لم يكن قرار اللّا إنجابيّة قرارًا هادئًا حين تتّخذه النساء. وحين أعلنت الكاتبة والمفكرة النسوية سيمون دي بوفوار عدم رغبتها في الإنجاب، لم يكن قرارها تمرّدًا أو رفضًا للأمومة، بقدر ما كان خيارًا مرتبطًا بالحرّيّة، وخارج الأدوار النمطيّة المفروضة على النساء. في المقابل، لم ينجُ هذا القرار من دائرة الشكّ الاجتماعي، لا عند سيمون دي بوفوار ولا عند كثير من النساء بعدها.
السؤال الأهمّ هنا: لماذا لا تُسأل النساء عن قراراتهنّ في الإنجاب، فيما يُعامَل أيّ قرار خارج هذا الإطار بوصفه استثناءً؟ ولماذا تحتاج خيارات النساء إلى تبرير أو ندم، كأنّ ما قرّرنه يُعتبَر خروجًا عن “الطبيعة”؟
منذ الطفولة، تُدخَل الإناث قسرًا في أدوار الأمومة. تبدأ الحكاية مع أوّل لعبة تُعطى للطفلة: “هذه ابنتك، اهتمي بها”. لعبة ليست بريئة، بل تدريب مبكّر على دورها كامرأة مقبولة في المجتمع. ويتّضح للفتاة أنّ العناية بالأطفال تقع على عاتق الأم، إذ تتدرّج الأدوار: “طفلة تُحضَّر لتكون عروسًا”، وعروس يُنتظر منها الأمومة بوصفها المصير الطبيعي. تُقال لها العبارة الحاسمة: “آخرتك للزواج والأمومة”. حتى لو نالت المرأة أعلى الشهادات، غالبًا ما يُنظر إلى تعليمها كطريق نهايته أن تصبح معلّمةً لأطفالها، وكأنّ الحياة تُختزل في نهاية واحدة حتميّة لا بديل عنها.
في مجتمعات تُدرَّب الطفلة فيها على الأمومة منذ سنواتها الأولى، وتُحدَّد أدوارها الجندريّة، كيف يُنظَر إلى النساء اللواتي يقرّرن عدم خوض هذه التجربة؟ غالبًا لا يُعامَل هذا القرار بوصفه خيارًا واعيًا، بل كتمرّد أو نقص.
من يملك السلطة على رحم النساء؟
في مجتمعاتنا الشرقيّة على وجه الخصوص، تنشأ الفتيات تحت كنف العائلة ونظام أبوي يمنح نفسه حقّ استخدام أجساد النساء على سجيّته. يتغاضى عن أشكال العنف كلّها، لكنّه يُشدّد، في المقابل، على مراقبة الرحم، والخصوبة، وتوقيت الإنجاب. يصبح جسد المرأة ساحة تنظيم وضبط، لا مجالًا للحقّ والاختيار.
اللاإنجابيّة، في هذا السياق، لا تُواجَه كخيار، إنّما كخروج عن النصّ الاجتماعي يستوجب العقاب الرمزي: “الشفقة، التشكيك، النصح القسري، أو التخويف من الندم”. تُعاقَب النساء اجتماعيًا، ويُدفَعن مرارًا إلى تبرير حياتهنّ وخياراتهنّ.
ما وراء البيولوجيا: رؤى متقاطعة بين بوفوار، كارول، والسعداوي
تتقاطع الرؤى الفلسفيّة والاجتماعيّة في مساءلة واحدة من أكثر المسلّمات رسوخًا في الوعي البشري: حتميّة الإنجاب وربط قيمة المرأة ببيولوجيا جسدها. تبدأ هذه المساءلة بجذورها الوجوديّة مع سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر، حيث ترفض اعتبار الأمومة تحقيقًا نهائيًا للمرأة، بل تتعامل معها كخبرة اجتماعيّة وتاريخيّة تُفرَض ضمن شروط غير متكافئة.
