بين النزوح، والاكتظاظ، والخوف، والإنترنت الضعيف، يصبح التعليم عن بُعد خيارًا اضطراريًا، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن فجوة عميقة بين ما يُفترض أن يكون عليه التعلم، وما يعيشه الأطفال فعليًا.
أُمّ تتحوّل إلى “مدرسة كاملة”
تصف زهراء فقيه، وهي أم نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت، تجربتها مع التعليم الإلكتروني بأنها “عبء مضاعف” لا يقع على الأطفال وحدهم، بل على الأهل أيضًا. تقول إنها وجدت نفسها فجأة تقوم بأدوار متعددة في آن واحد: “صرت معلمة، وناظرة، وطباخة”، في ظل غياب البيئة المدرسية التي كانت تنظّم يوم الأطفال.
تشرح أن متابعة ثلاثة أطفال داخل المنزل، مع وجود عائلات أخرى في المساحة نفسها، ليست مهمة سهلة، فكل طفل يحتاج إلى مساحة خاصة وتركيز ومتابعة دقيقة، فيما الواقع مختلف تمامًا. ويشكّل ضعف الإنترنت عائقًا يوميًا، إذ غالبًا ما ينقطع الاتصال أو يتأخر، ما يؤدي إلى ضياع أجزاء من الدروس، خصوصًا الفيديوهات التعليمية.
كل طفل يحتاج إلى مساحة خاصة وتركيز ومتابعة دقيقة،
فيما الواقع مختلف تمامًا
وفي هذا السياق، تشير إلى أن شركة “تاتش” كانت قد بادرت سابقًا إلى شحن هواتف المستخدمين بحزمة 20 غيغابايت مخصّصة للبرامج التعليمية، إلا أن هذه الخدمة تبقى محدودة الاستفادة، إذ لا يمكن استخدامها خلال فترات العطل، كما أنها محصورة بمنصات تعليمية محددة، ولا تتيح البحث الحر أو تحميل الفيديوهات عبر تطبيقات مثل “واتساب”. وتضيف أنه خلال هذا الشهر، ومع تزامن الأعطال مع فترة الأعياد، أصبحت الاستفادة منها أقل فاعلية، رغم أنها تبقى خطوة إيجابية تسهم جزئيًا في تخفيف العبء عن العائلات في بعض الأوقات.
وتلفت إلى أن غياب الرقابة المدرسية يزيد من تعقيد الوضع، “لا امتحانات، ولا متابعة دقيقة، ولا صرامة كما في المدرسة”، ما ينعكس مباشرة على مستوى الانضباط والاستيعاب، الذي ترى أنه أقل بكثير في التعليم الإلكتروني. وتشير أيضًا إلى أن الخوف المستمر وأصوات القصف تؤثران على نفسية الأطفال، ما يجعل من الصعب فرض أي نوع من الالتزام الصارم. كما أن القلق وقلة النوم، نتيجة الاستيقاظ المتكرر خلال الليل، ينعكسان سلبًا على قدرتهم على التركيز صباحًا.
وترى فقيه أن المنهج الدراسي لن يُستكمل كما يجب، مشيرة إلى أن ما تم إنجازه لا يتجاوز نسبة محدودة مقارنة بالمطلوب، حتى مع تخفيف المدارس من متطلبات المنهج. وتضيف أن العطل المتكررة بسبب الحرب تزيد من الفجوة التعليمية، فيما يبقى خيار التعليم الحضوري، رغم توفره في بعض المناطق، مرفوضًا بالنسبة لها خوفًا على سلامة أطفالها أثناء التنقل.
تعليم بلا صف.. ولا تفاعل
من جهتها، تشير فاطمة زراقط، النازحة من حارة حريك، إلى أن نمط التعليم غير المتزامن يخلق تحديات إضافية، إذ تُرسل الدروس على شكل فيديوهات في أوقات غير ثابتة، “أحيانًا عند الساعة 11 صباحًا”، ويُطلب من التلاميذ مشاهدتها بأنفسهم.
توضح أن هذا الأسلوب يحتاج إلى اندفاع كبير من الطلاب، وإلى مراقبة دقيقة من الأهل، وهو أمر مرهق في ظل الظروف الحالية. وتضيف:”أن غياب التفاعل المباشر يجعل طرح الأسئلة محدودًا جدًا، “وغالبًا لا يسأل أحد”، ما ينعكس على مستوى الفهم والاستيعاب”.
