي جزء من اتحاد بلديات ساحل قضاء زغرتا. تعود تسميتها إلى جذور سريانية مشتقة من كلمة “مجدل”، والتي تعني القصر، الحصن، أو البرج.

على جانبي الطريق العام عند مدخل المدينة لجهة منطقة العيرونية، تنتشر النفايات بكثافة، إضافة إلى رائحة كريهة تغزو المكان؛ أكياس قمامة وبقايا حيوانية وبلاستيك مبعثرة في كل صوب. هذا الطريق الذي كانت تزينه أشجار الزيتون يميناً ويساراً، بات مشوهاً.

تظهر الصورة كمية كبيرة من النفايات المرمية على قارعة الطريق في بلدة مجدليا

القصة تعود إلى سنوات الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان؛ فمنذ العام 2020 بدأت تتكشف أزمات البلديات موازناتها، وبدأت تُلغى عقود كثيرة مع شركات لمّ وجمع النفايات في الأقضية والمحافظات. حينها، بدأ البعض بالتخلص من نفاياتهم عبر رميها في الوديان والأحراج أو على قارعة الطرق. ومن هنا، بدأت أزمة طريق عام مجدليا، أو ما يعرف بطريق “براد معوض”؛ طريق تمر عليه يومياً آلاف السيارات لأنه “يربط 4 أقضية بعضها ببعض: طرابلس والكورة والضنية وزغرتا”، بحسب رئيس بلدية مجدليا إتيان ليشع، وبالتالي فإن النفايات تتجمع بسبب إقدام بعض المارة على رميها هناك من نوافذ سياراتهم، خصوصاً أن الطريق سريع ولا تحيط به أية منازل أو بيوت.

القانون جزء من المشكلة

يشدد ليشع على أن بلدية مجدليا أزالت النفايات من على هذا الطريق مراراً وتكراراً، ولكنها كانت تُفاجأ بتجمعها من جديد وفي وقت سريع، ويقول: “لجأت البلدية إلى تركيب كاميرات مراقبة في المكان، وإلى رفع لافتة كُتب عليها إن الطريق مراقب وأنه يُمنع رمي النفايات، ولكن من دون طائل، وذلك بسبب القوانين المعمول بها”. ويضيف: “عندما ترصد كاميرا المراقبة سيارة وقد رمت أكياس نفايات على الطريق، يُطلب منا تزويد القائممقام بكل المعلومات المرتبطة بالسيارة، ثم يحول هو المخالفة إلى المحكمة المختصة، إذ ليس من صلاحيات البلدية تسطير محاضر الضبط بحق السيارات المخالفة ولا حتى جبايتها”.

 بلدية مجدليا أزالت النفايات من على هذا الطريق مراراً وتكراراً، ولكنها كانت تُفاجأ بتجمعها من جديد

بلدية مجدليا اصطدمت أكثر من مرة بعوائق كثيرة عند ملاحقتها سيارات رمت النفايات عند الطريق المذكور، منها اللوحات المزورة، والسيارات التي يقودها الناس من دون لوحات تعريفية أصلاً، مما جعل من مراقبة الطريق أمراً من دون جدوى. اليوم، وبحسب ليشع، تبحث البلدية في احتمال رفع النفايات المكدسة وزرع 300 شجرة صنوبر على حافة الطريق، وإحاطة الزرع بقالب من حديد لحمايتها من هجمات الغنم والماعز؛ فوفق ليشع: “إن أحد أسباب تبعثر النفايات على هذا الطريق بهذا الشكل وانتشار الروائح الكريهة يعود لمرور الرعيان وقطعان الماشية في المكان”.

مَن المسؤول؟

عدد كبير من أبناء مجدليا باتوا يتجنبون المرور على هذا الطريق. يقول سايد لـ”صلة وصل”، وهو أحد أبناء البلدة، إن “هذا الطريق بالنسبة إلينا لا يقع ضمن نطاق بلادتنا، يمكنكم أن تتجولوا في البلدة وتجوبوها حارة حارة، لن تجدوا إلا النظافة في كل زاوية، فما يحدث على الطريق السريع لا علاقة لنا به”. توافقه على كلامه زوجته وهي تساعده في توضيب بعض الأغراض داخل دكانهما: “مئة في المئة، ما يحدث على الطريق المذكور لا علاقة لنا به”، وتتابع: “أراضي الزيتون هذه هي رزقنا ومحاصيلنا، كيف يُعقل أن نلوّثها ونساهم في تسميمها؟”.

النفايات المرمية على الطريق تشكل خطراً داهماً على صحة أبناء المنطقة بسبب تأثيرها المباشر على الأراضي الزراعية؛ فهي تؤدي إلى تراكم السموم في النباتات، وبالتالي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وفقدان خصوبة التربة، مما يهدد الأمن الغذائي والصحة العامة.