ترى بوفوار أنّ “الأمومة لا يمكن أن تكون تجربة تحرّر إلا إذا جاءت في إطار اختيار واعٍ، لا بوصفها قدرًا مفروضًا”. فالمجتمع يحوّل الوقائع البيولوجيّة (الحمل والولادة) إلى واجب أخلاقي ورسالة، ويطالب المرأة بأن تجد فيها المعنى المطلق، حتى لو كانت التجربة مُنهِكة أو متناقضة نفسيًا. إذ تعيش الأم انقسامًا حادًا بين ما يُنتظر منها أن تشعر به، وما تشعر به فعلًا، في ظلّ حظر مجتمعي يمنعها من الاعتراف بهذا التمزّق.
الأمومة لا يمكن أن تكون تجربة تحرّر إلا إذا جاءت في إطار اختيار واعٍ، لا بوصفها قدرًا مفروضًا
وتشير بوفوار إلى أنّ المرأة غالبًا ما تدخل الأمومة مدفوعة بضغوط الزواج، والزمن، والخوف من الوصم، والاكتفاء الوهمي عبر الطفل. هذا التوتّر بين صور “الاكتمال والسعادة” وبين مشاعر التعب أو الغضب الفعلي يُعَدّ في نظر بوفوار “خيانة” لصورة الأم المثاليّة، ممّا يجعل عملها منصبًّا على تفكيك الأمومة كبناء اجتماعي يُكبّل النساء منذ سنواتهنّ الأولى.
هذا التفكيك يجد صداه المعاصر عند الكاتبة لورا كارول في كتابها مصفوفة الطفل، التي تنظر إلى اللاإنجابيّة كمرآة تكشف منظومة ثقافيّة قامت لقرون على تقديس التكاثر. لا تكتفي كارول بنقد الضغط، بل تُفكّك السؤال القاسي الذي يطرحه المجتمع ضمنيًا: “ماذا سيحدث لكِ إن لم تُنجبي؟”. ترى كارول أنّ الرغبة في الأمومة قد لا تكون خيارًا حرًا، بل نتيجة تراكمات تربويّة وخوف من “فوات الأوان”. وتلفت الانتباه إلى انحياز السرديّة المجتمعيّة التي تُضخّم قصص “ندم اللاإنجابيّات”، بينما تسكت تمامًا عن قصص النساء اللواتي يندمن على الأمومة أو يعشنها كعبء، بهدف خلق وهم بأنّ الندم حتميّ فقط في حال عدم الإنجاب.
وتضيف كارول أبعادًا مؤسّساتيّة؛ فالدين يربط الإنجاب بالواجب، والتعليم يُكرّس الأبوة كمرحلة حتميّة، والسياسات العامّة تُكافئها كمرادف للتضحية، بينما يُستخدم خطاب “الغريزة” كتفسير جاهز يُلغي حقيقة أنّ القدرة البيولوجيّة لا تعني تلقائيًا رغبة نفسيّة أو اختيارًا واعيًا.
وفي السياق العربي، تلتقي الدكتورة نوال السعداوي مع هذه الطروحات عبر رؤية راديكاليّة في كتابها المرأة والجنس، حيث تُعيد تعريف جسد المرأة ككيان إنساني مستقلّ تمامًا عن “القدر الاجتماعي”. تُميّز السعداوي بدقّة بين “الرحم” كعضو بيولوجي، و”الوظيفة الإنجابيّة” كأداة سيطرة، مؤكّدة أنّ حصر المرأة في هذا الدور هو استراتيجيّة تاريخيّة لتحييد طاقتها الفكريّة والعمليّة، وإبقائها ضمن جدران المنزل بعيدًا عن مراكز التأثير. وتذهب السعداوي إلى أبعد من بوفوار وكارول بتأكيدها أنّ الأمومة تحت القهر ليست فعلًا ساميًا، بقدر ما هي “خضوع لبرمجة تربويّة خاطئة”.