كما تشير إلى أنها تبذل جهدًا مضاعفًا لمتابعة أطفالها، الذين يسرحون بسهولة وينسون ما شاهدوه، في ظل غياب الرقابة الصفية. ومع ذلك، ترى أن مرونة هذا النمط تُعد جانبًا إيجابيًا نسبيًا، إذ لا يفرض الالتزام الصارم بساعات الصباح، ما يخفف بعض الضغط اليومي، خصوصًا مع وجود أكثر من عائلة داخل المنزل نفسه، وما يرافق ذلك من ضوضاء واكتظاظ.
عشرة أطفال وصف واحد
تنقل ليلى عليق، النازحة من عيناتا الجنوبية إلى الحازمية، صورة أكثر تعقيدًا عن واقع التعليم داخل البيوت المكتظة. تقول: “تخيّلي أن هناك عشرة أولاد في المنزل، وكلهم يتابعون دروسهم أونلاين، فكيف يكون الوضع؟”.
توضح أنها اضطرت لتأمين سماعات للأطفال لمحاولة تخفيف الضوضاء، إلا أن التحديات لا تزال كبيرة، “لا أعرف إلى أي مدى يفهمون أو يستفيدون، فغالبًا لا يتمكنون من إنجاز فروضهم أو المشاركة مع الأستاذ، خاصة عندما يكون في الغرفة الواحدة أكثر من طفل”.
ورغم كل هذه الصعوبات، تشير إلى أنها تفضّل استمرار التعليم عن بُعد، ليس لأنه مثالي، بل لأنه يمنع الانقطاع الكامل، “المهم أن يظلوا ضمن جو الدراسة”، على حد تعبيرها، في انتظار انتهاء هذه الظروف.
الأولاد: بين الحنين والرفض
أما الأولاد أنفسهم، فيعيشون هذا الواقع كلٌّ بطريقته. فقد عبّر عدد منهم عن اشتياقهم الكبير للمدرسة، ليس فقط للدروس، بل للأصدقاء، وللأساتذة، ولأجواء اللعب والضحك التي يصعب تعويضها عبر الشاشات.
في المقابل، عبّر بعض الأطفال، خاصة بين عمر 10 و15 عامًا، عن رفضهم للتعليم الإلكتروني، معتبرين أنه يزيد الضغط عليهم بدل أن يخففه، في ظل صعوبة التركيز وغياب التفاعل المباشر. وبين هذا وذاك، يحاول الأطفال ملء أوقاتهم بطرق مختلفة، من تعلّم لغات جديدة مثل الآرامية، إلى قراءة الكتب والروايات، أو الانخراط في ممارسات دينية والدعاء لانتهاء الحرب.
لكن رغم هذا التكيّف الجزئي، يبقى الحنين إلى المدرسة حاضرًا بقوة، لا كمكان للتعلم فقط، بل كمساحة للحياة اليومية، حيث العلاقات واللعب والروتين.
المدرسة: أكثر من تعليم
تؤكد المعالجة النفسية شارلوت الخليل أن المدرسة لا تقتصر على كونها مساحة تعليمية أكاديمية، بل تشكّل عنصرًا أساسيًا في حياة الطفل من حيث الانتماء، والروتين، والهوية، والتواصل الاجتماعي.
وتشير إلى أن ابتعاد الطفل عن المدرسة لا يعني فقط خسارة الدروس، بل فقدان الإحساس بالاستقرار، ما يؤدي إلى شعور بالضياع وفقدان الاتجاه، وقد يدفع الطفل إلى الإحساس بأنه يتأخر عن غيره. وتلفت إلى أن الروتين، خاصة لدى الأطفال الصغار، عنصر أساسي في النمو، وغيابه يؤثر على السلوك والاكتساب والقدرة على التعلم.
وتحذّر من أن استمرار هذا الانقطاع قد يؤدي إلى صعوبات تعليمية دائمة، أو إلى ترسّخ قناعة بأن التعليم ليس أولوية، ما يشكّل خطرًا على جيل كامل. وتضيف أن أخطر ما قد يصل إليه الطفل هو فقدان الأمل، عندما يبدأ بالتساؤل:”لماذا أتعلم؟”.