وبحسب الخبير الدولي ومدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية، الدكتور جلال حلواني، فإن “المياه الملوثة تقتل البكتيريا النافعة في التربة، وهي ضرورية لتحويل المواد العضوية إلى عناصر غذائية، وغيابها يؤدي إلى تربة فقيرة وغير قادرة على دعم نمو النباتات، فالأراضي الملوثة تنتج محاصيل أقل جودة وكميات أقل”، مضيفاً لـ”صلة وصل”: “النباتات التي تُسقى بمياه ملوثة تمتص المواد الكيميائية (مثل المعادن الثقيلة والمبيدات)، مما يجعل الفاكهة والخخضار والزيتون، المعروف بأنه ملك السفرة اللبنانية، أقل جودة، وربما ضارّة بصحة الإنسان؛ لأن استهلاك محاصيل ملوثة بالمعادن الثقيلة أو المبيدات يؤدي إلى أمراض مزمنة”.

تظهر الصورة كميات النفايات المرمية بالقرب من بساتين الزيتون في البلدة

وحيل اختلاط المياه الجوفية مع عصارة النفايات، يشير حلواني إلى أن “هذا يُعتبر من أخطر أشكال التلوث البيئي؛ لأنه يهدد مباشرة مصادر مياه الشرب والري. فالعصارة تحتوي على معادن ثقيلة (مثل الرصاص والكادميوم)، ومواد عضوية متحللة، ومركبات كيميائية سامة؛ عند تسربها إلى باطن الأرض، تنتقل هذه المواد إلى طبقات المياه الجوفية، مما يؤدي إلى تلوث واسع الانتشار لأن المياه الجوفية عادةً ما تكون متصلة ببعضها، مما يعني أن التلوث لا يبقى محصوراً في مكان واحد بل ينتشر لمسافات بعيدة. 

وبمجرد وصول العصارة إلى المياه الجوفية، يصبح تنظيفها أو معالجتها شبه مستحيل، لأن المياه الجوفية لا يمكن الوصول إليها بسهولة مثل الأنهار أو البحيرات. وإذا كانت الآبار أو شبكات المياه في المنطقة تعتمد على المياه الجوفية، فإن التلوث ينتقل إلى مياه الشرب، مما يتسبب بظهور أمراض صحية خطيرة؛ لأن شرب مياه ملوثة بالعصارة قد يؤدي إلى أمراض الكلى، اضطرابات الجهاز العصبي، مشاكل في الكبد، وحتى أمراض سرطانية بسبب تراكم المعادن الثقيلة والمواد السامة”.

أما عن المحاصيل الزراعية، فيوضح أنه عندما تُسقى بمياه جوفية ملوثة بعصارة مكبات النفايات فهي تمتص المواد السامة، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري أو الحيواني، مضيفاً أن “العصارة تزيد من ملوحة التربة وتقتل الكائنات الدقيقة النافعة، مما يؤدي إلى فقدان خصوبتها”.

البلدية واعتراضات المجتمع المدني

المجتمع المدني في زغرتا تحرك إزاء هذا الملف أكثر من مرة، خصوصاً أنه كان بنداً أساسياً في برنامج عمل المجلس البلدي الجديد، وقد تذمر عدد كبير من المواطنين في المنطقة من استمرار الأمور على حالها. وعليه، يقول شهيد نكد، أحد أعضاء مجلس الظل البلدي، إن “نقاشات كثيرة تُجرى مع رئيس البلدية ورئيس اتحاد بلديات زغرتا بسام هيكل لإيجاد حل شامل لهذا الملف”، مشيراً إلى أن “الأزمة لا تتحمل مسؤوليتها بلدية مجدليا فقط، بل هي مسؤولية مشتركة مع البلديات المجاورة، وبالتالي فإن الحل يجب أن يكون مشتركاً وأن يساهم الجميع في إنجاحه لضمان بيئة نظيفة للجميع”.

أما عن الحلول، فيصرّ نكد على أنها “تشمل المتابعة مع الوزارات المعنية، كوزارة البيئة ووزارة الداخلية لفرض رسوم على المخالفين؛ إذ من غير المقبول أن تتحمل منطقة واحدة وزر أزمة النفايات كاملة وتدفع فاتورة الإهمال من صحة ناسها وجودة محاصيلها الزراعية”.

مجدليا وما تعيشه مثال على قضايا كثيرة تمسّ حق السكان في العيش ببيئة نظيفة وآمنة. فحين تُرمى النفايات عشوائياً على الطريق العام، وكأن البلدة تحولت إلى مكبّ صغير، يصبح الأهالي وحدهم مَن يدفع الثمن: هواءً ملوثاً، وروائح خانقة، ومشهداً يومياً يختصر حجم الإهمال وغياب المحاسبة. ما يستحقه أهالي مجدليا موازٍ تماماً لما يستحقه كل أبناء الشمال؛ بيئة عادلة ونظيفة، وألّا تتحمل منطقة أو جماعة تبعات الفوضى أكثر من غيرها، وأن تُصان كرامة الناس كما تُصان الطبيعة.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x