إنّ المداخلة الجوهريّة التي تجمع هؤلاء الرائدات هي الدعوة إلى “أنسنة الإنجاب”، أي تحويله من وظيفة آليّة إلى اختيار مسؤول يمارسه إنسان ناضج. وتخلص السعداوي إلى أنّ تحرّر المرأة الحقيقي يبدأ حين تُدرك أنّ قيمتها مستمدّة من عقلها وإنتاجها الإنساني، معتبرةً أنّ “النبوغ في العمل أو الفكر” هو الولادة الحقيقيّة للذات. وبذلك، يتّحد الخطاب النسوي (من بوفوار إلى كارول إلى السعداوي) في التأكيد على ضرورة تغيير المناهج والمفاهيم، لتخرج المرأة من أسر “سرير الطفل والمطبخ” إلى آفاق الوجود الإنساني الرحب، خارج ثنائيّات الصواب والخطأ التقليديّة.
هل حقًا هناك مساحة آمنة لبوح النساء؟
تخبرني صديقتي عليا أنّها حين أخبرت عائلتها برفضها الزواج والإنجاب، لم تأخذ عائلتها قرارها على محمل الجدّ. لم ترفض العائلة رغبتها بشكل صريح، إنّما تحوّلت إلى موضع تشكيك ونزع أهليّة. تمّ التعامل مع قرارها بوصفه حالة مؤقّتة: “بس يجي حدا مناسب بتغيّر رأيها”.
لم ترَ صديقتي يومًا جسدها كأداة للولادة، حتى لو اختارت الزواج. كانت تنشد الزواج – إن حصل – بوصفه شراكة حياة، لا بوّابة إلزاميّة للأمومة. بالنسبة لها، لم يكن رفض الإنجاب رفضًا للحياة، إنّما رفضًا للتنميط الذي يبتلع عمق العلاقات الإنسانيّة ويختزلها في أدوار بيولوجيّة جاهزة.
في المقابل، لا تبوح صديقتي برغبتها خارج دائرتها الضيّقة، وتضطرّ، كما غيرها من النساء، إلى الاحتماء بلغة “القسمة والنصيب” لتوفير جهد التبرير والشرح أمام مجتمع يمنح نفسه حقّ تقرير مصير الأجساد والأرحام. وهي لا تُشكّل حالة فرديّة معزولة، إنّما تمثّل شريحة كبيرة من النساء اللواتي قرّرن التحفّظ عن إعلان كيف يُردن عيش حياتهنّ.
لم ترَ صديقتي يومًا جسدها كأداة للولادة، حتى لو اختارت الزواج.
كانت تنشد الزواج - إن حصل - بوصفه شراكة حياة
ويُشكّل هذا كلّه جزءًا من بنية العنف النفسي والرمزي التي تعيشها النساء في مجتمعات عدّة. هذه المجتمعات تُحيط النساء بالتشكيك الدائم، وتنزع الأهلية عن قراراتهنّ حول أجسادهنّ.
فحسب دراسة أعدتها منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) عام 2024، حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، تشير أن التوقّعات الاجتماعية تقيد دور المرأة بأدوار نمطية كالأمومة والإنجاب وتُستخدم كعامل من عوامل العنف الرمزي، وتُسهم في نزع الأهلية عن النساء في ما يتعلّق بقراراتهنّ حول أجسادهنّ، بما في ذلك قرارات متعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية، ما يُعدّ انتهاكًا لحقهنّ في اتخاذ قرارات حرّة ومسؤولة دون تمييز أو إكراه.
ما زال أمام النساء اللواتي اخترن عدم الإنجاب مسارٌ طويل لتفكيك الصور النمطيّة المُحيطة بهنّ، في ظلّ غياب اعتراف حقيقي بخيارات لا تقلّ مشروعيّة عن خيار الإنجاب، كاختيار عدم الأمومة، أو بناء حياتهنّ خارج منظومة الزواج والإنجاب، وتقرير شكل العلاقات خارج القوالب الجاهزة.
في نهاية المطاف، لا يكمن النضال في مجرّد الدفاع عن خيار عدم الإنجاب، إنّما يتجلّى في تحرير مفهوم “الاكتمال” من قفص الوظيفة البيولوجيّة. اليوم، أصبح إعادة تعريف معنى حياة النساء خارج إطار “الطبيعي” و”المفروض” ضرورة. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يتردّد في أذهاننا ليس: “ماذا سيحدث للمرأة إن لم تُنجِب؟”، إنّما: من الذي قرّر أنّها كانت ناقصةً في المقام الأوّل؟