في المقابل، تشدد على أهمية التعليم البديل، حتى لو كان بسيطًا، كوسيلة لإعادة بناء روتين يومي، وتعزيز الشعور بالاستمرارية، وتوفير مساحة للتواصل، مؤكدة أن الهدف في هذه المرحلة ليس الكمال، بل الحفاظ على الحد الأدنى من التعلم.
فجوة بين قطاعين
في قراءة أوسع، تشير نضال جوني، المختصة في القيادة التربوية، إلى أن تجربة التعليم خلال الأزمات في لبنان تكشف عن فجوة واضحة بين المدارس الخاصة والرسمية.
توضح أن القطاع الخاص يتمتع بموارد أفضل، من منصات تعليمية جاهزة، وفيديوهات تعليمية، ومتابعة إدارية دقيقة، ما يسمح بتقديم تعليم أكثر تنظيمًا، غالبًا ضمن نموذج هجين يجمع بين الحضور والتعليم عن بُعد. كما أن هذا القطاع يملك دافعًا إضافيًا للحفاظ على جودة التعليم، مرتبطًا بقدرته على تحصيل الأقساط.
إن تجربة التعليم خلال الأزمات في لبنان تكشف عن فجوة واضحة بين المدارس الخاصة والرسمية
في المقابل، يواجه القطاع الرسمي تحديات كبيرة، تبدأ من نقص الأجهزة والإنترنت، حيث غالبًا ما يتشارك عدة أطفال جهازًا واحدًا، أو يعتمدون على هاتف الأهل، ما يحدّ من قدرتهم على المتابعة. وتشير إلى أن التعليم يتم في كثير من الحالات عبر “واتساب”، من خلال إرسال فيديوهات ومواد تعليمية مبسطة.
وتزداد التحديات في حالات النزوح، حيث يفتقر الأطفال والمعلمون إلى الموارد الأساسية، من كتب ودفاتر وأجهزة، إضافة إلى غياب أماكن مناسبة للدراسة داخل مراكز الإيواء المكتظة، حيث قد يتواجد مئات الأشخاص في المساحة نفسها.
حين يصبح الواقع أقوى من التعليم
تلفت جوني إلى أن غياب الروتين اليومي، واضطراب النوم، والانشغال المستمر بالأخبار، كلها عوامل تؤثر سلبًا على قدرة الطفل على التركيز. كما أن البيئة المشحونة بالتوتر، والخوف على المصير، والخسارات التي تعيشها العائلات، تجعل من التعلم مهمة شبه مستحيلة في بعض الأحيان.
وتحذّر من أن هذه الظروف تؤدي إلى تعميق الفجوات التعليمية، مشيرة إلى أن الدراسات تُظهر أن الفجوة في القطاع الرسمي قد تصل إلى ثلاث سنوات دراسية، ما يهدد بتوسيع الفوارق الاجتماعية وإعادة إنتاج عدم المساواة.
وتضيف أن غياب أنظمة تقييم الأداء في القطاع الرسمي، مقارنة بالقطاع الخاص، ينعكس على مستوى الحافزية وجودة التعليم، رغم وجود مبادرات فردية مميزة من بعض المعلمين والمديرين.
كما تشير إلى أن تكرار الحروب يراكم شعورًا بفقدان الأمل لدى الأطفال، ما يؤدي إلى تراجع إيمانهم بجدوى التعليم، وتحويله من أداة لبناء المستقبل إلى عبء إضافي في حياتهم.
تعليم.. للحفاظ على المستقبل
في ظل كل هذه التحديات، لم يعد التعليم مجرد مسار أكاديمي، بل أصبح شكلًا من أشكال الصمود. قد لا يكون التعليم عن بُعد قادرًا على تعويض المدرسة، وقد يكون مليئًا بالثغرات، لكنه يبقى محاولة لعدم الانقطاع، وللحفاظ على خيط رفيع يربط الطفل بمستقبله.
في بلد اعتاد الحروب، بقي التعليم دائمًا أحد عناصر الأمان القليلة. واليوم، وسط كل هذا الانهيار، يبدو التحدي الأكبر ليس فقط في استمرار التعليم، بل في الحفاظ على إيمان الأطفال بأن هذا التعليم ومستقبلهم/ن ما زال يستحق المحاولة.













